قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

العلم في مدرسة الأئمة عليهم السلام

الإمام الصادق عليه السلام والمفضل


* قوى النفس وموقعها من الإنسان
تأمَّل يا مفضل هذه القوى التي في النفس، وموقعها من الإنسان، أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو فقد الإنسان من هذه الخلال الحفظ وحده، كيف ستكون حاله، وكم من خلل كان ليدخل عليه من أموره ومعاشه وتجاربه. فإذا لم يحفظ ما له وما عليه، وما أخذه وما أعطاه، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به، وما نفعه ممّا ضرّه، ثم كان لا يهتدي لطريق ولو سلكه بما لا يحصى، ولا يحفظ علماً ولو درسه عمره، ولا يعتقد ديناً، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئاً على ما مضى، لكان حقيقاً أن ينسلخ من الإنسانية.
 

* النعمة على الإنسان في الحفظ والنسيان
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال، وما موقع الواحدة منها دون الجميع. وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ، النعمة في النسيان، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجا غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد. أفلا ترى كيف جُعل في الإنسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان، وجعل له في كل منهما ضرباً من المصلحة. وما عسى أن يقول الذين قسّموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتباينة، وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة.

* اختصاص الإنسان بالمنطق والكتابة

تأمّل يا مفضل ما أنعم الله - تقدّست أسماؤه - به على الإنسان، من هذا المنطق الذي يعبّر عمّا في ضميره، وما يخطر بقلبه، وينتجه فكره، وبه يفهم لغيره عمّا في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة، التي لا تخبر عن نفسها بشيء، ولا تفهم عن مخبر شيئاً. وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضيين للباقين وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلف الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما رُوِيَ لهم مما لا يسعهم جهله. ولعلّك تظنّ أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه.

وكذلك الكلام إنّما هو شيء يصطلح عليه الناس، فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة، وكذلك كتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي، وغيرها من سائر الكتابة، التي هي متفرّقة في الأمم، إنّما اصطلحوا عليها، كما اصطلحوا على الكلام. فيقال لمن ادّعى ذلك [أي أدّعى أن هذه الأمور يخلص إليها بالحيلة]: أن الإنسان وإن كان له في الأمرين جميعاً فعل أو حيلة، فإن الشيء الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة، عطية وهبة من الله عز وجل له في خلقه. فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام، وذهن يهتدي به للأمور، لم يكن ليتكلم أبداً، ولو لم تكن له كفٌ وأصابع مهيّئة للكتابة، لم يكن ليكتب أبداً.

وأعتبر في ذلك من ملاحظة البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة، فأصل ذلك فطرة الباري جل وعز، وما تفضّل به على خلقه، فمن شكر أثيب ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع