قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

منبر القادة: لن تسقط راية الحسين عليه السلام

الشهيد الشيخ راغب حرب رحمه الله

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَ قَلِيلٌ إِلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التوبة: 38-39).

*حجّة الشهيد أقوى
أيها المؤمنون والمؤمنات، إنّ الشهادة تُعتبر حجّة على الناس، كما النبوّة. وقد بيَّن الله تعالى ذلك في الكتاب الكريم عندما حدّد ميزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومهامّه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (الأحزاب: 45-46).

النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذاً، هو شاهد ويؤدي لله على الناس الشهادة. والشهادة هي أن يطبّق بنفسه ما يدعو إليه من طاعة الله والعبودية الخالصة له.
والنبي شاهد وشهيد قبل أن يكون مبشراً ونذيراً، لأن الحجة الأقوى على الناس في يوم الدين وفي الحياة الدنيا هي حجة الشهيد، فهو الصراط الذي يمكن أن يسير عليه الناس إلى الله سيراً مستقيماً، لا اعوجاج فيه، ولا التواء.
فالشهيد - إذاً - هو حجة الله على الناس.


*الشهادة روح النبوّة
فالشهادة كالنبوة إذاً، بل يمكن القول هي روح النبوّة، وإنما كان للنبيين أعلى المراتب عند الله، لأنهم كانوا جميعهم شهداء.
وهنا وليس بالضرورة أن يكون الشهيد قتيلاً، فالشهيد هو الصادق القول، والصادق العمل والنية، ويكون استعداده النفسي للموت والقتل في سبيل الله في أعلى مراحله أو مراتبه، وقد يوفق للقتل أو لا يوفق. ومن الشهداء من تغدو بهم مراتب الشهادة رفيعة، فيكون الواحد منهم شهيداً على دينه، وعلى الدين الذي يليه، وقد تستمر شهادته على الأجيال جيلاً بعد جيل.


*حقيقة هامة
كما كان الحسين عليه السلام هو شهيد دائم الشهادة إلى يوم الدين. وهناك العديد من الروايات التي حدثتنا عن موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شهادته، وإخباره الناس بها وإخبار أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً بها.
فأي شيء كان في شهادة الحسين عليه السلام؟ ولماذا شهد الإمام الحسين عليه السلام على مجتمعه؟

هناك حقائق عدَّة لا بد من تبيانها قبل الإجابة عن ذلك ويأتي في مقدّمتها أن الحسين عليه السلام قد سار إلى قتلٍ معلوم ومؤكد، وذلك بالاستناد إلى أمرين:
الأول: إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ولأمّه وأبيه، بالإضافة إلى أمّ سلمة التي أعطاها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب كربلاء التي سيقتل عليها الحسين عليه السلام.
الثاني: إنَّ كل عارف مطّلع على المجتمع الإسلامي آنذاك يعي أن ثورة الحسين عليه السلام جاءت بعد عشرين عاماً من بداية الحكم الأموي المتسلط الذي ثبّت أقدامه على الجور، والطغيان، والظلم والفساد؛ لذا وصل إلى مستوى التجرّؤ على الانحراف بمسار الحكم الإسلامي إلى مأزق الملك العَضوض، وولاية العهد من غير تمسّك بقيم الدين ومبادئه. وقد وصل الأمر إلى أن يقف الخطيب في أيام معاوية، ليعلن للناس إمارة يزيد، فيقول: إنَّ أمير المؤمنين هو هذا، وأشار إلى معاوية، فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى السيف1.

هذه الكلمات الثلاث تلخص الموقف القائم آنذاك، وتلخص ثقة السلطة بموقعها وبطشها وقدرتها على سحق أي تحرك أو تمرد على هذا الوضع.

*ضجيج الثورة
إنَّ كلَّ من اطلع على ذلك يعرف أنَّه لا يُتاح لأيّ ثورة أن تتحرك بصمت، وحتَّى أولئك الذين عاصروا الحسين عليه السلام من العارفين بحقائق الأمور وظواهرها، من أمثال الذين نصحوه بترك الخروج أو بالهروب وعدم المواجهة، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومحمد ابن الحنفية، وعبد الله بن جعفر، وعبيد بن يزيد، وأمثالهم، ممن لم يذكر التاريخ أسماءهم، هؤلاء جميعاً كانوا يعرفون أن ثورته عليه السلام تسير إلى الموت المحتم. ومع هذا، تحرك الحسين عليه السلام وفق النصوص المؤكدة البيّنة التي أعلنها يوم انطلق في مخاصمة والي المدينة.
يتخيَّل العديد من الناس أنّ الحسين عليه السلام وقع في ورطة، ولم يستطع التخلص منها، وأنّ كُتب أهل العراق هي التي فاجأته وحرّكته وأحضرته إلى المعركة، وتمّ في إثرها خذلانهم له.

*مثلي لا يبايع مثله
لقد أعلن الحسين عليه السلام نقض البيعة منذ مات معاوية لمراجع كثيرة من تلك الأيام، حتى بدأت الكتب تتوافد عليه.
ثمّ إنَّه بمجرد أن دعاه الوليد إلى دار الإمارة في المدينة، وطلب إليه البيعة ليزيد، وحرّض مروانُ بن الحكم الوليد على أن يأخذ الحسين عليه السلام أخذاً شديداً ليبايع، أعلن الحسين عليه السلام هذا الموقف: إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الوحي والعصمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاجر معلن للفسق والفجور، قاتل النفس التي حرم الله، شارب للخمر، ومثلي لا يبايع مثله2، وانطلق بعد ذلك إلى مكة.
انطلق الحسين عليه السلام إلى مكَّة للحج؛ لأن الحدث كان قبل ذي الحجَّة، وقد خطب في الناس يوم عرفة خطبة معروفة. فيوم عرفة هو يوم الحج الأكبر، وهو يوم هام فيه كانت تُعلن الأمور المهمَّة جدّاً قبل أن يعطّل الحكّام دور الحج ويطوِّقوا فعاليَّته!


*خطاب المقبل على الآخرة
لقد خطب الإمام الحسين عليه السلام في يوم الحج الأكبر بعد أن حوّل حجّه إلى عمرة مفردة خطبة نعى فيها نفسه، فقال: "خُطَّ المَوتُ على ولد آدم مَخَطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ...".
وقد تحدث الإمام عليه السلام حديث المقبل على الآخرة: "وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات - أي ذئاب الفلوات - بين النواويس وكربلاء"3، وقد دعا الناس في آخر هذا الكلام إلى الالتحاق به.
لم يدعُ الإمام عليه السلام الناس إلى أن يتسلموا إمارة، ولا وزارة، وإنَّما قال: "من كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مُصبحاً إن شاء الله"4.

أثناء هذه المرحلة وبعدها، أخذ أهل العراق، وهم يريدون الخلاص من المحتل، يرسلون الكتب إلى الحسين عليه السلام، يستقدمونه فيها، وكان الحسين عليه السلام يريد حاضرةً إسلامية تدعوه وتناصره. ففي المدينة لم يتحرك أحد، وهي قد غدت، خلال عشرين عاماً من الحكم الأُموي، عابثةً لاهيةً بعمل إعلامي مركز، على الرغم من أنَّها صدّرت الإسلام مرتين! ولكنَّ البلد الوحيد، الذي طلب من الحسين عليه السلام القدوم من أجل مبايعته ونصرته هو الكوفة، لذا سعى إليها، وهو يعرف سلفاً أن السلطة لن تسمح للكوفة بأن تتحرك وتُعلن ثورتها بهذه السهولة.
إن الحسين عليه السلام سار إلى موتٍ مدروسٍ تماماً في جميع حلقاته.


*مجتمع مشلول
وأمَّا المجتمع الإسلامي، فقد كان ينضح كراهية للأمويين، ولكنَّه مشلول إلى أقصى الحدود!
ولقد بعثوا إليه الأمان في أثناء الطريق، ولكنَّه قال: من لحق بنا استشهد، ومن تخلف عنا لم يبلغ الفتح5. وعندما قال له علي الأكبر: "خُيّل إليَّ فارس"، قال له: "إن القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم"، فأجابه: "ألسنا على الحق؟"، قال: "بلى"، قال: "إذاً لا نبالي أن نموت محقّين"6.
كان الإمام عليه السلام يذكّر الناس بالموت في كل مراحل الطريق، وقد بلغه مقتل مُسلم، وهو في الطريق، فخطب في الناس، وقال: إن أهل الكوفة نكثوا بيعتهم، فمن يريد أن يرجع فليرجع، فإني ماضٍ، وعندما سألوه: لماذا؟ أجاب: "شاء الله أن يراني قتيلاً"! وعندما سألوه: لماذا تخرج النسوة؟ أجاب: "شاء الله أن يراهنَّ سبايا"7.

لقد كان المجتمع الإسلامي ينبض بالبغض لآل أمية: المدينة ومكة فيما كانت الكوفة والبصرة تتململان منهم. ولما اجتمع الآلاف حول مسلم بن عقيل يوم طوّق قصر الإمارة، كانت حتّى المرأة تأتي إلى أخيها أو ابنها أو زوجها، لتقول له: ارجعْ، ما لنا وللسلاطين، ودع هذا الأمر للناس8!


*فلتُهدم كل البيوت
كان كل واحدٍ من هؤلاء يفكر بنفسه خلافاً لأمر الإسلام الذي يقول: لا يجوز أن تفكّر بالاطمئنان وحفظ الذات بشكل شخصيّ، وإنَّما علينا أن نجعل بيوتنا كلّها بيتاً واحداً، فإذا هُدِمت، فلتهدم كلّها، أو لتبقَ كلّها. ورؤوسنا رأس واحد أيضاً، فإمَّا أن تُقطع كلّها، وإما أن تَسْلَم كلّها.

خرج مسلم بن عقيل، فلم يجد من يدلّه على الطريق. وأنا أعتقد أن هذا هو سرّ خذلان الحسين عليه السلام، فقد كان يحاور كل فرد على حِدَةٍ، وعندما قال لعمر بن سعد: التحق بنا، قال له: أخاف أن يهدموا بيتي، وأن يستولوا على ضيعتي، وأن يقتلوا أولادي! 9
عندها اضطرَّ الحسين عليه السلام أن يتلو عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24).


*شهادة الحسين عليه السلام موت سعادة!!
كان من الواجب أن تُدان هذه الروح، ولم يكن الحسين عليه السلام قادراً على إدانتها بالحديث؛ لأنَّه وَجَدَ أن الحديث مع هؤلاء لا ينفع في إدانتها وإصلاحها؛ فقد كان الأشخاص الذين يتحدّثون معه يقولون له: نحن نهيّئ لك طريقةً للهرب، أو نتوسّط لك عند الولاة. وهذه هي حال عبيد الله بن الحرّ الجعفي، وهو من العراقيين، فقد قال له الحسين عليه السلام: التحق بنا خيرٌ لك في دينك ودنياك، فأجابه: هذه فرسي، والله ما تَبعْتُ عليها أحداً إلا أدركته، وما فررت من أحد، واستطاع اللحاق بها، خذها لك 10. فما معنى هذا الكلام؟

وجَدَ الإمام الحسين عليه السلام نفسه غير قادرٍ على إدانة هذه الروح المتخاذلة، والإسلام يُسلب يوماً بعد يوم، فتُقلع جذوره حيناً، ويؤخذ من أطرافه حيناً آخر، وتستحل حرمات الله علانية: "ألا ترون إلى المنكر لا يُتناهى عنه، وإلى المعروف لا يُعمَل به، فليرغب المؤمن في لقاء ربه، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا بَرَماً"11.


*شهادة أدانت كل شيء
أدى الإمام عليه السلام بمصرعه شهادة أدانت كل شيء في مقابل الإسلام، فلم يعد هنالك عذر لمعتذرٍ، فإذا قال أحدهم: أخاف أن تُهدم داري، فإنَّ دار علي بن أبي طالب عليه السلام هُدِمت، وإذا قال أحدهم: أخاف أن يذبح أبنائي، فإنَّ أبناء رسول الله عليه السلام ذُبحوا، وإذا قال أحدهم: هتكت نسائي، فإنَّ بنات رسول الله عليه السلام أُخِذْنَ سبايا.
لقد سجّل شهادة كاملة؛ لذا نلاحظ أن ثورته أعطت فعالية عالية، وليس صحيحاً أنَّها انتهت في اليوم العاشر من المحرَّم، وإنَّما بدأت منذ تلك اللحظة، ولم تسقط هذه الراية حتى الآن، ولن تسقط أبداً.

إنَّ الذين يؤرخون للثورات بعد ثورة الحسين عليه السلام يقولون: لم يمرّ عهد من عهود الحكم الظالم بعد الحسين عليه السلام إلا وقد واجه ثورة أو أكثر من ثورات الحسين عليه السلام، وحتى أولئك الذين كانوا يفكّرون بالتوسّط للإمام الحسين عليه السلام، انطلقوا ثائرين على بني أمية، وواقعة الحرّة شاهدة على ذلك.
هكذا يظهر كيف حمى الحسين عليه السلام الإسلام بدمه، وأثبت أن الإسلام هو أعظم وأعزّ وأهمّ من أي شيء، وليس سبي النساء سوى دليل يُضاف إلى ذلك.


*الإسلام أعزّ وأغلى
وعندما نقيم عزاء الحسين عليه السلام، لا بُدَّ من أن نتعلم من ذلك كلّه، أن الإسلام هو أعز وأغلى وأثمن من أي شيء في الأرض كلها.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا لحفظ الإسلام ونصرته، وأن يجعلنا من الدعاة إلى طاعته، والقادة إلى سبيله، وأن يرزقنا كرامة الدنيا والآخرة.


* خطبة ألقاها الشيخ بمناسبة ذكرى عاشوراء الحرام، الليلة الثامنة، بتاريخ 14/10/1983م.
1.كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج4، ص333.
2.يراجع: اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص17.
3.م.ن، ص38.
4.لواعج الأشجان، السيد محسن الأمين، ص70.
5.بصائر الدرجات، محمد بن الحسن الصفار، ص502.
6.الإرشاد، المفيد، ج2، ص82.
7.اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، م. س، ص40.
8.يراجع: تاريخ الطبري، الطبري، ج4، ص277.
9.يراجع: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج4، ص54.
10.كتاب الفتوح، م.س، ج5، ص74.
11.نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحلواني، ص88.

أضيف في: | عدد المشاهدات: