وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

"استراتيجيّة الصدق" في خطاب حزب الله


في حوار مع سعادة الوزير الحاج محمد فنيش
حوار: حسن حمزة


بالصدق والشفافيّة، والوضوح والمصداقيّة، حوّل حزب الله مقولة: "اكذِب اكذِب حتّى يصدِّقك العدوّ" إلى "اصدِق اصدِق حتّى يصدِّقك العدوّ"؛ إذ بات العدوّ الإسرائيليّ أوّل مَن يحمل كلام الحزب ورسائله على لسان أمينه العام (حفظه الله) على محمل الصدق. "استراتيجيّة الصدق" هذه -إن صحّ التعبير- بمنطلقاتها وانعكاساتها، كانت حديث مجلّة "بقيّة الله" في حوار مع الوزير محمّد فنيش.

* يلتزم خطاب حزب الله المصداقيّة والشفافيّة حتّى على الصعيد السياسيّ الشائك. فهل ينطلق من إيديولوجيّته أم هي استراتيجيّة سياسيّة خاصّة به؟
لا يمكن فصل أداء حزب الله السياسيّ عن التزامه العقائديّ والدينيّ. فلحزب الله هُويّته الفكريّة والثقافيّة، وهي أساس ومنطلق سلوكه ومواقفه. وبالتالي، من يحمل رسالة الإسلام ويسعى إلى تطبيق أحكامها، والتحلّي بقِيمها -ومنها القِيم الأخلاقيّة- من الطبيعي أن يتّصف بالصفات التي يفرضها عليه انتماؤه للرسالة؛ انطلاقاً من الإيمان بالله سبحانه وتعالى ومن أنّ ما تقوم به وما يصدر عنك من أقوال وأفعال ستحاسَب عليه، ومن تهذيبك لنفسك وارتباطك بالرسالة ومصادرها؛ ففي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، (الصف: 2-3)، ذمّ للكذب، وتوبيخ لصاحبه. وكذلك في قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 188)، وعيدٌ بالعذاب للّذي يتكلّم بما هو مغاير للحقيقة.

فهاتان الآيتان تقعان في صلب المنظومة الأخلاقيّة التي تحكم سلوك حزب الله، وسلوك أفراده أيضاً، حيث ينتمي الحزب إلى مدرسة لها مبادئها الفكريّة والعقائديّة والإنسانيّة، وحين يعمل في السياسة، ينطلق من مبادئه تلك أيضاً.
ويتميّز حزب الله في الموضوع السياسيّ بأنّه لا يعمل على قاعدة "الغاية تبرّر الوسيلة"، بل يتحمّل مسؤوليّة إدارة شؤون الناس؛ انطلاقاً من هُويّته الثقافيّة والعقائديّة التي تفرض عليه أن يكون صادقاً مع نفسه، وصادقاً مع ربّه، وصادقاً مع الناس.

* يُعلّق إعلام العدوّ على خطابات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (حفظه الله) بأنّها تعتمد استراتيجيّة "الحقيقة". وهي تُشكِّل بالنسبة إليه صواريخ سيكولوجية عابرة للمعنويّات؛ تدفع الإسرائيليّين إلى تصديقه... كيف يمكننا قراءة تأثيرات الصدق وقول الحق في هذا الصراع مع "العدوّ الإسرائيلي"؟
عندما يتجرّد الإنسان من نوازعه وهواه، ينحاز -بطبيعته وفطرته- إلى الصدق لكونه عملاً حَسَناً، ويصدِّق من ينتهجه حتّى لو كان عدوّاً له؛ لأنّه سيكون واضحاً معه، أمّا عدوّنا فهو ينتمي إلى مدرسة تعتمد الكذب والتضليل مع جمهوره، فضلاً عن أعدائه.
وعندما تكون أنت في المواجهة، بمسلكك ونهجك، ويكتشف مجتمع العدوّ ومجتمعك كذلك، أنّك صادقٌ في كلّ ما قلتَه، ولم تُزيّف الحقائق، فتكون قد انتزعت المصداقيّة والموثوقيّة من عدوّك، وأوقعته في مأزق كذبه. وهنا تكمن أهميّة الصدق؛ فهو لم يعد بإمكانه أن يُخفي على مجتمعه نتائج المواجهة معك؛ لأنّه يعلم أنّ جمهوره بات لا يثق به، وأنّه سيترقب ويصدق كل ما تقوله المقاومة.

* هل أصبح الصدق سلاحاً في هذه المواجهة؟
بالتأكيد بات الصدق جزءاً من السلاح النفسيّ، حيث أجاد سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) استخدامه في زعزعة العدوّ؛ حتّى سمعنا على ألسنة المسؤولين الإسرائيليّين ووسائل الإعلام أن بعض الإسرائيليّين كانوا يقولون: نحن نثق بما يقوله السيّد نصر الله أكثر مما نثق بقادتنا!
مثلاً عندما يُبيّن سماحة السيّد (حفظه الله) خسائر العدوّ، أو عندما يردّ سماحته على تهديدات العدوّ ويحدد الأهداف التي يمكن للمقاومة قصفها، فإنّ مصداقيّته وحدها تسبب الكثير من المشاكل والضغوطات لدى قادة العدوّ، فعندما يقول: نحن نستطيع استهداف هذا الموقع، إذا استهدفتم البنى التحتية، فوراً يقوم المجتمع الصهيونيّ بالضغط على قادته بأن لا يفكروا في العدوان. نعم، تحوّل هذا الخطاب القائم على المصداقيّة إلى سلاحٍ فعّال، واستفدنا منه في المواجهة، إمّا لردع العدوّ، وإمّا بالتأثير على الجبهة الداخليّة لإلزام العدوّ بشروطنا عند وجود تفاوض ما، كما في موضوع الأسرى. وقد تشكّل هذا السلاح ببركة الهوية القيميّة والأخلاقيّة لحزب الله.

* كثيراً ما يركّز خطاب حزب الله بخصوص الإعلام، على أهمية التحلّي بالمصداقيّة والتحقُّق من المعلومة وصياغة الحقيقة كاملة وعدم اقتطاع الخبر؛ حتّى بات يُعاب على مؤسّساته الإعلاميّة التأخّر في بثّ الخبر العاجل، حيث كانت الأولويّة دائماً التحقّق من الخبر وليس السبق فيه. لماذا هذا التشدُّد في قيمة الحقيقة والمصداقيّة في الإعلام تحديداً؟
عندما تتكلّم عن الإعلام أنت تتكلّم عن وسيلة تنقل للناس ما يحصل، وهذا له تأثيره عليهم. لذا، ليس المهمّ أن تقوم بسبق إعلاميّ لخبر يتبيّن مع الوقت أنّك كنت مخطئاً في نقله؛ لأنّه قد يُفقدك مصداقيّتك. وإذا كنت تبحث عن جذب متابعين، فإنّك مع الوقت ستفقدهم وتخسرهم. فقيمة الإعلام تكمن في كسب ثقة الناس من خلال نقل الخبر الصحيح. وبالتالي، يشدّد حزب الله على مؤسّساته اعتماد الصدق والدقّة في نقل الخبر؛ لأنّها تعكس طابعنا الثقافيّ والأخلاقيّ.

* في الكلام عن تجربة حزب الله، هل تستحضرون موقفاً كان إخفاء حقيقته ضروريّاً، لكنّ حزب الله التزم -كعادته- بالمصداقيّة، ولو على حسابه؟ وأين تجلّت بركات هذا المبدأ؟
أصعب المواجهات التي خضناها هي عندما كنا نتصدّى للهجمة التكفيريّة الإرهابيّة على سوريا ولبنان والمنطقة، حيث ارتقى لنا شهداء كُثر. كان الإعلام المُغرض والمعادي يتحدّث عن سقوط مئات الشهداء لتحريض جبهتنا الداخليّة ضدّنا.
أمام هذا الواقع، كنّا صادقين في الإفصاح عن شهدائنا وعن عددهم، وكنّا نذكر أسماءهم على رؤوس الأشهاد، ولم نخفِ شيئاً عن الناس. التزم حزب الله الشفافيّة منذ بداية المواجهات، في حين أنّ ذلك قد لا يكون مساعداً في صمود جبهتنا وتماسكها. لكن في نهاية المواجهة، حزب الله كان الكاسب؛ لأنّه كان صادقاً مع جمهوره، ولم يعد بالإمكان التأثير على عواطفهم ومشاعرهم؛ بل مصداقيته الدائمة عززت الاحتضان والثقة بين الناس وقيادة الحزب.

* كيف يمكن أن تكون سياسيّاً محنّكاً، وصادقاً في الوقت ذاته، في ظلّ الأجواء السياسيّة الشائع فيها أنّ الكذب فنّ السياسة؟
يحضرني هنا قولٌ لأمير المؤمنين عليه السلام في ردّه على القائلين إنّ علي بن أبي طالب عليه السلام لا شأن له بالسياسة، وهو عليه السلام كان يعبّر بمرارة: "هيهات، لولا التُّقى لكنتُ أدهى العرب"(1). فالفرق بين معاوية وبين أمير المؤمنين عليه السلام أنّه عليه السلام يمتاز بالصدق، ومعاوية يمتاز بالكذب والخداع.
أمّا القراءة الدقيقة؛ بأن تعرف كيف ترتّب أولويّاتك، وأن تعرف ما يجري حولك، وأن تعرف إمكاناتك المتاحة وإمكانات خصمك، ونقاط القوة والضعف لديك، ولدى خصمك أيضاً، وتصنع من نقاط قوّتك ما يعدّل موازين القوى، ومن نقاط ضعف خصمك ما يجعله غير قادر علـــى تحقيق أهدافه. هــذه هي الحنكة.
ومن الجيّد الإشارة إلى أنّ العمل السياسيّ قد يفرض عليك أحيانـــاً -نتيجة موازين القوى- أن تدفع ما هو أسوأ بما فيه ضرر أقلّ. وتشخيص هذه المسألة بحاجة إلى خبرة والتزام ووعي ومعرفة بكلّ المعادلات.

* لا شكّ في أنّ هذا الالتزام بالشفافيّة والصدق أصعب في المسار العمليّ السياسيّ، ما هي الصعوبات التي تواجهونها؟
من المؤكّد أننّا نواجه بعض المصاعب، وفي زحمة الاستحقاق الانتخابيّ واجهنا بعض الافتراءات المتعمّدة، وحملة ممنهجة يُنفق عليها المال من أجل تشويه صورة حزب الله والإساءة إليه. ولكنّني أعتقد أنّ هذا المسلك الثابت والمتمسّك بالصفات الأخلاقيّة وبالمصداقيّة مع الناس، مع أنّه متعب في البدايات، لكنّه يُسهّل الكثير لاحقاً. ومن خلال تجربتي النيابيّة يأتي كثير من الناس إليّ -وأنت تعلم أنّ السياسيّين كثيرو الوعود- وعندما أنظر في ملفّاتهم، وأرى أنّ أحدهم محقّ وأنا قادر على مساعدته، أساعده. بينما في حال كان الملف غير قانوني، فأشير إلى صاحبه بأنّ مشكلته قانونيّة ولا يمكن معالجتها. ومع الوقت، أصبح المواطن يطمئن لكلامي وليس فقط يتفهّم، وإذا قلت له إنّك ستتابع ملفّه، يثق بك. عندما تكتسب ثقة الناس يصعب التأثير عليهم من قبل الأعداء. لذلك، يدفع أعداؤنا مئات ملايين لتشويه سمعة حزب الله. في مقابل ذلك، اعتمد حزب الله على أخلاقه، وثقة جمهوره به والتفافه حوله. فلولا هذه الثقة الراسخة، لا يمكن أن يصمد حزب الله أمام حملات التشويه والافتراء هذه.

* كيف تقيّمون حالة الإعلام السياسيّ في ضوء التباس الحقائق وسهولة إشاعة الشائعات؟
مع الأسف، توجد حرية زائدة -حسب تعبير الرئيس الحصّ- وخروج عن الضوابط. فكثير من المؤسسات الإعلاميّة، اليوم، يُسخِّرها أصحابُها لمصالحهم. فإذا كنت أنت اليوم جهة سياسيّة، ولديك موقف يعارض مصلحته، تجده لا يُمانِع استخدام مؤسّسته للإساءة إليك، ولو على حساب إخفاء الحقائق. وهذا ما يحدث اليوم في لبنان، الذي بات من الصعب فيه فصل الإعلام عن السياسة. فاليوم، لا يوجد إعلام مستقلّ، أو مهنيّ وحِرَفيّ، بل توجد منظومة مصالح تقف خلف بعض المؤسّسات الإعلاميّة.
ويحتاج الأمر إلى مراعاة الضوابط القانونيّة للإعلام وإعادة النظر فيها، خصوصاً لجهة إضافة ضوابط أخلاقيّة إليها، كي لا يصبح الإعلام وسيلة لتضليل الناس والتأثير على عقولهم.

* ختاماً: ما هو الدور الواجب القيام به لترسيخ قيمة الصدق، سواء في العمل السياسيّ أو الإعلاميّ؟
نتباهى ببلدنا أنّه بلد التقاء الأديان. ومن المفترض لمن ينتمي إلى هذه الأديان أن يتّصف –في الحدّ الأدنى- بالقيم الأخلاقيّة التي تدعو إليها، وأن تعكس هذه القيم نفسها على سلوكه وأدائه. فكلّما نشرنا القِيَم الدينيّة والأخلاقيّة كلّما عزّزنا العمل السياسيّ وحصّنّاه في الاتجاه الصحيح.

نحن بحاجة إلى غرس هذه القيم بالتربية، سواء في المدرسة أو المنزل، وأن نتحرّر من هذه العصبيّات، ونظهر وجه لبنان الحقيقيّ؛ لأنّه التقاء هذه الرسالات السماويّة بكلّ ما فيها من غنى لمصلحة الإنسان والقِيَم الأخلاقيّة، لا أن نستخدم الدين كي نخبّئ مصالحنا الخاصّة.


1- الكافي، الكلينيّ، ج8، ص24.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع