قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

نور روح الله: حبّ الدنيا حجاب الصلاة(*)


من موانع حضور القلب في الصلاة كون الخيال فرّاراً، يتنقّل من غصن إلى غصن، وكذلك حبّ الدنيا، حيث يتعلّق الخاطر بالحيثيّات الدنيويّة، رأس الخطايا.
تطويع الخيال لتحصيل سكون الخاطر قد تحدَّثنا عنه في العدد السابق، ونكمل في هذا العدد ما ذكره الإمام قدس سره عن حبّ الدنيا الذي يشتّت الخيال ويشكّل مانعاً من حضور القلب وعلاجه بالمقدار الميسور.


* حال المؤمن مع الدنيا
لمّا أحسسنا الاحتياج إلى الدنيا وجدناها رأس مال للحياة ومنبعاً للذات، نتوجّه إليها ونسعى في تحصيلها، فإذا آمنّا بالحياة الآخرة وأحسسنا أنّا محتاجون إلى العيش هناك، وأنّ العبادات كلّها، والصلاة على وجه الخصوص رأس مال للعيش في ذلك العالم ومنبع لسعادات تلك النشأة، فلا محالة نسعى في تحصيله، ولا نجد لأنفسنا في هذا السعي والاجتهاد أيّ تعب أو مشقّة أو تكلّف، بل نكون في صدد تحصيله مع الاشتياق والشوق الكامل، ونحصّل شرائط حصوله وقبوله بإقبال من أرواحنا وقلوبنا.
فهذه البرودة التي فينا إنّما هي من برودة أشعة الإيمان، وهذا الوهن الذي نجده إنّما هو من وهن أساس الإيمان. ولو كانت أخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام وبراهين الحكماء والعرفاء عليهم الرضوان؛ أوجدت في أنفسنا مجرّد الاحتمال بالصدق لكان اللازم علينا أن نقوم بالأمر ونجتهد في تحصيله بأحسن ممّا نحن فيه. ولكن مع الآلاف من الأسف، فإنّ الشيطان قد تسلّط على باطننا وتصرّف بمجامع قلوبنا ومسامع باطننا، وهو لا يدع كلام الحقّ وأنبيائه وكلمات العلماء ومواعظ الكتاب الإلهيّ تصل إلى سمعنا، فسمعُنا الآن إنّما هو السمع الحيوانيّ الدنيويّ، ومواعظ الحقّ تعالى لا تتجاوز الحدّ الظاهر، ولا تصل إلى الباطن، وذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومن الوظائف المهمّة للسالك إلى الله والمجاهد في سبيل الله أن يرفع اليد بالكليّة خلال مجاهدته وسلوكه عن الاعتماد على نفسه، ويكون بجبلّته متوجّهاً إلى مسبّب الأسباب وبفطرته متعلّقاً بمبدأ المبادئ، ويطلب من ذاته المقدّسة العصمة والحفظ، ويعتمد على تأييد ذاته الأقدس، ويتضرّع في خلواته إلى حضرته، ويطلب إصلاح حاله مع كمال الجدّ في الطلب منه تعالى، فإنّه لا ملجأ دون ذاته المقدّسة والحمد لله.

* قِبلة القلب المحبّ
فليُعلم أنّ القلب -بحسب فطرته- إذا تعلّق بشيء وأحبّه يكون ذاك المحبوب قبلة لتوجّهه، وإن شغله أمر ومنعه من التفكّر في حال المحبوب وجمال المطلوب. فبمجرّد أن يخفّ الاشتغال ويرتفع ذلك المانع يطير القلب شطر محبوبه فوراً ويتعلّق بذيله. فأهل المعارف وأرباب الجذبة الإلهيّة إذا كانت قلوبهم قويّة وصاروا متمكّنين في الجَذبة والحبّ فيشاهدون في كلّ مرآة جمال المحبوب وفي كلّ موجود كمال المطلوب ويقولون: "ما رأيتُ شيئاً إلّا ورأيتُ الله فيه ومعه".
وإنّ سيّدهم صلى الله عليه وآله وسلم إنْ قال "إنّه لَيُغان على قلبي، وإنّي لأستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرة"، إنّما ذلك لأجل أنّ مشاهدة جمال المحبوب في المرآة وخصوصاً المرايا الكَدِرة، كمرآة أبي جهل، هي بنفسها موجبة للكدورة في قلوب الكُمّل، أمّا إذا كانت القلوب غير قوّية فيكون الاشتغال بالكثرات مانعاً من الحضور، لكن تعود قلوبهم إلى محبوبها وتتعلق بجمال قدسه عند الاشتغال بذكره.

* عندما تأخذ الدنيا بمجامع القلوب
أمّا الطالبون لغير الحقّ الذين هم عند أهل المعرفة كلّهم طالبون للدنيا فما يكون مطلوباً لهم فهم يتوجّهون إليه ويتعلّقون به فهؤلاء إنْ كانوا مفرطين في حبِّ محبوبهم (الدنيا) الآخذ بمجامع قلوبهم، فلا يُسلَبون التوجّه إليه ويعيشون مع محبوبهم على كلّ حال ومع كل شيء. وأمّا الذين يكون في قلوبهم حبّ المال والرياسة والشرف، فأولئك يشاهدون مطلوبهم في المنام أيضاً ويتفكّرون في محبوبهم في يقظتهم، وما داموا يشتغلون بالدنيا فهم يعتنقون محبوبهم، فإذا حان وقت الصلاة حصل للقلب فسحة عن الاشتغال بمطلوبه، فوراً.

فكأنما تكبيرة الإحرام هي مفتاح دكان أو رافعة للحجاب بينه وبين محبوبه، فيتنبّه وقد سلّم في صلاته، وما توجّه إليها أصلاً، وهو في جميع الصلاة كان معتنقاً فكر الدنيا؛ فلهذا نرى أنّ الصلاة في مدى أربعين أو خمسين سنة، ما أثّرت في قلوبنا غير الظلمة والكدورة، وما هو معراج قرب جناب الحقّ ووسيلة الأُنس بذلك المقام المقدّس، قد صرنا مهجورين به من ساحة القرب، وأُبعدنا عن مقام الأُنس بفراسخ، ولو كان في صلاتنا رائحة العبوديّة، لكانت ثمرتها التواضع، لا العجب والكبر والافتخار التي يصلح كل واحد منها سبباً مستقلاً، وموجباً منفرداً لهلاك الإنسان وشقاوته.

أمّا العلاج من حبّ الدنيا، المانع من حضور القلب في الصلاة، فهو العلم والعمل النافعان. وسيأتي الحديث عنهما في العدد القادم إن شاء الله.


(*) كتاب الآداب المعنوية للصلاة، من الفصلين (الحادي عشر والثاني عشر).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع