قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

قصة: لا تقربــوا.. وطني بحر مسجور

فاطمة المبدر شومر



* المشهد الأول.. أيار 2000
مشى هادي إلى مركز الكشافة كعادته كلَّ يوم بعد انتهاء دوام المدرسة. كان ذلك بعد أسبوع من يوم التحرير الذي أعاد المجد والأرض.. لم يكن أي شي‏ء على سابق عهده.. لقد انتصر لبنان..! وكفى بذلك فخراً.. بل وكفى بذلك فرحة لا مثيل لها في قلوبٍ ذاقت المرَّ واعتصرتها آلام غير الآلام.. إلا أنّ قلب هادي كان يحمل هماً احتل مكان آماله التي بناها قصراً في فكره.. وكادت الحسرة التي خلفها يوم التحرير رغم فرحته به تقتله وتمسح من كيانه كل ما هو غير الدموع.. سار وهو ابن الثلاثة عشر ربيعاً إلى مركز الكشافة منحني الرأس وكأن جبالاً اعتلت صدره الصغير.. التفكير بمستقبله أتعبه.. ترى.. كيف ستكون الأيام القادمة بدون بندقية؟ وأين دعواته كلَّ ليلة جمعة بأن يتقبَّله الله في عداد المقاومين؟ أين أمانيه وأحلامه بتلال صافي والرفيع..؟ آآآآه.. ضرب بقدمه حجراً اعترض طريقه وأشاح بوجهه نحو القمم الجنوبيَّة متألِّماً.. معاتباً.. "هنيئاً لمن وُلد قبلي.. كان له شرف أن يحمل البندقية بين ترابك.. وأن يزرع جسده فيك كأنّه نبتة زعفران"! وصل إلى المركز.. كانت النشاطات كلها تحمل طابع التحرير.. والفرحة تعلو كلَّ وجه جنوبيّ.. إلا وجه هادي. فلقد كان في صراع بين فرحة دفينة ليوم العز الذي تمناه طويلاً.. وبين حلمه بأن يكون مقاوماً حين يكبر.. لم يكن يفصله سوى أعوام قلائل حتَّى يصبح في عداد الاستشهاديين فوق سفوح الجبال التي بنى لها في قلبه وكيانه ركناً من الحب.. اصطف وزملاؤه اصطفاف العساكر أمام القائد.. كما العادة.. كان في كلِّ مرة يقف تلك الوقفة، يشعر وكأنَّه في طريقه إلى "صافي".. وكأنَّ يده على الزناد ينظر من خلف الشمس إلى القدس.. يصرخ بكلِّ ما فيه من شوق وتوق.. كأنه يرحل على جناحي الصرخة إلى حيث يريد.. ولكنَّه في هذه المرَّة كان يخالطه حزن كما طائر كسير.. انتهى كلُّ شي‏ء.. وعليه أن ينسى كلَّ أمانيه الآن.. عليه أن يعود طفلاً بعدما طلَّق الطفولة حباً بأن يكبر.. ويلتحق.. ياه.. ما أقسى الزمان..!

طلب القائد من الناشئة أن يتفرَّقوا.. فلقد انتهى الوقت وشارفت الشمس على المغيب.. إلا أنَّه رمق هادياً بعينين تحملان البأس والحنان.. أومأ له برأسه مشيراً إليه أن يقترب منه. أطلق هادي آهة عميقة واقترب من القائد ببطء متردِّد.. ووقف أمامه صامتاً محدِّقاً في الأرض وهو يلاعب حبيبات التراب بطرف حذائه الأسود. وضع القائد يديه على ركبتيه فانحنى وصار وجهه مقابلاً لوجه هادي، وابتسم تعلو حاجبيه عقدة خفيفة. "ماذا تحمل في قلبك المقاوم يا هادي؟" "لا شيء...." "لاشيء؟.." "...." رفع هادي بصره والتقت عيناه الحزينتان عيني القائد العميقتين.. "زعلان؟" ".... ممم""..." خائف... مقهور.. لقد ذهبت أمنياتي أدراج الرياح هكذا ببساطة؟ لماذا.. لماذا؟" عاد ونظر إلى الأرض.. ولكن القائد استطاع أن يرى دمعة سالت بسرعة إلى حبيبات التراب.. بقي صامتاً.. ففي جعبة هادي حكاية روحه هو أيضاً.. ولكنَّه كان يعي أكثر.. فلم يكن خائفاً مثله... مرَّت لحظات من الصمت الذي نطقت فيه روحاهما.. وبعد هنيهة قال هادي بحزن: "قائد..؟" "حبيب قلبي.." "... لقد تحررنا.. وانتهت أيّام الجهاد.. صح؟" أدار وجهه عن القائد ونزع عن رأسه قبعة الحزب الصفراء.. نظر إلى علامة حزب الله طويلاً.. ورغم مصارعته الدموع إلا أنّها سالت فوق وجنتيه السمراوين.. مسحها القائد بأطراف أصابعه وأمسك وجه هادي بين يديه.. ثم قال بهمس: "البندقية ستظل رفيقة دربنا، سوف نحملها دائماً على أكتافنا" استوى واقفاً وحضن كتف تلميذه ونظرا سوياً إلى الجبال الشامخة.. "تلك الجبال من يحميها غيرنا يا هادي.. وإذا تحررت.. سوف نبقى مزروعين فيها حتى نموت.. هل تفهم؟" توسعت عينا هادي.. وارتعش جسده حتى شعر ببرودة تسري فيه رغم حرارة الشمس وتصبب العرق من جبينه.. "هل تعني يا قائد..." "أعني يا هادي.. عندما تكبر أريد أن ألقاك على الحدود لنفتح بوابة القدس معاً..!" "وعلى كتفي بندقية...؟!!" "وفي عيونك حلم الشهادة.. تماماً مثل الآن..!" كأنمَّا أعادت تلك الكلمات لهادي الروح من جديد.. قفز ووجَّه للقدس التحية العسكرية من مكانه.. صرخ حتَّى أعاد الصدى هيجان روحه.. "يا جنوبي أنا قادم.." وحضن خصر القائد بقوة ترجمت فرحته التي ظن أنها غادرت في يوم الفرحة.. حضنه القائد بقوة أيضاً.. وفوق شفتيه تمتمات الحمد. بإذن الله.. وصية الشهداء لن تنسى...

* المشهد الثاني.. تموز 2006

المشهد هو ذاته: عناصر حزب الله مزروعون في كل شبر من تلك الأرض التي قاومت لعاب الذئاب من البشر.. وحاربها كل العالم على طاولات الحوار الكاذب.. فأبى حزب الله إلا أن يبقى فيها.. هو، وكل قطعة حديد من سلاحه..
كل عنصر في مكانه. بينهم شاب لما تكتمل لحيته. كان عمره 18 عاماً لا أكثر.. استأذن القائد في أن يترك مكانه لحظة واحدة. اقترب من مجاهد كان يجلس على مقربة منه وحدثه بصوت يكاد هو ذاته لا يسمعه: "حاج قاسم.." "أهلاً هادي.. خير؟ لماذا تحركت من مكانك؟" "تذكّرت أمراً.. أحببت أن أًذكّرك به.." "ماذا هناك!" "أَتذكُر، قبل ست سنوات.. في أسبوع التحرير.. كيف كنت أنا خائفاً أن تكون قد انتهت أيام الجهاد؟" ضحك الحاج قاسم وغطى وجهه بيديه.. فضحك هادي أيضاً. "إي يا هادي.. ما زلت أتذكر ذلك اليوم.. وكل ما أتذكّره أبكي من الفرحة" "لماذا؟" "لا أعرف... ذاك اليوم علّمني الكثير" حقاً إنَّ الجبال تلك كأنها ليس فيها غير الذكريات الحلوة.. وصدى الصرخات والكمائن والانتصار.. إلا أن تحت شجيراتها المتحركة وبين ثقيل المدافع رسالة مرعبة: أهلكت العدو في داره المسروقة فلا تقربوا.. فجنة التحرير إن اقتربتم، وحق الله، بحر مسجور..!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع