نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

مشاهد على طريق الزائرين


تحقيق: نانسي عمر

أيّام انتظرناها بفارغ الصبر، وساعات كنّا نعدّها بالثواني والدقائق، حتّى جاء اليوم الموعود، يوم انطلاق رحلتنا إلى أرض العراق الحبيب لزيارة الإمام الحسين عليه السلام لمناسبة الأربعين. مرّ النهار طويلاً بانتظار موعد الرحلة.. حلّ الليل وحان وقت وداع الأهل والأحبّة، للقاء الحبيب الأسمى؛ ولأنّها رحلة عشق، سننقل القارئ الكريم معنا في هذه الزيارة.


* بين النجف وكربلاء
في طريق العشق لا فرق بين مراحل القرب والبعد، فعندما تلامس الأقدام ذاك الطريق، تتحرّك القلوب الوالهة، فتطوي المسافات، وتصبح الساعات لحظات ممتلئة تفكُّراً ومناجاة..

* من النجف كانت البداية
في رحلة العشق من النجف إلى كربلاء، تختصر مسار حياتك كلّها، تراه بين عينَيك، تحسّ بصغرك وضآلتك، قطرة في بحر من العاشقين.
كانت مدينة النجف الأشرف تعجّ بالزوار، ومنهم من افترش أرض المقام متضيّفاً عند أميره. وكان اللقاء بالأمير عليه السلام مشهداً لن يمحى من الذاكرة، فحين تلمح قبّة المقام من بعيد يهتزّ قلبك شوقاً للقياه، فكيف بنا ندخل حرمه الشريف ونحن نزور ضريحه المبارك، ونستشعر عظمة رجل خلّد التاريخ ذكراه؟

* على طريق العشق
بعد وداع الأمير تبدأ مسيرة العشق الحسينيّ، على طريق سُمِّي "طريق المشّاية"، حيث يزحف بحرٌ من عشرات الملايين العاشقة سيراً على الأقدام من النجف إلى كربلاء المقدّسة، حيث المعشوق الذي تتلهّف قلوب المحبّين لزيارته، ونيل الكرامة العظيمة التي أعدّت لزائريه في الدنيا والآخرة.. حقّاً إنّه طريق الجنّة!

- 80 كم و1452 عموداً

هو طريق ليس كسائر الطرق.. 80 كيلومتراً تقريباً هي المسافة التي تفصل مدينة النجف الأشرف عن كربلاء المقدّسة، وزّعت على 1452 عموداً، تفصل بين العمود والآخر مسافة 50 متراً، لتعرِّف الزائر على المسافة المتبقية له للوصول.
ويستغرق الطريق مشياً من يوم إلى ثلاثة أيام بحسب قدرة الزائر على المشي، ويمكن الاستعانة بسيارات وباصات جُهِّزت خصيصاً لنقل الزوار إلى العمود الذي يحدّدون، أو إلى كربلاء مباشرة.

- على كلّ عمود صورة شهيد
كلُّ الأعمدة متشابهة، ولكن على كلٍّ منها رفعت صورة شهيد من شهداء الدفاع المقدَّس من مختلف الدول والمناطق، الذين قدموا أرواحهم فداء للأمة ودفاعاً عن المقدّسات، وبذلوا أرواحهم على طريق العشق الحسينيّ.
العمود رقم واحد يحظى بمحبّة كبيرة من كل "المشاية" كونه يعلن الانطلاقة المباركة لخطوات العشق نحو المعشوق. وكذلك العمود 1452 الذي يعلن نهاية المسير، وعنده يجد الزائر نفسه أمام مقام قطيع الكفين وقاضي الحوائج أبي الفضل العباس عليه السلام، في مشهد ينسيه كل ما مرّ به من تعب خلال تلك المسافة.

* أيّ عشق هو؟!
لذلك الطريق حكاية لا يستطيع راوٍ أو كاتب أو شاعر تجسيدها بالصورة الملائمة، فالصور والمشاهد التي تصادفها في الطريق يعجز أيُّ وصف عن وصفها. والأسئلة نفسها تراود معظم السائرين: أي جاذبيّة تلك التي تأتي بملايين الناس من كلّ بقاع الأرض على اختلاف جنسيّاتهم وأعراقهم وأعمارهم وألوانهم، لتجمعهم على طريق واحد يسيرون فيه بمخاطره وصعوبة ظروفه وحرّه وبرده دون تأفُّف أو تعب؟ وأيّ عشق ذاك الذي يجعل العائلات العراقيّة تفتح قلوبها وبيوتها بكلّ ما فيها لاستقبال الزوار؟ وأيّ يقين هو ذاك الذي يجعل البشر يتبرّكون بزوار الحسين؟ والجواب عند السائل نفسه: ما تلك إلّا جذبة الحسين عليه السلام، التي تأتي بالقلب والروح والنفس قبل الأقدام والجوارح!

* بنداء واحد: "لبّيك يا حسين"
ترافقك طوال الطريق أصوات اللطميات الحسينية، والمواكب من دول لم تسمع باسمها من قبل. ملايين البشر من كل حدبٍ وصوب، اجتمعوا على طريق المعشوق الذي وحّدهم وجمعهم على حبّه. تختلف الرايات والأعلام والصور، وتجتمع القلوب والحناجر على نداء واحد: "لبّيك يا حسين".

* لم آتِ لأصعد بسيارة
تصادف هناك شيخاً كبيراً يمشي محنيّ الظهر، يتعكّز على عصاه، يسبّح الله تعالى تارةً، ويذكر الحسين عليه السلام بدموع تتلألأ على خدَّيه تارةً أخرى. تسأله: لِمَ لا تزور راكباً؟ فيجيبك: "أنا لم آتِ لأترفّه، بل لأصل إلى مولاي مغبرّاً تعباً".. وتصادف سيّدة ستينيّة تمشي مهرولة وكأنّها تسابق قلبها إلى الحبيب. وعند سؤالها تجيبك: "أنا لم آتِ لأركب سيارةً، أريد أن أمشي كلّ المسافة إلى الحسين عليه السلام مهما كان التعب". وهناك أيضاً تشاهد أباً يحمل طفله على كتفَيه ويمشي به، وأمّاً تجرّ ولدها بعربةٍ... قائلين: "نريد أن يشرب أطفالنا حبّ الحسين عليه السلام والتلهّف على زيارته منذ الصغر"..

* القرآن رفيقي إلى الحسين عليه السلام

في ذاك الدرب، ترى عالم دين معمّماً، يمشي حافي القدمين، يجرّ بيده اليسرى عربته، ويحمل باليمنى مصحفاً كريماً لم تفارقه عيناه طوال الطريق. يقرأ آيات الله عزّ وجلّ خلال مشيه، لتكونَ عوناً له في ذلك المسير.

* سآتيك زحفاً سيّدي يا حسين
كذلك يستوقفك مشهد شابٍّ يجرّ والدته المقعدة على كرسيها المتحرك، يطلب بذلك رضى الله ورضى الحسين عليه السلام برضاها.

* سباق في خدمة الزوّار
هناك يتساوى كلّ الناس، يتسابق الطبيب وضابط الشرطة مع عامل التنظيفات في تنظيف الشوارع، بل وفي جمع غبار الزوار للتبرك بها، ووضعها في الكفن الذي سيلفّهم بعد الموت، بحسب ما قاله أحد الزوّار.

- "طعام يا زاير"
وهناك يتسابق الصغير والكبير في استقبال الزوار وإطعامهم واستضافتهم، وتلفتك عبارة: "طعام يا زاير" التي تسمعها طوال الطريق.

- الحسين عليه السلام سيردّها أضعافاً
وكذلك تجد بعض الزائرين يجمعون المال طيلة السنة لكي يصرفوه في الأربعين على زوار الحسين عليه السلام، لما في ذلك من بركة مؤكّدة، "فالحسين سيردّها أضعافاً بإذن الله".. هكذا يعبّرون.

- خدمات متنوّعة على حبّ الحسين عليه السلام

عدا عن تقديم الطعام، يتبرّع الناس من مختلف البلدان بتقديم الخدمات المختلفة للزوار؛ فهناك من يقدم المعاينات والعلاجات المختلفة مجاناً، وهناك مَن يتبرّع بمسح أحذية الزوّار وتنظيفها، وآخرون أحبُّوا تدليك الزوار ومساعدتهم في إكمال مسيرهم براحة. حتّى الفقير الذي لا يملك شيئاً للضيافة يصطفّ أطفاله خارج المنزل لتقديم الماء أو المناديل الورقيّة أو حتّى مجرّد رشّ الماء أو العطر على الزوّار وإنعاشهم.

* طريق التفقُّه والتعلُّم
هو طريق لم يغفل عن أي وسيلة لمساعدة الناس وتقديم العون لهم بمختلف أشكاله، فحتّى المسائل الشرعيّة وجدت لها مكاتب صغيرة على جوانب الطرقات، حيث يجلس علماء الدين ليستقبلوا أصحاب الأسئلة الشرعية والدينية ويمدوهم سريعاً بالأجوبة والفتاوى المناسبة.

* ما بين الحرمين
وبعد قطع كلّ تلك المسافة تصل أخيراً إلى العمود الأخير الذي يحمل الرقم 1452. ومن هناك تبدأ المواكب من مختلف بلدان العالم بالدخول تباعاً إلى مقام الإمام الحسين عليه السلام ومقام أخيه العباس عليه السلام، اللذين يفصل بينهما مكان يسمّى "ما بين الحرمين"، وهو من أكثر الأماكن روحانيّة وجمالاً، حيث تجد نفسك محاطاً بقبّة الحسين من جهة، وقبّة العبّاس من الجهة المقابلة، في مشهد يعجز اللسان عن وصفه.

* تعبٌ يُنسى بلحظة اللّقاء
هي مشاعر تختلج في الأعماق دون القدرة على التعبير عنها، فالقلب الذي يهوى يستحيل أن يعبّر عن إحساسه عند لقاء معشوقه، فكيف به وهو يلقاه بعد انتظار طويل ومسافة أطول لا تخلو من التعب والجهد، تعب يُنسى بلحظة اللقاء، والقلب يوحي للّسان أن لا أمنية لي إلّا: "اللهم ارزقني العودة".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع