وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

أمراء النصر: أسرانا في مهبّ الحريَّة


تحقيق: ولاء إبراهيم حمود


بعد انتهائهم من استقبالات التهنئة البروتوكولية، احتفلت الحياة بهم أحرار جهادٍ جديد، ولدوا في ساحاتها ثانيةً، بعد أن كانوا يولدون من رحم المأساة في سجون جلاديهم كلَّ يوم. منهم من صفق خلفه باب سجنه تاركاً حتَّى الصدى في مكانه، ومضى دونه، يستأنف مع الحياة نضاله، ومنهم من يسابق غده الغامض بإعداد عدَّة ذلك اللقاء، ومنهم من تحدتِ القيد بقلمٍ؛ لأنَّها كرامة وطن، ونقاء أمَّة، ومنهم شيخ جليل جعل المعتقل مدرسة، حوَّله إلى حوزةً، ومع كل هؤلاء رئيس جمعية نشأت لأجلهم بعد أن عاشت معهم، أسيرة ولائها لنهجهم وجهادهم ولو خارج القضبان. إنَّهم أسرانا... رجل وامرأة وجمعيَّة تُعنى بهم... فلهم أمجاد الحريَّة المأخوذة بقوَّة الجهاد، ولكم ولي أجرُ معرفة ما حدث.

* ثباتنا ضمان حريتنا
أخرج الحاج سمير القنطار السجن من نفسه، قبل مغادرته، فلا يرافقه هاجساً يعيق عطاءه خارجه. هو ينفي مواجهته أيَّة صعوبات بعد تحرّره، بسبب رغبته في مواصلة جهاده في الخطِّ الذي ارتضاه لنفسه. كان إيمانه بتحرّره واقعياً يدفعه إلى ممارسة الصبر "عبادة"، أجمل ما في حرّيته: المقاومة وسيِّدها وزوجته زينب التي تشاركه حبَّه الكبير لهذا القائد الاستثنائي. يرى القنطار أن ضمانة نتائج ما يقوم به هو في ظلِّ قيادة رشيدة أمينة على دم الجهاد. ينوِّه الحاج سمير، عميد الأسرى المحررين، بشجاعة شريكة حياته، التي تفهَّمت واقعه كمستهدفٍ دائم من قِبَلِ الإسرائيليين. ويرى أنَّ مقاومة صدمات الحريَّة خارج السجن، أصعب من المقاومة داخله "لأنَّنا هناك نقاوم عدواً لا نختلف في وجوب صراعه، لكن هنا، نصارع أنفسنا ومن حولنا وهذا محبِطٌ أمام مغريَات الدنيا يفوق صعوبة مقاومة عدوٍ يُصادر ماءً وهواءً ودواء". يعتبر سمير القنطار أنَّ الإمام الحسين عليه السلام جسّد في التاريخ الإسلامي قيماً جمالية كبرى. ويرى أنَّ واقع الشعب الفلسطيني المؤلم ثمَّ شخصيَّة الإمام الخميني دفعاه إلى الثبات في مقاومة قيود الاحتلال ثلاثين عاماً. وقد كلَّفته شهادته العلميَّة "بكالوريوس" مع سواه من المعتقلين، مئتي شهيد. يختم سمير القنطار بالقول: "المهم بقاؤنا متماسكين في مواجهة عدونا داخل سجونه وخارجها". ويعلن كإجابة عن سؤال كان قد طرحه عليَّ عبر مقابلة حصرية أجريتها معه قبل تحرّره بشهور(1) أنَّ "لمجلة بقية الله دورٌ ثقافي فكري بامتياز، ويجب أن يلتزم قراءتها الشباب" فهو وبعد إطلاعه على أعدادٍ كثيرة منها، اقترح أن تصبح موضوعاً إلزاميا للنقاش في جلسات ثقافية، لعمق مواضيعها وشمولها مختلف جوانب الحياة.

* أحمد طالب: أين ضمان غدي؟
بعد اثني عشر عاماً من الاعتقال، استخدم أحمد طالب في مواجهة تَبِعَات الحرية، أسلحته ذاتها، في المعتقل وهي: "الصبر والإيمان"، بهما بدأ رحلة علاج الأمراض العديدة التي "فاز" بها. وبنى حياته مجدَّداً ضمن الخط الذي آمن به. وبعد عدَّة دورات تأهيلية في الكمبيوتر، عاد إلى معهده المهني، ثمَّ دخل الجامعة في اختصاصه "الإدارة". وقد ساعده في تجاوز المعوِّقات، الإخوان في جمعيَّة الأسرى. ثمَّ أسَّس أسرته التي زيَّنها ثلاثة أطفال. ما عاناه في المعتقل هوَّن عليه صعوبة التأقلم خارجه. ما زال أطفاله صغاراً، لا يستوعبون تفاصيل كثيرة في تجربة أبيهم. هو يسعى لتربيتهم تربية إسلاميَّة، ضمن خطِّه الجهادي ذاته. وضمن سعيه الدؤوب لتأمين حياة عزيزة كريمة لهم، يُلفت أحمد طالب نظر المسؤولين المعنيين بشؤون الأسرى في الدولة والجمعيات، إلى مسألة غائبة عن الأذهان: "إنَّ الأسير الذي أمضى عقدين أو ثلاثة من عمره في المعتقل، سيبدأ باكراً مرحلة العدِّ العكسي لقدراته الإنتاجية وستداهمه مجدداً أمراض الشيخوخة. وسيكون أكبر أبنائه عاجزاً عن إعالته في زمن فاقته"، ويتساءل أحمد بمرارة؛ وبلسان كلِّ الأسرى المحررين: "أين دولتي التي دافعتُ عنها في سجون محتلِّها؟ أهكذا يكافأ مجاهدو الوطن في وطننا"؟

* المرأة الأسيرة: رسمية جابر!
حطَّمت قيدها وكتبت. بعد اعتقال سنة ونصف، عانت خلالها ما عاناه الرجال الرجال في السجون الإسرائيلية، عاشت "رسميَّة جابر" عناء البحث عن منزل يؤويها في بيروت بعد منعها من الإقامة في قريتها "محيبيب". حافظت من معتقلها على "شغبها الثوري" الذي سبَّب اعتقالها، وساعدها فيما بعد على مواجهة حصار أسئلة أبناء قريتها لها. كانت قناعتها أنَّ أرضها هي أيضاً عِرْضُها وأنَّ مقدّساتها الدينية والعقائدية، تستحقُّ شرف الجهاد اعتقالاً. دفعتها شجاعتها إلى تحدي حرمانها من التحصيل العلمي، فكتبت مشاعر أخيها شهيد الوعد الصادق خليل جابر بين دفَّتي رواية بعنوان "حب ونار"، وهي تروي علاقة أخيها بالمقاومة الإسلامية حتَّى لحظة استشهاده في عدوان تموز. في حريتها تتمسّك رسميّة جابر بحجابها، الذي كان مثار غضب سجَّانيها وكان أصعب ما يحدث أن يهدِّدوها به. ساعدها لقاؤها بالشهيدة أم ياسر قبل استشهادها على تحمِّل رحلة العلاج الصحي الطويل وقد أعطتها كثيراً من المعنويّات بقليل من الكلمات. واليوم، تعلن رسميَّة خلاصة مفادها: "إنّ لوطني كرامة أمام عدوي هي ذاتها كرامتي. أمَّا المقاومة فيفوق حبُّها كلَّ حبٍّ"، وتفوق حرية أسراها في وجدان رسميَّة جابر، كل حريَّة أخرى خارج مداها.

* مريم نصار: حريتها علم وأمومة
تعتبر الحاجة مريم نصار أنَّها بلغت حريَّتها الحقيقية بعد أربع سنوات من الأسر، عندما مزَّقت تصريح العملاء بعد تجاوزها معبر كفرتبنيت. أصرّت بعد لقائها بشريك حياتها "الهرملي" على عقد قرانها في قريتها "بني حيّان"؛ ولأنَّ التحدِّي كان أهم ما تعلَّمته مريم من مدرسة المعتقل، فقد رزقها الله توأمين "مهدياً وفاطمة"، ثمَّ زينب (التوأم) التي جاءت بعد عدوان تموز تحدّياً مباشراً لمخاطر ذلك العدوان الذي سلبها شقيقها التوأم. وهي تعتز كثيراً بزوجها الحاج "عصام نعمة" الذي اعتبر أسرها شهادة اعتزاز، وهو يصرُّ على تعليق تنويه "السيد حسن" حفظه الله في صالون المنزل، فهو الناجي الوحيد في المنزل الذي صمد إثر عدوان تموز. لقد قوّاها المعتقل وعرّفها حقيقة عدوها، وواجهته وهي أسيرة مقيَّدة، صرخت واعتصمت وتمسَّكت بإيمانها. إلى المسؤولين الرسميين، أوصلت مريم صوت من بقي في السجن. وقد استغرب الرئيس الهراوي أثناء لقائه بها وجود نساء أسيرات. في الختام تشكر مريم كل من تعاطف معها بعد تحرّرها خاصةً السيّد القائد الخامنئي دام ظله الذي استقبلهنَّ دون جميع شخصيَّات ذلك النهار بسبب وضعه الصحيِّ وقد غمرهنَّ بلطفه ومحبَّته الإنسانيَّة الفائضة، ولمّا وصلت إليه وقبَّلت كتفيه وجدت نفسها تنسى ذاتها وتصرخ من شغاف القلب وتطلب من الله وحده: اللهم، احفظ لنا السيد القائد، بحقِّ محمد وآل محمد.

* الشيخ عبد الكريم عبيد
يرفض الشيخ الجليل أن يعتصم الأسرى مطالبين بحقوقهم، لأنهم لم يقصِّروا في تثبيت دعائم الدِّفاع عن دولتهم، التي تدين لهم بأمنها واقتصادها وكيانها ولأنَّ المليون دولار عن كل يوم أسر، لن تعوِّض الأسير استشهاده اليومي بين يدي عدو غاشم. ويرى سماحة الشيخ أنّ على دولتنا أن تفي للأسرى بديونها تجاههم بأن تعطيهم دون طلب وأن تضمن لهم كرامة العيش العزيز. ما تغيّر بنظر الشيخ اجتماعيّاً، بعد تحرّره، هو بعض التقنيات، وبقي الإنسان في جوهره الذي أبرز كلَّ فضائله في حرب تموز عندما حُكَّ الجوهر وتحقَّق النصر. ويرى فضيلته أنَّ أجمل ما في الحرية، هو حرية الضمير والقلب خلف القضبان وخارجها، وفي أسره. يصرِّح الشيخ الفاضل بأنّ أصعب ما تعرّض له في الأسر، حرمانه من النوم أربعة أيام متتالية، ثمَّ تهديده بتجريده من ثيابه أثناء التحقيق، لكنَّهم فشلوا في ذلك، عندما رأوا صلابته وهو يتحَّمل تعذيب ساعة رهيبة رافضاً الكلام إن لم يُسمح له بالصلاة، ثمَّ رفض اللحوم بإعلانه الصوم، ويُعلن الشيخ أنَّ اعتقاله بصفته عالم دين لم يشفع له، فحاولوا من خلال أغلى مقدَّساته إذلاله وفشلوا. وكان أوجُ هذه التجربة المريرة عند الشيخ عبيد، لحظة مغادرته الطائرة الصهيونية في ألمانيا، هو على مدرجها، يداه إلى الداخل، والصهيوني فيها، يفك قيده، فهو لا يستطيع اعتقاله ثانية، ولا الشيخ راغبٌ بالعودة إليه حكماً، وهي لحظة مُنعت الصحافة من تصويرها. وطبعاً لا يستطيع أن يصف مشاعره وهو بين مستقبليه في المطار، ومع أهله للمرَّة الأولى في المنزل، وتجديد العهد على قبر شيخ الشهداء "راغب حرب"، وزيارة قبر الوالدة الغالية التي توفّيَت في غيابه. هو إحساس لا تحتويه كلمات. ويختم شيخ الأسرى المحررين "أبو ساجد"، بالشكر لله الذي فرّغه لعبادته. ويدعو: "لنعبد الله عبادة العبيد خوفاً أو التجار طمعاً، لأنَّنا لن نصل إلى عبادة الأحرار، طالما أنَّنا ما زلنا أسرى لذائذ الطعام وفخامة الملابس ورفاهية القصور".

* الشيخ عطا الله حمود: رئيس جمعية الأسرى والمحررين

حريٌّ بنا ن نكرِّم أسرانا شهود عصرنا وشهداءه. منذ العام 1982، تهتمُّ الجمعية بالأسير منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، مروراً بكلِّ المراحل، حتَّى ما بعد تحريره. ففي المعتقل، تسعى الجمعية لإطلاقه أولاً ثمَّ متابعة وضعه الصحي وظروف اعتقاله، وفي غيابه، تحتضن أهله إن كان يعيلهم، وتصرف لهم راتباً شهرياً؛ ولأنَّ الزمن يتجمَّد برأي كثيرين لدى الأسير عند اللحظة التي اعتُقل فيها، يخضع الأسير بعد تحرّره إلى مرحلة تأهيل حساسة وهامة، اجتماعيّة ومهنيّة ونفسيّة وتعليميّة، كثيرون يرفضونها ويبدأون بشجاعةٍ من حيث توقفوا. أمَّا الدولة فما زالت غائبة عن هذا الموضوع. فوزارة الشؤون الاجتماعيَّة لم تنشئ مراكز لتأهيل أسرانا، ووزارة الصحة لم تُصدر بطاقة صحيّة تؤمِّن لهم علاجاً ضرورياً، ووزارة التربية عجزت عن حفظ أماكن الأساتذة الذين أُسروا ثم عادوا، وقد أوقفت رواتبهم منذ أولى لحظات الاعتقال، فضلاً عن إعاقتها مشروع عودة الطلاب إلى الجامعة، بعد تقدّمهم لامتحانات الشهادات الرسمية تعويضاً لهم عن سنين الأسر. ختاماً، أضمُّ صوتي إلى صوت رئيس جمعية الأسرى الشيخ عطا الله حمود قائلة: هؤلاء الشرفاء نجحوا في أقسى امتحان، حريٌّ بنا أن نكرمهم فنعاملهم في وطنهم معاملة الأحرار للأحرار. إنَّهم شهود العصر وشهداؤه أمام وجه الله وأمام التاريخ الذي لن يرحم محتلاً أو طاغيةً ولا سجاناً أو جلاداً ولا مسؤولاً ظالماً لأسير بعد تحرره.


(1) العدد 200 من مجلة بقية الله.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع