مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!! زرع دماغ بشريّ للفئران خطر جديد للأجهزة الذكيّة! تضاعُف الميول الانتحاريّة لدى أطفال أمريكا بلاستيك يمكن إعادة تدويره إلى ما لا نهاية "جهاد" اسم ممنوع في فرنسا احذروا الدمى في أسرّة أطفالكم! ورق جدران يحذّر من الحريق! لبنانيّ يحصل على 71 مليون دولار من "فورد"

...أن تكون قارئاً وكـاتباً

  فاطمة برّي بدير



في صفوف المدرسة، وفي الإجازات التي كنّا نقضيها في القرية، كانت مهمّتي واحدة: أنْ أرصد بذكاءٍ طريف أيَّ فتاة يملك أبوها مكتبة! (لم تكن النساء صاحبات مكتبات منزليّة قبل ثلاثين عاماً). كان الأمر يكلّفني تودّداً إلى الفتيات. ومن كانت في منزلها مكتبة عامرة أتّخذها صديقة مقرّبة وأعلنها زميلة أثيرة، لتتسنّى لي زياراتها الدائمة واستعارة الكتب منها. بتلك الوسيلة قرأتُ الكثير الكثير.


سأحاول في هذا المقال مشاركة القارئ ذكريات خاصّة عن الكتاب والقلم والورق.. وخلاصات من ثمار برنامجي "خير جليس"، و"زيارة إلى مكتبة".

* أسرار خاصة بالقلم

متى كتبت بالقلم آخر مرة؟ لا أتذكّر.
متى اشتريت أقلاماً آخر مرة؟ أتذكّر جيداً؛ لأنّ شراء الأقلام واقتناءها شغفان قديمان يرتبطان بذكريات كثيرة وحنينٍ إلى عبق زمن مضى.
لا أستعمل الأقلام (حالياً)، لكنني أقتني الكثير من الفناجين الواسعة التي أرصف فيها الأقلام كما يرصف بائع الورد أزهاره بعناية. على رفوفي تشرئبّ أعناق الأقلام...

يحزّ في نفسي أنّني لم أعد أكتب نصوصي بالقلم. بقيت سنواتٍ عديدة أعشق قلم الحبر السائل، ماركة "باركر" تحديداً. وذات يوم من أيام المدرسة سوّلتْ لي نفسي أن أستبيح قلماً خاصّاً بأبي! كان صديقه قد أرسله إليه خصّيصاً من المهجر، وكانت له ريشة من الذهب الخالص. ما أزال أذكر شكله وتفاصيله جيّداً. أخذته لأتباهى به بين صديقات المدرسة، ولأتفاخر عليهنّ بالقلم السيّال ذي الريشة الذهبية.

كنت أدّخر من مرتّبي كل عدّة أشهر مبلغاً لشراء قلم جديد. شغف لم يتضاءل مع الزمن، بل زاد. صرت كلّما سألني أحدٌ عن هديّتي المفضّلة أطلب قلم حبر سائل، بكل تواضع.. آخر قلم دخل مملكة كتاباتي، هو قلمٌ طلبته بكل "جرأة" من ابني بمناسبة عيد الأم! والأفظع من الطلب المباشر، أنّني ذهبت إلى المكتبة واخترته بتأنٍ ثم وضعته جانباً وطلبت من ابني المرور لدفع ثمنه! مع الأقلام والكتابة لا مجال للعواطف والمشاعر الأخرى.

* علاقتي بالقلم قاربَتْها علاقة أخرى بالورق!

للأسف، انتهت علاقتي بالورق إلى طلاقٍ غير رجعيّ كما يبدو. لم أعد أحضن كرّاسات الورق وأحتفي بها، وأنا التي كنت أذهب لاختيارها وشرائها كما تذهب العروس لاختيار وشراء قلادة عرسها الذهبيّة! أذكر تماما أنّني بعد حرب تمّوز سنة 2006م، وبعد فقدان مكتبتي وأوراقي وكرّاساتي، ذهبت إلى المكتبة واشتريت مجموعة دفاتر وكرّاسات وأوراق لاصقة ملوّنة وأقلام متباينة الأشكال والألوان، نثرتها فوق حاجياتي وداخل خزائني وأدراجي، لم أستعملها كثيراً، كان الأمر شبيهاً بالعلاج النفسيّ.

حرب تمّوز التي "فرفطت" أوراقي وذرّتها في مهبّ الريح، كانت أحد أسباب الانتقال إلى الحاسوب. وحلّت الأزرار والنفرات محل ّ فعل الكتابة.

ما يخفّف عنّي اليوم، أنّ الحال المستجدّة هي "صيرورة" الطبيعة والحياة والتطور. الآن اكتشفت أن أحاسيسي المتعلّقة بالقلم والورق هي الأحاسيس والمشاعر نفسها التي يتكلّم عنها معظم الكتّاب. كما كتب أحد الروائيّين مؤخّراً، في هذا السياق: "منذ نصف قرن وأنا أكتب على اللابتوب. حين احتجتُ إلى قلمٍ فتّشت حولي، لم أجد، ثمّ هرعت أبحث في حقائب أطفالي فوجدت أقلامهم المدرسيّة وأخذتُ بُغيتي!".

* ذكريات القراءة والكتب

ربّما بقيت شهوراً طويلة حتى ادّخرتُ مبلغ عشر ليرات تقريباً. في طفولتي كانت بيروت تشتعل بلهيب الحرب، وكان مصروف الأولاد رفاهيّة كبيرة لم أحظَ بها. حين أفلحت في توفير بضع ليرات، كنت كمن يملك ثروات العالم بين يديه. ذهبت إلى المكتبة القريبة من منزلنا وغرقت بين رفّين أو ثلاثة من القصص والروايات. مضت عليّ ساعة وربما ساعتان وأنا في أشدّ أنواع الحيرة: أيّ كتابٍ أشتري؟ وبعد عذاب نفسي لم أنسه حتى اليوم، حصلت على أول أربعة كتب اشتريتها في حياتي، وكانت: "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، "دعاء الكروان" لطه حسين، مع روايتَيْ "بائعة الخبز" للمؤلّف كزافييه دومونتبان، و"جين" للمؤلّفة تشارلوت برونتي.

* "زيارة إلى مكتبة" و"خير جليس"

من أكثر البرامج شهرةً وتفاعلاً، كان برنامج "زيارة إلى مكتبة"، الذي زار بيوت عشرات الشخصيّات الإعلامية والفكريّة والأدبيّة والفنيّة، ممّن لديهم علاقات خاصّة مع الكتب، سواء بالتأليف والإنتاج أو في مجال القراءة والمطالعة فقط.
كان لافتاً (ومتعمّداً) أنّ معظم الشخصيات تخصّص حيّزاً مهمّاً للكتاب أو الكتابة. ما زلت أذكر منزلاً لأستاذٍ جامعيّ وزوجته الأستاذة الجامعيّة أيضاً. حوّل الزوجان معظم جدران منزلهما إلى مكتبة. كانت القراءة هي الشغف الأول لهذه العائلة.

كان طريفاً أنّ بعض الشخصيّات "القارئة" يحتفظون بالكتب تحت مخدّاتهم وعلى الأرض تحت أسرّتهم! وكان طريفاً أن بعض الكتّاب يحتفظون بنسخاتٍ متعددة للكتاب نفسه. كانت حكايات الشغف بالكتب والقراءة جميلة جدّاً، لكنه جمال يؤول يوماً بعد يوم إلى الانقراض والاندثار، فالعلاقة بين الناس والكتب تشهدُ تراجعاً معلوم الأسباب والظروف.

* طقوس القراءة والكتابة

شكّل موضوع "طقوس القراءة والكتابة" ظاهرة أدبية، انشغل بها الكثير من النقّاد والأدباء والصحافيّين والإعلاميّين. صار السؤال عن خصوصيّة الطقوس سؤالاً مستقلّاً يوجّه لكلّ كاتب أو باحث أو روائيّ. وفي سبيل هذا الموضوع، كان لزاماً عليّ أن أقرأ ثلاثة كتب دفعة واحدة عن طقوس الكتّاب والأدباء العرب والعالميين، في حال مخاض الكتابة. ويمكنني أن ألخّص هذه الطقوس شبه المشتركة بالتالي:

أ- الزمان:
المتفرّغون للكتابة واللامتفرّغون، يكادون يُجمعون على طقس الكتابة ليلاً أو عند الفجر. وفيما يتحدث كثيرون عن هدوء العالم وسكونه قبل بزوغ ضوء النهارات، اعترف أغلب الأدباء والكتّاب أن معينَ الكتابة لديهم، يتفجّر في الصباح الباكر أو آخر الليل حينما يأوي ويصمت العالم. قلّة أولئك الذين قالوا: "نكتب في منتصف النهار"! أو بالأحرى قلّة قليلة جدّاً.

ب- المكان:
أجمع الكثيرون أيضاً على أنّ المكان المفضَّل لديهم لتقاسم الوقت مع الكتاب -أو الشائع-، هو غرفة المكتب الخاصّة بهم في بيوتهم. وفي الحقيقة تشكّل هذه النقطة نوعاً من المفاجأة؛ لأنّ الشائع أنّ الكتّاب والقرّاء المثقّفين يحلمون بالذهاب إلى أمكنة استثنائيّة، خاصّة في حال الكتابة، أمكنة شبيهة بمصطلح "الجزيرة المهجورة والبعيدة"... لكن ربّما كان الواقع مختلفاً عن الحلم، لدواعي الارتباط العائليّ والأسريّ. غرفة المكتب الخاصّ بالكتابة داخل المنزل، التي تحدّث عنها معظم الكتّاب والأدباء، فكرة جديرة بالتأمّل! لا يمكن إغفال أمكنة تحدّث عنها آخرون، مثل المطارات والطائرات والمقاهي التي يحتاج إليها بعضٌ آخر للقراءة وللكتابة في ظلّ ضغوطات الوقت والمشاغل.

ج- القهوة:
بدا لو أنّ كل الكتّاب والأدباء متّفقون في ما بينهم على شيفرة سريّة للكتابة، اسمها القهوة والفناجين التي لا تكتمل الكتابة دونها. تحدّث بعضهم عن الشاي، فيما تحدّث آخرون عن أكواب عدّة من الماء، في وقت قال فيه غيرهم: "حين الكتابة ننقطع عن الأكل والشرب"! وعلى الرغم من ذلك بقيت فناجين القهوة القاسم المشترك الأكبر الذي يُصاحب طقوس الكتابة.

د- طقوس مختلفة:
من الطقوس المتعلّقة بعمليّة الكتابة هناك الموسيقى، وقَطْع الهاتف والعزلة بعيداً عن أيّ زائر مفاجئ، يضاف إلى ذلك وسواس "الورقة البيضاء" التي تنتظر لمعة الفكر أو نزول الوحي. ويأخذنا أهل الكتابة والإبداع والفكر إلى أكثر من ذلك: الكتابة على طاولة أو الكتابة على الرّكبة! تفاصيل لا يملك معها القارئ إلّا الضحك أحياناً.

الكاتب الأمريكي الشهير "إرنست همينغواي"، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب للعام 1954م، كان يعتبر الهاتف والزوّار من أخطر مدمّري العمل الأدبيّ!

ومن طقوس الكتابة:
العمل على تأليف وإعداد أكثر من مؤلّف واحد في الوقت عينه. تحدّث بعض المؤلّفين عن هذه المقدرة، التي تحتاج إلى تركيزٍ عالٍ. هذه النقطة تحديداً تُذكّر ببعض الأعلام القدماء من العلماء أو مشايخ الحوزات الذين كانوا ينشغلون بتأليف وتصنيف عشرات العناوين والإنتاجات في فترة واحدة تقريباً..

ومن غرائب الطقوس أن نعرف في يوم ما أنّ أحد الكتّاب الكبار قال ذات يوم: "يجب أنْ تعلموا أنّني مقابل كل صفحة نُشرت في كُتبي كنت قد كتبتُ عشر صفحات انتهت جميعها إلى سلّة المهملات".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع