مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

مناسبة: شهيدٌ مثل أبي

تحقيق: نانسي عمر



عن أولئك الذين قدّموا الأنفس وفلذات الأكباد معاً، عن الذين ربّوا أبناءهم على حبّ البذل والعطاء إلى حدّ بذل النفس، عمّن أضحت صدورهم وصدور أبنائهم دروعاً للوطن، تذود عن الأرض والعرض وعمّن ورثوا عن آبائهم حبّ الشهادة بدل المال والجاه والسلطان، عن هؤلاء سأحدّثكم، والحديث يطول..

* شهيدان معاً
في آب عام 2006م انتهت حرب الثلاثة والثلاثين يوماً التي شنّها العدوّ الإسرائيليّ على لبنان. دافع فيها أبناء الوطن عن أرضهم بعزم وقوة، بشجاعة كشجاعة الحسين يوم عاشوراء. وكما قدّم الحسين عليه السلام أبناءه في كربلاء قبل أن يُستشهد، زفّت المقاومة كوكبة من الشهداء، كان من بينهم أبناء أبوا إلّا أن يكونوا إلى جانب آبائهم في ميدان المعركة. قاتلوا سوياً، وارتفعوا شهداء على الأرض نفسها، في بقعة ارتوت من دماء الأب والابن معاً.

الشهيد أحمد عبد الله (أبو محمد) ونجله محمد (جواد) استشهدا معاً في الثامن من آب على أرض كفرشوبا، ليُسجِّل تاريخ 8/8 في ذهن العائلة المجاهدة مدى الحياة. وفي منطقة "الحوش" شابٌّ تربّى على عشق الجهاد ليفوز بإحدى الحسنيين، ففاز علي عنيسي (كرار) مع والده أحمد عنيسي (حبيب) بالاثنتين معاً. في الثاني والعشرين من تموز من ذلك العام.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت أبت روح الشهيد محمد مونّس (الصادق الأمين) أنْ تفارق روح ولده حسّان، فارتفعا شهيدين معاً في مجمع الإمام الحسن عليه السلام في الثالث عشر من شهر آب، قبل انتهاء الحرب بيوم واحد، لتكون دماؤهما معبراً للنصر واختتاماً لحرب وحشيّة شنّها عدوّ همجيّ.

* على خطى آبائهم ارتقوا شهداء
ولكن في حرب تموز قصص أخرى، تحكي عن أطفال نشأوا على حبّ الجهاد، وترعرعوا في كنف عائلات قدّمت ركن البيت ومعيله شهيداً، فداءً للوطن، فشبّوا وتابعوا المسير، إلى أن نالوا الشهادة. ومنهم الشهيد أحمد جغبير نجل الشهيد حسن جغبير الذي استشهد عام 1993م، والشهيد علي ملحم (رجائي) الذي حمل الاسم الجهادي نفسه لوالده الشهيد عدنان ملحم الذي ارتقى عام 1986م. وكما عوائل شهداء المقاومة كذلك عوائل شهداء الجيش اللبناني، أبناء على خُطى الآباء الشهداء. الشهيد محمد الدبس (ملاك) نجل شهيد الجيش اللبناني عبد الأمير الدبس، استشهد في الثالث عشر من شهر آب عام 2006م، ليلتحق برَكب أبناء الشهداء، ويُثبت مع رفاقه أنّ عوائل الشهداء تورث أبناءها الشهادة على خطى آبائهم، في سبيل الوطن والأرض.

* ميراث الآباء للأبناء
من أبطال المقاومة الإسلامية إلى قادتها الذين لطالما كانوا السبّاقين في توريث العشق الحسينيّ لأبنائهم، حتّى تسابق الأب والابن على الشهادة للقاء المعشوق.

عن جهاد مغنية تُحكى قصص طويلة، ذاك الشاب الذي تربّى في كنف القائد الجهاديّ الذي كانت ترتعد فرائص الأعداء من مجرّد ذكر اسمه، عماد مغنية، أو الحاج رضوان كما يعرفه أبناء المقاومة. هو الأكثر شبهاً بوالده الشهيد كما يصفه الأقارب، لا سيّما في هدوئه وذكائه، وهو الأخ الأصغر لعائلة تتألّف من مصطفى وفاطمة.

استشهد الحاج رضوان في "كفرسوسة" بدمشق عام 2008م، فتابع جهاد طريق الجهاد كما وعد أمام الملأ يوم التشييع المهيب لوالده في الضاحية الجنوبية، وكما كان يتمنّى، تحقّقت الأمنية، وتلقّى العالم بحزن وفخر نبأ استشهاد جهاد عماد مغنية (جواد عطوي) في القنيطرة السورية عام 2015م، فعطاء الدم لا يتوقّف عند هذه العائلة التي قدّمت شهيدين من قبل (فؤاد وجهاد)، لتستمرّ مسيرة الشهادة مع الأحفاد أيضاً.

ومع مجموعة الشهيد جهاد مغنية كان شابٌّ عشرينيٌّ وسيم يملؤه الخجل، ورث عن أبيه معظم خصاله، وأهمّها حبّ الجهاد، وتابع مسيرته إلى أن فاز بالشهادة. الشهيد علي حسن إبراهيم (إيهاب) كان في عمر السنة عندما استشهد أبوه حسن علي إبراهيم (عباس) عام 1994م في البيّاض، فتربّى في كنف جدّه ووالدته، ودخل طريق المقاومة، حتّى نال الشهادة في القنيطرة عام 2015م.

* أبناء سبقوا الآباء
وللشهيد علي رضا اللقيس قصّة أخرى، فهو قد سبق أباه إلى نيل الشهادة وعلّق وسام الشرف على صدر أبيه في السابع من آب عام 2006م، تاركاً له وصيّة تمنّى له فيها الشهادة، لأنّها "من أعظم الدرجات عند الله" وخاطبه قائلاً: "أشكرك على توجيهي نحو خطّ الجهاد الذي قال عنه الإمام عليّ عليه السلام: "بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه"..". لكنّ القائد حسّان اللقيس أبى أن يخلّ بوصيّة ابنه، فالتحق بركب الشهداء عام 2013م حيث اغتاله غدراً العدوّ الإسرائيلي في محلَّة السان تيريز، ليرتقي شهيداً قائداً بطلاً.

الشهيد اللقيس لم يكن وحده من سبق والده إلى الشهادة، فالشهيد حسين علي ذيب (هادي) ارتقى في السابع عشر من شهر نيسان عام 1999م في منطقة الغازية، شهيداً يُرفع به الرأس وتنحني له الجباه، قبل أن يلتحق والده القائد علي حسن ذيب المعروف بـ"أبو حسن سلامة" بركب الشهداء القادة في مدينة صيدا بعد ثلاثة أشهر من السنة نفسها (17 تموز 1999م)، ليُحفر التاريخان في سجل المقاومة والشهادة، وتلتقي الروحان في جنان باريهما بعد فراق لم يدم طويلاً.

وفي قائمة العشق الحسينيّ سجّل الشهيد علي رضا ياسين (نور) اسمه بأحرف من ذهب، حين ارتفع شهيداً في عين إبل في الثاني والعشرين من شهر أيار عام 1993م، ليلتحق به والده الشهيد رضا ياسين (أبو علي رضا) بعد سنتين، ويفوز بلقبَي الشهيد ووالد الشهيد معاً.

* وتستمرّ قوافل الشهداء
ومع معارك الدفاع المقدس استمرّت قافلة الشهداء الذين لحقوا بأبنائهم إلى قافلة الشهداء، وكان منهم الشهيد علي حسين بلحص (علي كوكب) الذي استشهد في البادية السوريّة، وكان قد سبقه إلى الشهادة ابنه حسين (مهدي) ابن الستة عشر عاماً، في السابع عشر من شهر تموز عام 2006م في الغازية، حين كان يقوم بواجبه الجهاديّ في وجه العدوّ الصهيونيّ. وكان منهم أيضاً الشهيد حمزة الحاج دياب (أبو عباس) الذي نال شرف الشهادة خلال معركة تحرير جرود عرسال في تموز من العام الجاري 2017م، وهو والد شهيد الدفاع المقدس محمّد حمزة الحاج دياب (حسن العسكري) الذي استشهد في معارك القلمون في العاشر من نيسان عام 2014م.

* 25 أيار ذكرى الأب والابن
وفي القلمون أيضاً عام 2015م اختارت الشهادة أن تعلق وسام الشرف على صدر علي أحمد يحيى (بسام) في التاريخ نفسه الذي كان قد استشهد فيه والده الشيخ أحمد يحيى (أبو ذر) قبل خمسة عشر عاماً، ذاك "الأخ العزيز، العاشق للشهادة، المقاوم المجاهد، والجنديّ المجهول" كما وصفه سماحة السيد حسن نصر الله في خطاب التحرير عام 2000م، و"شيخ المقاومين" كما عرفه أبناء المقاومة. خمسة عشر عاماً كانت كفيلة بأن تُظهر في عليّ خصال أبيه التي لطالما عرف بها، الهدوء والوعي والرصانة والتواضع والنخبوية في القتال والحماسة للشهادة. كلّها صفات اتّسم بها عليّ سنة بعد سنة، حتّى أتى الخامس والعشرون من أيار مجدداً، ليُعيد عليّ إلى حضن والده في ذكراه السنوية الخامسة عشرة، وبات يوماً محفوراً في وجدان العائلة الصابرة، تحيي فيه ذكرى الأب والابن معاً.

* يحمل وجه أبيه وقلبه
"كان الشيخ شديد التعلّق بعليّ كونه الابن الأكبر، فقد أبدى له حباً خاصاً واستثنائيا"، تقول زوجة الشهيد أحمد يحيى، وتكمل: "كانوا يرون الشيخ الشهيد في وجه علي الذي كان يشبهه خَلقاً وخُلقاً، حتّى أنّ الأصدقاء والرفاق أحبّوه على محبّة أبيه وشجّعوه على السير على خطى أبيه. ولأنّ والده كان عطوفاً وحنوناً جداً وكانت علاقتهما قوية، بدت عليه شدّة التأثر عند تلقّي نبأ استشهاد أبيه رغم صغر سنّه. فكان بين الفينة والأخرى يرتدي بزّة أبيه ويحمل سلاحه".

وتتابع الحاجة أم عليّ: "جرت العادة أن نحضّر للذكرى السنوية للشيخ الشهيد قبل أيام عدّة من الخامس والعشرين من شهر أيار من كلّ عام، وكنت أنتظر عودة عليّ من القلمون ليكون معنا كما وعدني في آخر اتّصال هاتفيّ. ولكن يوم الخامس والعشرين من أيار تفاجأنا بوصول خبر استشهاد عليّ في التاريخ نفسه الذي استشهد فيه أبوه، فعلمنا أنّ الشيخ له كرامة عند الله عزّ وجلّ حتى اختار أن يزفّ ابنه في التاريخ نفسه".

وتضيف: "زوجي لم يكن شهيدي الأول فقد استشهد أخوان لي من قبل، ورغم الأسى الذي يرافق فَقد أيّ عزيز إلّا أن الشعور بالعزّ والفخر يغلب أيّ شعور آخر".

قصص الشهداء لا تنتهي ولا تُملّ، ففي كلّ منها عبرة لكلّ من أراد أن يتعلّم معنى العطاء والتضحية، وتبقى حكايات عوائل الشهداء كنزاً يُتوارث من جيل إلى آخر، لأنّ عطاء الدم لا يتوقّف عند فرد واحد من أفراد العائلة، فما إن تقدّم شهيدها الأول حتى يسري عشق الشهادة في نبض كلّ أفرادها، ليكون الحسين عليه السلام -وهو نبض ثورتهم وسرّ حماستهم- قدوةً لهم بالقول والفعل.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع