قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

بنداء... "يا حسين"


تحقيق: زهراء عودي شكر

"لقد علّمنا الإمام سيّد الشهداء كيفيّة النهوض بأعداد قليلة ضدّ حكومة ظالمة يغطي نفوذها كلّ مكان. لقد علّمنا أن لا نخاف من قلّة العدد في ساحة المعركة، وأنّ مآتمه الشريفة، تعطينا وحدة الكلمة التي ستؤدّي إلى انتصارنا على أعداء الله وأعداء الإسلام. إنّ الشعب الذي يؤمن بالإمام سيّد الشهداء سيُضحّي في سبيل الله بالطفل ذي الستّة أشهر، وبالشيخ ذي الثمانين عاماً".

هذه الكلمات التي خطّها الشهيد علي أحمد فارس(1)، على صفحة قلبه قبل ورقه، كانت وقود رجال الله في زماننا وسرّهم المصون. فإذا أردت أن تعرف كيف يُعلّم الحسين عليه السلام سرّ الحياة، فاقرأ شيئاً من حكايا ووصايا مَن تعلّموا منه، فباتوا همُ الأحياء.

* من حكاياتهم مع الحسين عليه السلام
في أخلاقهم وسلوكهم، في نداءاتهم وضرباتهم، وفي وصاياهم وعهودهم يقبع حسينهم، ويُصوّرون مشاهد ملحميّة، تُحيك في مخيّلتنا زمن الحسين والعبّاس وترجع بنا إلى شريط الزمن الماضي الذي يسكن فينا، حيث عاشوراء وزينب والأصحاب.
وكما وضع أبو الأحرار العبوات الناسفة في أروقة الحكم الأمويّ ففجّرتها ونسفت معالمها، كذلك أبى هؤلاء المجاهدون إلّا أن يتأسّوا به ويحاربوا أعداء الإسلام بكلّ ما لديهم فعَلَت هتافاتهم الحسينيّة وزعزعت الأرض تحت أقدام أعدائهم، ولهم مع الحسين حكايا.

1- "عجباً لمن لا يقرأ زيارة عاشوراء!"

كان الاستشهاديّ هيثم دبوق(2) يواظب على زيارة عاشوراء كلّ ليلة، وقد ذكر في وصيته: "علينا أن نكون حسينيّين، فإنْ لم نكن حسينيّين فنحن يزيديّين"، وقال أيضاً: "عجباً! كيف يكون الإنسان مؤمناً، ولا يقرأ زيارة عاشوراء؟"، وقد رزقه الله الشهادة عندما قام بتنفيذ عمليّته البطوليّة في 7 محرم، في تلّ النحاس.

2- "مسيرة الحفاة"

أمّا الشهيد حسن محمد مرعي(3)، فقد كان مواظباً على زيارة عاشوراء بعد صلاة الفجر يوميّاً، وكان من أوائل المشاركين في مسيرة التاسع من محرّم، حافي القدمين، المسيرة التي أصبحت سُنَّة في جبشيت أيّام الشيخ راغب حرب، والنبطيّة ثمّ بيروت، وأطلق عليها اسم "مسيرة الحفاة". لم تنقطع مشاركته إلّا قبل استشهاده بثلاثة أيّام، حيث كان مرابطاً، فهاتف عائلته سائلاً عن أجواء المسيرة حيث عزَّ عليه كثيراً أن لا يشارك يوم التاسع، وارتفع بعدها شهيداً في 11 من محرّم.

3- "يخدم الحسين عليه السلام بقلمه"

أمّا الشهيد خضر أحمد وهب(4)، فقد كان يخدم الحسين عليه السلام بطريقته، حين كان فتيّاً في عمر 14 عاماً، بدأ مع أحد رفاقه في تأليف مسرحيّات تُقدّم أحداث يوم الطفّ، وأسّس "مجموعة الزهراء" أو "مجموعة السيّد وهب"، في أوّل الثمانينيات لتُعرَض المسرحيّات الحسينيّة في يوم العاشر في قرى الجنوب، وإلى الآن في مجدل سلم، ببركة جهود الشهيد.

4- "حمل رايتها وقال: لبّيك يا زينب!"

للشهيد علي شبيب(5) (أبو تراب) حكاية مع السيّدة زينب عليها السلام ، فعلاقته المميَّزة بها منذ الطفولة، حيث كان يرافق جدّه إلى المقام ليساعده في خدمة الزوّار إذْ كان خادماً هناك، جعلته فارساً عباسيّاً مقداماً مدافعاً عن مقامها الشريف، وقد تشرّف برفع راية النصر على قبّتها، وهو ينادي: "لبّيكِ يا زينب... والله لن تُسبي مرتين".

* حبّ الحسين عليه السلام مداد وصاياهم
في الحياة صعد المجاهدون والشهداء سفينة الرَّكب الحسينيّ قولاً وفعلاً، ونهلوا منها مفاهيم العزم والإيمان والشجاعة والحنوّ والمسامحة والثقة بقضاء الله وقدره، فورثوها وأورثوها، لا بل شدّدوا عليها في وصاياهم، التي تحمل بين طيّاتها كلماتهم الأخيرة، لم تقتصر على وداع الأهل، إنّما تعدّته إلى استحضار ذكرى عاشوراء حتى الرمق الأخير.

1- "نداؤه يتناهى إلى مسامعي"

فالشهيد غسان علي غانم(6) لم يغادره نداء الإمام الحسين عليه السلام، وقد عبّر عن ذلك بوصيّته قائلاً: "نداء الإمام الحسين يتناهى إلى سمعي (ألا من ناصر ينصرنا)، (ألا من معين يُعيننا)، فكيف بي وأنا أسمع نداء مولاي، ولا ألبّيه؟ فهو الذي ضحَّى بكلِّ شيء في سبيل الله، بالنفس، بالعيال، والأصحاب".

2- "من طريق الحسين عليه السلام.. أنطلق"

تنصرف نصوص الوصايا إلى رفاق درب الجهاد ليستأمنوهم إكمال الجهاد التي يوقدها الحسين عليه السلام، منها وصيّة الشهيد حسين غدّار(7): "انطلقت في درب الشهادة، في درب الإمام الحسين عليه السلام ولم أبالِ بأيّ قوّة سوى قوّة الله، حيث قدّمت نفسي قرباناً في سبيله معتمداً عليه وعلى العزائم الحسينيّة.. فيا إخواني، ثبّتوا عزائمكم عند الله مع كلِّ مسيرة شهيد، فكلّما سقط شهيد من أنصار الحسين عليه السلام يولد آلاف المجاهدين".
ويوصي الشهيد يوسف علاء الدين(8) إخوانه بأن "لا يُفوّتوا هذه الفرصة في الخطِّ الكربلائيّ الحسينيّ، خطّ حزب الله، المقاومة الإسلاميّة العظيمة التي بذلت الدماء الطاهرة ولا زالت حتى عصرنا الحاليّ، وتبقى إن شاء الله تعالى حتى ظهور الحجّة المنتظر المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف".
فيما يصفهم الشهيد نوح حسن(9) "بعشاق الشهادة، عشاق الأرض التي ابتلّت بالدماء؛ لكي تلتقي مع دماء سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام؛ لتصنع فجراً حديثاً للأمّة بعد أن عاشت حياة الذلّ والقهر".

3- الحسين عليه السلام.. تكليف

اتّخذ الشهداء قضيّة الحسين عليه السلام وسيلة لبثّ الصبر في ذويهم، وزرع القيم الدينيّة، فالشهيد أمير الصاروط(10) يهوّن على أهله شهادته طالباً منهم النظر إلى الإمام الحسين عليه السلام: "فهو ذهب إلى كربلاء عالماً بموته، لكنّه كان واثقاً ومتيقّناً بأنّه يؤدّي تكليفه الإلهيّ، وأنّ الله معه، وأنّ النتيجة بنصره هي وعد الله، فالجهاد لذّة حقيقيّة حتّى في الصعاب والشقاء والعناء؛ لأنّ هذا يقرّبه إلى وجه الله الأعلى".

4- الحسين عليه السلام وإحياء الصلاة

يوجّه الشهيد حسن نبيه سلمان(11) من خلال زيارة عاشوراء وحركة الحسين عليه السلام، دعوةً للحفاظ على الصلاة في وصيّته: "نقرأ في زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام: (أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر). نعم، سيّد الشهداء جاء إلى كربلاء من أجل أن تظلّ أحكام الله تعالى حيّة، واستشهد من أجل أن تبقى الصلاة حيّة".

5- "أمّي، مدرستي الحسينيّة"

عكس الشهيد إبراهيم رمّال(12) مشهداً عن تربيته الحسينيّة في وصيّته التي جاء فيها: "أخواتي العزيزات: أتمنّى أن تكون دمائي مشاعل مضيئة لطريقكنّ ودرعاً واقياً لحجابكنّ، أرجو أن تتمثّلنَ بزينب الحوراء وفاطمة الزهراء عليهما السلام، وتكنّ مثال المرأة الرساليّة في عصر الفساد وتدفعن الرجال للجهاد دوماً، والذَّود عن حمى المسلمين.
أمي الحبيبة: يا أعذب كلمة نطق بها لساني، وأعظم مدرسة حسينيّة أرضعتني حبّ الشهادة، وحبّ الجهاد في سبيل الله، عرفتك أمّاه صابرة ومجاهدة، فأرجوكِ أن لا تذرفي الدموع إلّا على الحسين عليه السلام؛ لأنّنا بذكر الحسين عليه السلام نحيا وبحبّه نتغذّى. أمّي إنَّ عرسي الذي كنتِ تنتظرينه هو شهادتي، ففرِّقي الحلوى، وإياكِ أن ترتدي السواد لأنني حيٌّ عند ربّي أُرزق".

6- "دماؤه عليه السلام حفظت الإسلام، فارفع رأسك والدي"

وكذلك خاطب الشهيد محمد أشمر(13) والده وطلب منه: "التصبّر بذكر سيّد المصائب، وأهل البلاء، سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذي لم يقدّم نفسه فحسب، بل قدّم كلّ أصحابه ثم قدّم أولاده وأقرباءه حتى اضطرّ إلى سبي النساء، كلّ ذلك من أجل رفع راية لا إله إلّا الله ومن أجل الإبقاء والحفاظ على الإسلام المحمديّ الأصيل. فأوصيك يا والدي أن لا تبكي عليّ أبداً ولا تحزن، بل عليك أن تفرح بنبأ استشهادي؛ لأنّك بإذن الله ستكون مرفوع الرأس أمام سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام وستبقى بجواره بإذن الله تعالى.
أبي: صحيحٌ أنّ الفراق صعب، صعب جدّاً، ولا أقول سوى ما قال سيّد الشهداء عليه السلام لأخته زينب عليها السلام : "يا أخيَّة، إنّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، إنَّ جدّي قد مات وهو خيرٌ منّي، وإنّ أبي قد مات وهو خيرٌ منّي)".

7- الحسين عليه السلام قضيّة، ومواساته عشق

ومن أولئك الشهداء الذين أعلنوا الموقف والوعي بقضية الحسين عليه السلام وتأثيرها الشهيد سمير مطوط(14): "أقول لكلّ الناس: دماء الإمام الحسين عليه السلام لن تذهب هدراً، بل أَعدَّت أجيالاً وأبطالاً ومجاهدين وعلماء وشهداء، وانتصرت الثورة ورُفع علم الرحمن فوق أرض الرحمن، وانبرى مشعل الهداية وأُطفئت طريق الضلالة". وعاد وطلب مواساة الإمام الحسين عليه السلام بنفسه في وصيّته: "أطلب من الله بأن لا ألقاه سليم الجسد وسيّدي أبو عبد الله عليه السلام مقطوع الرأس، اللهمّ اجعل قتلي في سبيلك قطعاً قطعاً، ذرّاتٍ ذرّاتٍ، لا يَعثر عليها غيرك يا ربّ العالمين، والسلام على من اتّبع الهدى". ومن المعروف أنّ الشهيد بقي جثمانه أسيراً لدى العدو الإسرائيليّ لمدة عشر سنوات تقريباً.

8- "كن شاهداً على الجبهات"

وللعلاقة مع الحسين عليه السلام طعم آخر، يقول الشهيد علي محمد علّيق(15) في وصيّته: "يا حسين يا روح الأنبياء الطاهرة، انظر إلى أصحابك، إلى جنودك، كيف يتشوّقون لزيارة قبرك الطاهر، كن شاهداً على الجبهات كيف يحارب أمثال حبيب بن مظاهر وعليّ الأكبر والقاسم ضد أعداء الإسلام".

9- من الحسين عليه السلام نُمهّد للحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف

يستحضر الشهيد حسن حسين موسى(16) كلمات الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف عند زيارته الإمام الحسين عليه السلام؛ ليعلن أنّ قضيّة عاشوراء مستمرّة، ومنها يُتزوّد للتمهيد لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيقول في وصيّته: "سيِّدي لئن أخّرَتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لِمَن ناصرك مناصراً، ولِمَن حاربكَ محارباً، ولِمَن نصب لكَ العِداء مناصباً، سيِّدي، فإنّ لكلّ عصرٍ يزيد، ولكلّ عصرٍ حسيناً، وإنّي يا أبا عبد الله ماضٍ على نهجكم، عاملٌ بإرادتكم، أنصرُ مناصريكم، أرفع الصوت ولا أهاب الموت، أُحامي عن ديني، لا يُتزعزع يقيني. اللهمّ وفّقني لخدمة هذه الأمّة، واجعَلني من الطالبين بثأركم، مع إمامي المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف".
هذه الوصايا هي وثائق حقيقيّة تحدّد معالم هذه النماذج الحسينيّة الفذّة، لتتحوّل كلماتهم إلى أصوات صدّاحة كقناديل نور، وتنير داخلنا دوماً وتبشّرنا بالأمل المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.


1- الشهيد علي أحمد فارس، 16-11-1983م.
2- الاستشهادي هيثم دبوق، 19- 8- 1988م.
3- الشهيد حسن محمد مرعي، 16-11-2013م.
4- الشهيد خضر أحمد وهب، 24- 7- 1993م.
5- شهيد الدفاع عن المقدسات علي شبيب محمود، 15- 11-2013م.
6- الشهيد غسان علي غانم، 7-11-1997م.
7- الشهيد حسين حسن غدار، 13-12-1992م.
8- الشهيد يوسف علاء الدين، 29-5-2006م.
9- الشهيد نوح حسين حسن، 21- 3- 1978م.
10- شهيد الدفاع عن المقدسات أمير عباس الصاروط، 26-5-2013م.
11- الشهيد حسن نبيه سلمان، 29-9-1999م.
12- شهيد الوعد الصادق إبراهيم أحمد رمال، 25-7-2006م.
13- الشهيد محمد منيف أشمر، 17-1- 1998م.
14- الشهيد القائد سمير محمد مطوط، 6-2-1987م.
15- الشهيد علي محمد عليق، 27-7-1990م.
16- شهيد الدفاع عن المقدسات حسن حسين موسى، 11-4-2014م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع