مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

الآداب المعنوية للصلاة في التطهيرات الثلاثة

الإمام الخميني قدس سره



* المرتبة الثانية:
في المقالة السابقة تحدثنا عن المرتبة الأولى من التطهيرات الثلاثة والتي شرحها الإمام قدس سره في "الآداب المعنوية للصلاة". وسنبحث في هذا العدد بشيء من التوضيح والبيان حول المراتب الأخرى.
فبعد أن ينتهي المصلي من تطهير ظاهره ليه أن يقوم "بتحلية الباطن من أرجاس الأخلاق الفاسدة" وهذه هي المرتبة الثانية من القذارات- كما يقول الإمام- والتي يكون فسادها أكثر وعلاجها أصعب.
وكما يقوم المتوضئ بمعرفة النجاسات وموانع الوضوء لتحصيل الطهارة الظاهرية التي هي مقدمة للصلاة الظاهرية، عن المصلي الذي يريد الوصول إلى المقام الثاني للصلاة، والذي تكون حقيقته سريان حقيقة التوحيد إلى القلب، أن يتعرف إلى موانع الطهارة الباطنية أولاً، وإزالة هذه الموانع ثانياً.

وقد أشار الإمام (سلام اللَّه عليه) إلى هذه القذارات وهي الأخلاق الفاسدة التي يكون اقتلاعها وإزالتها أصعب من القذارات الظاهرية. ويعود ذلك إلى خفائها من جهة، وإلى تشعبها من جهة أخرى.
يقول الإمام قدس سره:
"لأنه ما دام الخلق الباطني للنفس فاسداً والقذارات المعنوية محيطة بها، لا تليق بمقام القدس وخلوة الأنس، بل مبدأ فساد المملكة الظاهرية للنفس هو الأخلاق الفاسدة والملكات الخبيثة لها، وما دام السالك لم يبدّل الملكات السيئة بالملكات الحسنة فليس مأموناً عن شرور الأعمال".
إن مبدأ فساد المملكة الظاهرية للنفس هو الأخلاق الفاسدة والملكات الخبيثة لها، وما دام السالك لم يبدل الملكات السيئة بالملكات الحسنة فليس مأموناً عن شرور الأعمال
وهذا الكلام مستلهم من حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول: "إن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل".

* وما هي النتيجة المتوقعة لمثل هذه القذارات؟
إن أول ما ينعكس في النفس هو ظهور الأعمال السيئة واستحكام قذارات الظاهر وعدم التوفيق للتطهر منها. ويؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الحرمان من السعادة والوقوع في جهنم الأخلاق، يقول الإمام قدس سره:
"إن القذارات الباطنية موجبة للحرمان من السعادة، وهي منشأ جهنم الأخلاق التي هي كما يقول أهل المعرفة أشد حراً من جهنم الأعمال".
فما يساعد كثيراً في هذا المجال هو الاطلاع المستمر على حقيقة هذه الأخلاق وتجسدها في العالم الآخر حيث إنها قد ذكرت كثيراً في أخبار أحاديث أهل بيت العصمة. ومثل هذا التأمُّل والتفكُّر المستمر يوجد في النفس حالة من الاعتقاد الراسخ بخطورة إهمال هذه القذارات، والذي يكون من آثاره التوجه نحو الطهارة الواقعية.
وقد جعل اللَّه تعالى الوضوء بالماء الذي هو شرط الطهارة الظاهرية أو التيمُّم بالتراب. حين فقدان الماء. طريقاً إلى التخلص من قذارات الباطن أيضاً. فالظاهر هو الطريق إلى الباطن. وهذا ما أشير إليه في العديد من الأدعية التي يستحب ذكرها حين الوضوء. ولا ينبغي للمصلي أن يحرم نفسه من هذه الفائدة الإلهية الكبرى.

ويشير الإمام إلى عملين أساسيين لأجل إزالة الأخلاق الفاسدة وهما:
1- العلم النافع الطاهر الطهور.
2- الارتياض الشرعي الصالح.
فيقول قدس سره: "وبعد أن غسل عن روح النفس التلوث بالأخلاق الفاسدة بماء العلم النافع الطاهر الطهور وبارتياض شرعي صالح يشتغل حينئذٍ...".
ففي هذه الجملة المباركة أشار الإمام إلى المنهج الأقوم في تهذيب النفس وإصلاحها، الذي يبدأ بالعلم النافع ويمر عبر الرياضات الشرعية الصالحة. والعلم النافع هو ما ذكر في الحديث المشهور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حينما دخل المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجلٍ. فقال: ما هذا؟ فقيل: علاّمة. فقال: وما العلاّمة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل".
وقد قام الإمام الخميني قدس سره بشرح هذا الحديث الشريف في كتابه الشهير "الأربعون حديثاً". وبين أقسام العلم النافع وهي بالدرجة الأساسية: معرفة اللَّه (العقائد) والأخلاق (معرفة المنجيات والمهلكات) والشريعة (السلوك).

ومن أراد التعمُّق في سر مؤثرية العلم في تهذيب النفس وطهارتها فليرجع إلى الروايات الكثيرة في هذا المجال.
أما الارتياض الشرعي الصالح، فهو المنهج السلوكي الذي يقوم على أساس الشريعة الإلهية برعاية الواجبات والفرائض. وأعظم هذه الفرائض الصلاة. ويفهم من هذا الكلام أمر في غاية الأهمية وهو:
إن منشأ قذارة عالم القلب، الذي هو مبدأ القذارات كلها، هو حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وحب النفس الذي هو أم الأمراض "إن الدخول إلى باطن الصلاة، الذي يعتمد على طهارة الباطن، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الصلاة".
فالصلاة هي المنهج الأقوم في تهذيب النفس واصلاحها. قال اللَّه تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

* المرتبة الثالثة:
وهي الاشتغال بتطهير القلب الذي هو أم القرى "وبصلاحه تصلح المملكة وبفساده تفسد كلها".
فما هي القذارات عالم القلب؟، وكيف يمكن التطهر منها؟
يقول الإمام قدس سره: "وقذارات عالم القلب مبدأ القذارات كلها، وهي عبارة عن تعلقه بغير الحق وتوجهه إلى نفسه وإلى العالم".
فالأنانية والتعلق بالذات هي القذارة التي ينبغي الطهور منها لكي يحصل التوجه الحقيقي إلى اللَّه الذي هو سر الصلاة وأصل تشريعها.
ومنشأ هذه القذارة كما يقول الإمام قدس سره هو: "حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وحب النفس الذي هو أم الأمراض".

ونظراً لضيق المجال، لن ندخل في تفاصيل البحث حول حب الدنيا. ومن أراد أن يستزيد فليرجع إلى مواعظ أمير المؤمنين وسيد الوصيين في نهج البلاغة. فإن فيها العبرة الشافية والحكمة الكافية، على أن هناك نكتة هامة يذكرها الإمام. وللأسف يذهل عنها الكثيرون الذين لم يتمكنوا من التمييز ما بين العلم الظاهر والباطن أو بتعبير أدق لم يعرفوا حدود علوم الفقه والأصول بالنسبة للعلوم الباطنية والأسرار الشرعية. وكانت النتيجة عند هؤلاء عدم الالتفات إلى خطورة حب الدنيا وشرها.
يقول الإمام قدس سره: "وما دامت جذور حب الدنيا في قلب السالك لا يحصل فيه أثر من محبة اللَّه ولا يهتدي طريقاً إلى منزل المقصد والمقصود. وما دام للسالك في قلبه بقايا من هذه المحبة لم يكن سيره إلى اللَّه، بل إلى النفس والدنيا والشيطان".

وما هي الآثار المتوقعة من مثل هذا السير؟

إن حب الدنيا هو الذي جعل البعض يغتصبون الخلافة بكل جرأة. وإن حب الدنيا هو الذي جعل عمر بن سعد يقتل الإمام الحسين عليه السلام. وإن حب الدنيا هو الذي جعل هارون الرشيد يقتل الإمام الكاظم عليه السلام.
إن حب الدنيا هو الذي يجعل جميع القوى المستكبرة في العالم تهيمن على الشعوب المستضيفة وتنهب ثرواتها وترتكب أبشع المجاور والجرائم لأجل تحقيق مآربها. فإذا لم نكن نحن مثل عمر بن سعد من حيث ما قام به، أو مثل أمريكا اليوم فهذا يعود إلى أننا لا نقدر على ذلك وليس إننا لا نريد.
وعلى السالك أن يلتفت إلى أن حب الدنيا لا يمكن أن يجتمع مع حب اللَّه. لأن الدنيا والآخرة ضرتان لا تجتمعان.
يقول الإمام قدس سره: "فالتطهر من حب الدنيا والنفس هو أول مرتبة تطهير السلوك إلى اللَّه في الحقيقة. لأنه قبل هذا التطهير لا يكون السلوك سلوكاً، وإنما يطلق عليه هذا اللقب على سبيل المسامحة".

فعند الإمام يبدأ السلوك بعد الخروج من حب الدنيا والنفس. وللإمام سلام اللَّه عليه شرح تفصيلي للآية الشريفة: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
يبين فيه أن الهجرة إلى اللَّه ورسوله تبدأ بالخروج من بيت النفس المظلم. ثم يذكر الإمام على نحو الإشارة العوالم الأخرى بعد هذا المقام التي يعبِّر عنها بمدن العشق السبع للطار. وهي المقامات التي ذكرها العارف فريد الدين العطار النيشابوري في ملحمته العرفانية المشهورة بمنطق الطير، ومنها هذا البيت بترجمته:

لقد طوى العطار مدن العشق السبع

ونحن ما زلنا في أول منعطف من أزقتها


أما نحن- فبقول الإمام- ما زلنا وراء الأسوار والحجب الضخمة ونحسب تلك البلاد وحكامها من الأساطير.
وكعادته ينطلق الإمام من واقع الجهل المرير الذي يعيشه الناس وكثيرون من مدّعي العلم بالنسبة للمقامات العرفا

نية الاشامخة. ونتيجة هذا الجهل يتهجّم هؤلاء على مثل هذه الأحاديث ويذكرونها، بل ويكفّرون أصحابها أحياناً. ينطلق الإمام في ذكر موعظة بالغة ونصيحة رائقة حول أعظم القذارات المعنوية فيقول: "وإن أعظم القذارات المعنوية التي لا يمكن تطهيرها بسبعة أبحر وأعجزت الأنبياء العظام هي قذارة الجهل المركب الذي هو منشأ الداء العضال. وهو إنكار مقامات أهل اللَّه وأرباب المعرفة، وهو مبدأ سوء الظن بأصحاب القلوب. وما دام الإنسان ملوثاً بهذه القذارة لن يتقدم خطوة واحدة إلى المعارف. بل ربما تطفىء هذه الكدورة نور الفطرة الذي هو مصباح طريق الهداية، وتنطفىء بها نار العشق التي هي براق العروج إلى المقامات ويخلد الإنسان في أرض الطبيعة" (الآداب المعنوية ص113).

* أسوأ القذارات:
فأسوأ القذارات هي قذارة الجهل المركب الذي يظهر في البعض بصورة إنكار المقامات العرفانية ويؤدي ذلك إلى موت الشوق وبراق العروج إلى اللَّه تعالى. ويلاحظ في هذا المجال أن الإمام كلما ذكر شيئاً عن المقامات العرفانية في كتبه وكلماته انتقل إلى هذه الملاحظة وتحدث بلهجة قاسية ممتزجة باللوعة والألم. فما كان سبباً لحزن رسول اللَّه وشيبته حتى واساه رب العالمين قائلاً: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}. قد انتقل بدرجة ما إلى حفيده الإمام، الذي لا يقدر على تحمل هذا الألم من مرض يصيب الكثيرين ولا يطهر ولو بسبعة أبحر.
"فاللازم على الإنسان أن يغسل هذه القذارات عن باطن القلب بالتفكر في حال الأنبياء والأولياء الكمّل صلوات اللَّه عليهم وتذكر مقاماتهم وألاّ يقنع بالحد الذي هو فيه فإن الوقوف على الحدود والقناعة في المعارف من التلبيسات العظيمة لإبليس والنفس الأمّارة نعوذ باللَّه منها".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع