مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

مع الإمام القائد: من فيض البعثة




نص خطاب ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله في ذكرى البعثة النبوية الشريفة:
إن أهمية البعد المعنوي للبعثة النبوية - في الحقيقية - أرفع من أن يتمكن أمثالي من تبيينها بصورة واضحة، لكن هناك نكات حول تأثير البعثة النبوية على حياة الإنسان في العصور التاريخية المختلفة يمكن الحديث حولها.

إن البعثة النبوية وقعت في فترة فراغ روحي ومعنوي، فالبشرية كانت بحاجة إلى تلك البعثة العظيمة، والله بحكمته البالغة جعل هذه البعثة والحادثة العظيمة في منطقة؛ بحيث أصبحت المفاهيم الحقيقية لهذه البعثة معروفة في تلك الأيام وبقيت مصونة ومحفوظة على مدى تاريخ البشرية، ودون أن تتلوث أو أن تندس فيها المفاهيم المتداولة والرائجة تلك الأيام. فقد كان ممكناً وقوع البعثة الخاتمة في المناطق ذات الحضارة المتقدمة كدولة الروم أو اليونان أو الدول المتقدمة آنذاك والتي كانت لديها فلسفة ومعارف إنسانية وعلوم مدنية، لكن الباري تعالى لم يجعل انعقاد هذه الدعوة والفكرة في تلك المناطق لئلا تصبح العناصر والمفاهيم الأجنبية دخيلة عليها.

فالقرآن الكريم ذكر - والتاريخ أيضاً - وجود حضارات ومدنيات عظيمة في المنطقة الغربية من العالم آنذاك حيث مخالفتهم للأنبياء عليهم السلام. فمثلاً يشير إلى قصة إرسال ثلاثة من الأنبياء في وقت واحد إلى الأقوام التي كانت تقطن مدينة (أنطاكيا) وفي النهاية كفروا بأنعم الله.

فالله سبحانه وتعالى لم يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هؤلاء، أمَّا في الجزيرة العربية فلم يكن للمعارف الإنسانية أي أثر، بل الشرك ومظاهره في أدنى صورة، لذا يُلاحظ أن القرآن حارب الشرك بشدة؛ بحيث تم تعظيم الآية {لم يلد ولم يولد} في سورة الإخلاص، بأن وضعت في قلب سورة تتألف من خمس آيات، كل هذا لأجل محو الشرك من الأذهان والقضاء على مظاهره.
ولكن رغم هذا ولد الإسلام وانتشر في العالم خالصاً تقيّاً، في كل مكان في قبال الثقافات والحضارات المختلفة، إلى أن خلت الدعوة تدريجياً من الخلوص والتقاء بسبب عدم إخلاص الدعاة.
إن من خصائص بعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم إنها دائمة وخالدة للبشرية، أي بإمكان المعارف القرآنية ملء الفراغ المعنوي في الحياة البشرية في كل الأحوال، فهناك قوة خاصة تكمن في المعارف الإسلامية وبوسعها أن تملأ - تحت أية ظروف - الفراغ المعنوي والروحي وتتيح للبشرية الحياة في مناخ روحي ومعنوي.

إن من شروط انتشار دعوة بين الشعوب والملل هو أن تكون الدعوة منطقية ومعقولة، إن أي حديث يفصل الإسلام عن المنطق والعقل فهو مانع لانتشار الإسلام. فعلى المفكرين والمنظّرين في القضايا والشؤون الإسلامية أن يتوجهوا لهذا النقطة وهي أن الإسلام هو دين المنطق والعقل وأن العقل السليم والفطري يستوعبه ويفهمه ويتقبّله بسرعة، طبعاً ليس بمعنى أنه لا بدّ من برهان عقلي لكل حكم من أحكام الإسلام، مثلاً لماذا تكون صلاة الصبح ركعتين، فيلزم دليل عقلي عليه، كلا ليس بهذا المعنى، ولا بمعنى لزوم وجود أي شيء يفهمه ويدركه العقل في الإسلام، بل بمعنى إمكانية الدفاع عن المعارف الإسلامية الثابتة والمقبولة من قبل أهل الخبرة والفن في الإسلام في أي محيط عقلي وعلمي، فيمكن إثبات وتعليل وتوضيح ضرورة الصلاة لأكثر الناس مادية، وعلى حدّ تعبير أحد المفكرين الغربيين المشهورين في القرن التاسع عشر - قرن اللادينية في الغرب: أن في الصلاة سر عظيم، نعم لو لم تكن كذلك لما حملت مفكراً غريباً بعيش في عالم الغرب المادي على الاعتراف بذلك.

فالمنصفون وأهل العلم والعقل والمنطق والاستدلال يمكنهم استيعاب وقبول جميع المعارف الإسلامية، وهذه من خصائص الإسلام؛ أنه مطابق للعقل والمنطق. فإن سعى أُناس لإفراغ الإسلام من هذه الخصيصة سواء إعلامياً بأن يقولوا: إن هذه المعارف مخالفة للعلم والعقل، أو عملياً بأن ينسبوا ما ليس في الإسلام وما ليس موافقاً للعقل السليم إلى الإسلام فإنهم لم يدعموا الإسلام بل عرقلوا انتشاره.
 

إن الخصيصة الثانية للإسلام هي أنه: معنوي وإلهي، أي أنه خلافاً لما ينسب إلى المسيحية من غلبة الجانب المعنوي على الجانب الدنيوي، لكن الإسلام ليس كذلك. إن الإسلام يرى أن الدنيا جزء من الآخرة، فحياتكم وتجارتكم وتحصيلكم للعلم وعملكم الإداري والسياسي هي حياة دنيوية لكنها جزء من الآخرة. فإن تؤدوها بنيَّة صالحة فهي حسنة توصلكم إلى القرب الإلهي وإلى المقامات المعنوية في الآخرة، أو تؤدونها - لا سمح الله - بنية سيئة، بنيَّة العُجُب والتكبّر فنتيجتها السقوط في المهالك والدرك الأسفل، إذ لا انفصام بين الدنيا والآخرة. لكن السيئ أن يسعى الإنسان للحياة المادية في هذه النشأة بنيَّة سيئة، وهذه هي الدنيا المذمومة، لكن لا فصل بين هذه النشأة وتلك، بل هذه الدنيا مزرعة الآخرة. فما معنى المزرعة؟ وهل يمكن قطف الثمار من غير المزرعة؟ إذاً في هذه دلالة على نهاية الوحدة بين الدنيا والآخرة، فبالرغم من اهتمام الإسلام بالأمور الدنيوية؛ إلا أن الإسلام في الوقت نفسه دين المعنويات. في الإسلام يجب أن تتجه القلوب نحو الله، يجب أن تكون النيَّات خالصة لله، فهذه من خصائص الإسلام ومن وسائل نشر الإسلام.

إنَّ ما نشعر به اليوم في الدنيا من نقص - نعتقد أنه من ناحية المعلومات - هو نقص في المعنويات، والفراغ المعنوي الذي يعيشه العالم الغربي خصوصاً -لقد غرفوا في الماديات والشهوات وابتعدوا عن المعنويات، ومن خاصية الشهوة أنها شهوة فقط في البداية لكنها جهنم عند الاستمرار عليها، فلا يمكن مشاهدة أحد يعيش في الشهوات وفي نفس الوقت يلتذّ ويتمتع بحياته، هذا هو الجحيم الذي يعيشه المتنعمون في العالم الغربي اليوم، وأما غيرهم فيعيش الفقر والبؤس، والجميع يعيش في الفساد. طبعاً هناك أفراد مستثنون، أنني أقصد الطبقات، وفي كل طبقة أفراد مستثنون وجيّدون.

إن العالم اليوم بحاجة إلى هذه البعثة، أن قضية إيران الإسلامية ليست أنها دولة كسائر الدول يحكمها لفترة آل فلان وفترة آل علاَّن والآن المسلمون والمؤمنون كلاً، أن قضيتنا قضية نداء، قضية بعثة. إننا اليوم نعرض كلاماً جديداً للعالم، وهذا الحديث والكلام الجديد، وإن كان أثره الابتدائي يجب أن يظهر في حياتنا وبلدنا؛ لكن يقدم للعالم نهجاً وطريقاً جديداً، فيجب أن لا يغفل المسؤولون في البلاد عن هذا. إنَّ هذا النظام قد جاء ليعرض للبشرية أهداف هذه البعثة الإلهية، لا لأخذ شيء من المجتمعات والدول والأنظمة المنحرفة، قد نكون نحن سيّئون ونعاني نقصاً كبيراً ونكون صغاراً على حمل هذه الرسالة؛ لكنَّ الرسالة نداء لإنقاذ البشرية، والبشرية بحاجة إليها، فلا يحقّ لنا التشكيك فيها لأنها لا توافق أذواقنا وسلائقنا.
إننا أحباء البشرية لا أعداءها، إننا عشاق العلم والتقدم وراحة البال وسعادة جميع شعوب العالم، إننا نعرف ممَّا تعاني البشرية، إنَّها بحاجة إلى المعنوية، والمعنوية كامنة هنا. طبعاً هي لا تُفرض على أحد؛ لأنها في هذه الحالة يقل تأثيرها، إنَّما نعرضها فقط لا أكثر.

ويجب الالتفات هنا إلى نقطتين:
الأولى
: هي ما يرتبط بنا نحن باعتبار أنَّ كل واحد منَّا يتصدى لمسؤولية في النظام، إننا لسنا مدراء وحكّاماً على الناس فقط بل إننا نتولّى عرض أفكار جديدة للعالم اليوم، فيجب أن نعرف ونعمل طبقاً لهذا، ونطبّق أعمالنا مع الإسلام، ويجب علينا المحافظة على صفاء وأصالة هذه الأفكار.
والنقطة الثانية: ما يرتبط بشعوب العالم، أن الإذاعات الأجنبية تسعى للإيحاء بأن إيران الإسلامية تتعرض وتعتدي وبصدد مهاجمة الأنظمة الأخرى في العالم، كلاً؛ إننا نعرض ما تحتاجه البشرية فقط، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلا): "طبيب دوَّار بطبّه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه"، أن جعبتنا مليئة بالأدوية لمعالجة آلام وأمراض البشرية، فمن استغنى عنها فلا إكراه في ذلك.

فإن كانت البشرية - خصوصاً الشعوب الغربية - تعاني من أزمة في الهوية والمعنوية، ومن عدم احترام القيم البشرية، الأب لا يرحم الابن، والابن لا يحترم الأب، ولا احترام للقيم الماضية ولا تُعطى أيَّة قيمة للقيم غير الفردية، فعلاجها هو الإسلام.

 وإن كانت مشكلة الغرب اليوم هي ازدياد ثروات البعض يوماً بعد يوم وحصول بعض الأفراد والشركات على ثروات خيالية وإلى جانبهم أُناس ينامون في الطرقات وعلى الأرصفة، وإذ نشاهد تصدع أركان الأسرة في المجتمعات الغربية يوماً بعد يوم؛ برغم آلاف التوصيات حول الزواج والأطفال وتشكيل الأسرة، ومعاناة الشباب والشابات والأطفال - وحتى أولئك الذين هم شركاء في هذه الجرائم - من آلام روحية، - والأزمة الروحية التي شملت الجميع، وحالات الانتحارات والقتل - فخلال عدة أشهر وقعت (700) حالة قتل في الولايات المتحدة التي تُصور في أنَّها في قمة العلم والثروة في الوقت الذي تجوب المروحيات الأجواء متظاهرة بالمحبة والرأفة والرحمة بحثاً عن قطة أو كلب مفقود. فهل عميت أبصار البشر عما يحث في الولايات والمدن الأمريكية حيث يدخل شخص مقصورة في قطار ويقتل عدداً من الأفراد ثم يخرج ويدخل مقصورة أخرى ويقتل آخين وهكذا.

فإن كانت البشرية تعاني من هذه الآلام المستعصية، فنقول لها أن علاجها هو الإسلام، وهذا هو معنى تجديد البعثة في عالمنا اليوم. وأنتم - أيها الشعب الإيراني - طلائعه وروَّاده اليوم، فيجب أن يعمل الشعب بالثقة والاعتماد على النفس لأن العالم بحاجة إليه، ودَعْهم يقولون في إعلامهم أن لإيران الإسلام مشاكل مع الجميع. كلاَّ،  إنَّ لإيران الإسلام مشاكل مع أجهزة الأمن والاستخبارات في الدول الاستكبارية التي هي أكره وأقبح الأماكن في تلك الدول، هؤلاء الذين يغذّون الأبواق الإعلامية. فمن تتصورون أن ينظّم البرامج الإعلامية للأبواق العالمية؟ إننا ليست لنا مشاكل لا مع الشعوب ولا مع الدول باستثناء بعضها (الدول)، ولا دليل على خلق مشاكل معها، إننا شعب مقتدر وذو جذور ممتدة ومآثر عظيمة، وكانت شخصية كالإمام بيننا شخصية لا مثيل لها كما تعلم لا حالياً ولا في الأزمنة القريبة الماضية، وشباب أقوياء وقد أثبتوا ذلك، وأُمّهات وآباء وعوائل وعلماء. فلا نحتاج شيئاً ولا نعول على أحد ولا نهاب أحداً.
لماذا نذهب إلى تلك البلاد، ندمّر ونفجّر فيها؟ إن هذه الأعمال هي من الأجهزة المخالفة للبشرية في تلك الدول التي تعاني هذه المشاكل، إنما نداؤنا هو نداء الإسلام.
إنَّ أحد عوامل انتشار الإسلام هو الرفق "ما كان الرفق في شيء إلاَّ زانه" الرفق يعني المواءمة لا العجز والمسكنة، الرفق لا يعني الوضع الهش الذي يسمح بالاختراق، الرفق لا يعني عدم الصلابة وعدم الانسجام، الرفق يعني عدم تلويع الكيد.

يمكن أن يحمل الإنسان جسماً أو شيئاً من عنصر صلب كالفولاذ، ولكن إذا لمسه فإنه لا يشعر بالأذى، بعدم الانسجام، بعدم التوافق، اللين هو بهذا المعنى، بمعنى الانسجام الصحيح، هذا هو معنى الرفق.
وقد يكون أحياناً شيء ما تلمسه بيدك فيخدشك أو يجرحك مع أن جنسه قد لا يكون بصلاة الفولاذ، كقطعة من خشب مثلاً يمكن أن تخلق خشونة للبعض.
هناك كلمات باطل، خطابات ضعيفة، فارغة يلقيها البعض على نحو يجرح بها الجميع. وهناك من يطرح فكراً معمّقاً، صحيحاً، قوياً دون أن يحمل أية خشونة رغم لك قوته ومتانته. نحن هكذا، هكذا الإسلام، وهذا هو القرآن.

أيها الأخوة والأخوات الأعزة، الحاضرون في هذا المجلس. وفي سائر أنحاء البلاد، ليكن درس البعثة ودرس القرآن لنا هكذا، لنكن رسلاً لقول جديد، وتكون أوَّل من يحترم هذا القول وأوَّل من يعمل به، وعدم دسّ وخلط الأقوال والهدايا الكاذبة - التي جلبها المفكرون الغربيون وخلقوا بها جهنم لشعوبهم - بالإسلام الأصيل والنقي.
وما بين أيدينا من حاجة البشرية المحرومة من الخيرات الحقيقية للحياة، بسبب حرمانها من الدين وعدم الشعور بالضعف أمام العبارات الكبيرة والضخمة التي يطلقها الآخرون، فالمنطق والقول السديد كامن هنا، فإن أصبح شيء ما غير مفهوم لديك، عليك بمراجعة أهله لمعرفة الصحيح منه والمنطق السديد والقول المتين.
وهذا هو المشعل الذي حمله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأقام بها حضارات؛ وكذلك اليوم بإمكاننا ذلك. فلم يكن العالم خالياً تماماً من الحضارات. فقد كانت علوم وتقدم أنطاكيا وروما واليونان وإيران ومناطق أخرى، لكن عندما سطعت هذه الشمس، فقدت جميع الشموع نورها وضياءها "ليظهر على الدين كله"، وهذا الظهور وهذه الغلبة بمعنى الغلبة المعنوية، وبصورة طبيعية كطلوع الشمس، فلا أثر للمصابيح القوية في ضوئها.

فاعرفوا البعثة وأهدافها جيداً وأحيوها في أنفسكم وفي حياتكم، واستمدوا العون في ذلك من الله، إنه خير الناصرين.
اللهم اجعل أدعية ولي العصر (أرواحنا فداه) شاملة لحالنا، واشملنا برحمتك وهدايتك ونوّر قلوبنا وأبداننا وأعمالنا وألسنتنا وأفكارنا، وأحينا وذريتنا بالإسلام وأمتنا به، واحشر إمامنا العظيم مع أوليائك، واجعل هذا العيد مباركاً لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات في العالم.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع