إطلاق أوّل قناة تلفزيونيّة إسلاميّة في كينيا توظيف الغربان "عمّال نظافة" في شوارع هولندا! الجنود الروس ممنوعون من التقاط "السيلفي" المُحَلّيات الاصطناعية خطر يهدّد الأطفال إنتاج الكهرباء من الدموع البشرية! رائحة البلاستيك تُحاكي غذاء الأسماك قلبك سيكون كلمة السرّ! "محمد" أكثر الأسماء شعبيةً في فلسطين المحتلة مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ

الشهيد المجاهد قاسم محمد ياسين (هادي)- نسرين إدريس قازان

نسرين إدريس قازان

اسم الأم: وفاء أيوب
محل وتاريخ الولادة: يونين 1/ 01/ 1989
رقم السجل: 5
تاريخ الاستشهاد: 12/3/2008
الوضع العائلي: عازب

بيديه الصّغيرتين اللّتين كانتا تمسكان قلم الرصاص، حمل أحجار الباطون وأكياس الرمل واشتغل في ورش البناء، فابن السنوات السبع تفتحت أزهار عمره باكراً على مسؤوليةٍ بادر إلى تحمّلها من دون أي تردد، رغبةً منه في تخفيف العبء عن كاهل والديه.
في بلدة يونين البقاعية لا تزالُ زوايا الأمكنة تعيد صدى اسمه "قاسم"، فحيثما وجدت ورشةْ بناء عمل فيها والده، كَثُر المنادون باسمه، لسرعة تلبيته طلبات أبيه والعمال. وكان لنباهته يسارع دوماً إلى عدّ الأحجار وتحديد الكمية المطلوبة للعمل، ما يسهّل العمل على والده الذي سرعان ما أوكل أمر الحسابات إليه.

* وعيٌ مبكرٌ وعمل
لم يؤثّر العمل المبكر على دراسة قاسم الذي تميّز باجتهاده على مقاعد الدراسة. وكانت سمةُ الوعي ملازمة له، فلم يُضيّع وقتاً في اللعب أو اللهو، لأنه أراد أن يفكَّ وثاق الفقر عن العائلة، غير متناسٍ طموحه في إكمال دراسته، ولهذا كان يستغلّ الفرص ليعمل ويدّخر أقساط المدرسة ومتطلباتها.
الولد المهذّب والمطيع، هال أساتذته ذات يوم إذ رأوه يمشي وشلّة من الأصحاب الذين لا شغل لهم سوى التسكّع وإضاعة الوقت، وحولهم دخانٌ كثيف من سجائر يحرقون بها أرواحهم قبل حرقهم لها، فتدخل الأهل والأساتذة لنهيه عن رفقته لهم، ولكنه أصرّ على الالتقاء بهم، قائلاً: على المرء أن يسعى جاهداً لتغيير الآخرين نحو الأفضل عوض التفرّج أو التأسّف عليهم.

* جهادٌ وشهاداتُ تقدير
كان هذا الموقف كفيلاً أن يُبيّن مدى فهم قاسم لكل ما يدور حوله من تغيّرات، في مجتمع باتت الحداثة الملوّثة طعامه وشرابه، فحرص على الأصالة في تحركاته وسكناته. وكان إلى جانب قيامه بواجباته الدينية ينتظرُ فرصة الالتحاق بالمجاهدين، حتى إذا ما كان له ذلك، لم يتعب ولم يكلّ أو يملّ، وصارت أيّامه عبارة عن وقت مقسَّم بين دراسة اختصاص الميكانيك الذي أحبّه وبرع فيه، والعمل وحضور الدروس الثقافية والالتحاق بالدورات العسكرية. وقد نال العديد من شهادات التّقدير لتميّزه فيها.
كان قاسم يشبه الحياة كثيراً، فتراه حيناً كالأرض معطاءً، وحيناً آخر كالسماءِ مظلةً من حنان، وأفقاً يسعُ هموم الناس ولا يشي حزن غروبه سوى بابتسامةٍ هادئة.. لهذا كان كل من يلتقي به يغزو قلبه شعور دفين بأنه لا شكَّ التقى به يوماً ما في مكانٍ ما.
هو مَضْربٌ للمثل بين أقرانه، بل بين من يكبرونه سناً أيضاً، لأنه بنى نفسه بنفسه، بكدٍّ وتعبٍ ومن دون تأفّف أو تبرّم، وكان اتّكاله في كل ذلك على الله القدير، الّذي كان قاسم يبحر إلى خلوته به في بحر من دموعٍ ضرب شاطئ سطور فاضت بلذّة التّوبة والإنابة والشّوق للقّاء.

* عند عتبة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف
كان قاسم صاحب صوتٍ شجيٍّ، وفي إحدى الدورات التي التحق بها، كان يوقظ المجاهدين إلى صلاة الصبح، وما إن ينتهي من صلاته حتى يجلس عند عتبة صاحب الزمانعجل الله تعالى فرجه الشريف  يطرق بابه بدعاء العهد زارعاً عند كل حرف فيه رنّةً من حزن وشوق، ويوماً بعد آخر، كانت حلقة الجالسين تكبر حوله.
عُرف قاسم بين المجاهدين بالشّجاعة والإقدام، ولم يعرف للحظة واحدة معنى التراجع أو التردد، بل كان جلُّ همّه أداء تكليفه على أكمل وجه.
في حرب تموز، كان قاسم في السابعة عشر من عمره، فالتحق بصفوف المجاهدين. كان يحرسُ حيناً، ويؤمن الخدمات للنازحين حيناً آخر. وكيفما تلفّت الإخوة لينادوا أحداً إلى مهمّة صغيرة كانت أو كبيرة، وجدوا قاسماً مستعداً للقيام بها، وعندما كانت تسنح له فرصة الاطمئنان إلى أهله، كان يزورهم ويجمع الأقارب ليقرأوا معه دعاء "الجوشن الصغير".

* حلم الرحيل
بعد أن انتهت الحرب وبدأ تشييع الشهداء، ولد في قلب قاسم مع غياب كل شهيد حلمٌ بالرحيل، وتاق إلى ملاقاة تلك اللحظة التي تجعله فيها أمام الإمام الحسين عليه السلام، وصار يتحين فرصة الذهاب إلى عمله الجهادي، هناك حيث يكون قاب قوسين أو أدنى من ربه.
وفي يومٍ عاد قاسم من عمله متعباً جائعاً، فلم يجد في مطبخ أمه طعاماً، ذلك أن ما حضّرته من قوت وضعته على سفرة ضيوف جاؤوهم فجأة، فاستمهلته كي تحضّر له ما يتيسّر بين يديها، ولكنّه استأذن منها لينزل إلى الحقل ويساعد والده في زرع بعض شجرات الكرز التي جاء بها. وبعد عودته، كانت أمه قد بدأت بتحضير الطعام له، ولكن رنين الهاتف لم يجعله يركن إلى تلك اللحظات الجميلة التي طالما كان ينتظرها، لحظات الجلوس بين ذراعي أمّه، فتأهّب للرحيل. انكسر قلبها لأجله وهي ترمقه يتحضر للرحيل، سألته إن كان يستطيع تأجيل عمله قليلاً، فالطعام لن يأخذ الكثير من الوقت فابتسم لها قائلاً: "عندما أعود تطهين لي ما أحب من طعام... ومن يدري يا أماه فقد لا أعود..".

* إلى حيث أحب
كانت كلمته كالسهم أرْدت قلب أمّه، الذي تدحرج خلفه يلملم ظله وهو يمضي إلى حيث أحبَّ دوماً أن يكون... انطلق على دراجته النارية يشق عباب الهواء، وظلَّ صدى صوتها يترددُ في أرجاء المكان، فقد كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رافقت فيها قاسماً إلى عمله الجهادي.
استشهد قاسم أثناء قيامه بواجبه الجهادي، وكان اللحظة التي أغمض فيها عينيه لينتقل إلى جوار ربه، اللحظة الأولى في حياته الحقيقية، التي عرف فيها معنى الراحة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع