الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

نور روح الله: أعمالنا مرآة الملكوت


اعلم أن الله تبارك وتعالى قد خلق بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن النفس، قوىً لها منافع لا تحصى، وهي: "الوهمية، والغضبية والشهوانية". ومنافع هذه القوى كثيرة لأجل حفظ النوع والشخص وإعمار الدنيا والآخرة، كما ذكر ذلك العلماء.

فهذه القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة، وأصل جميع الصور الغيبيّة الملكوتية. فالإنسان، كما أن له في هذه الدنيا صورةً ملكيّةً دنيويّة، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال الحُسن والجمال والتركيب البديع، وقد ميّزه الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجمال المنظر، كذلك فإن له - أي للإنسان - صورةً وهيئةً وشكلاً ملكوتياً غيبياً. وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنيّة.


*الباطن والصورة الملكوتيّة
إذا كانت خلقة الإنسان في الباطن والمَلَكة والسريرة إنسانية، تكون صورته الملكوتية في عالم ما بعد الموت - سواء في البرزخ أو القيامة - صورة إنسانية أيضاً. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته - في عالم ما بعد الموت - تكون غير إنسانية أيضاً وتابعةً لتلك السريرة والملكة.

فمثلاً: إذا غَلَبَتْ على باطنه ملَكَة الشهوة والبهيمية، وأصبح حُكم مملكة الباطن حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخلق. وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكماً سبعياً، كانت صورته الغيبية الملكوتية صورة أحد السباع والبهائم. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما المَلَكة، وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صورته الغيبيّة الملكوتيّة على صورة أحد الشياطين، بما يتناسب وتلك الصورة.

ومن الممكن أحياناً أن تتركّب الصورة الملكوتيّة من ملكتين أو عدة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل تتشكل له صورة غيبية. هذه الصورة، بهيئتها المرعبة، المدهشة، والسيئة المخيفة لن يكون لها مثيل في هذا العالم.

*مملكة البرزخ وسلطان الآخرة
ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صور تكون أسوأ من صور القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك العالم، لأن ذلك العالم ليس كهذا العالم بحيث لا يمكن لأي شيء أن يتقبل أكثر من صورة واحدة له، وهذا الأمر يطابق البرهان وثابت في محلّه أيضاً.
واعلم أن المعيار لهذه الصور المختلفة - والتي تعد صورة الإنسان واحدة منها، والباقي صور أشياء أخرى- هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور مملكة البرزخ، واستيلاء سلطان الآخرة، الذي أوّله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد. فبأية ملكة يخرج بها من الدنيا، تتشكّل على ضوئها صورته الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضاً عندما يفتح عينيه في برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها -في ذلك العالم- إذا كان لديه بصر.

وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم مطابقة لتلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا. يقول سبحانه وتعالى على لسان بعضٍ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (طه: 125)، فيأتيه الجواب من الله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(طه: 126).

*انظر بعين البصيرة
فيا أيها المسكين؛ قد كانت لديك عين ملكية ظاهرة البصر، ولكنك في باطنك وملكوتك كنت أعمى، وقد أدركت الآن هذا الأمر، وإلا فإنك كنت أعمى منذ البداية، ولم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله.
عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في يوم القيامة. يجب أن تكون روحك روحاً إنسانية كي تكون صورتك في عالم البرزخ صورة إنسانية... أنت تظن أن عالم الغيب والباطن مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخَلط والاشتباه... إنّ عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء جسدك، جميعها، ستشهد عليك بما فعلت، بألْسِنة ملكوتيّة، بل وبعضها بصور ملكوتية.

أيها العزيز؛ افتح سمْع قلبك، وشد حزام الهمة على وسطك، وارحم حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وأن تخرج من هذا العالم بصورة آدمية، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة، وحذار من أن تتصوّر أنّ كلّ ما تقدم هو موعظة وخطابة. فهذا كله هو نتاج أدلّةٍ فلسفيّةٍ توصّل إليه الحكماء العظام، وكَشْفٍ انكشف لأصحاب الرياضات، وأخبارٍ عن الصادقين والمعصومين عليهم السلام.

*سلِّمها للعقل والأنبياء العظام
واعلم أن الوهم، والغضب، والشهوة من الممكن أن تكون من الجنود الرحمانيّة، وتؤدّي إلى سعادة الإنسان وتوفيقه إذا سلّمتها للعقل السليم وللأنبياء العظام، ومن الممكن أن تكون من الجنود الشيطانيّة إذا تركتها وشأنها، وأطلقت العنان للوهم ليتحكم في قوتَي: الغضب والشهوة.
وأيضاً لم يعد خافياً أن أياً من الأنبياء العظام عليهم السلام لم يكبتوا الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة، ولم يقل أي داع إلى الله حتى الآن، إن الشهوة يمكن أن تُقتل بصورة عامة، وأن يُخمد أوار الغضب، بصورة كاملة، بل قالوا: "يجب السيطرة عليها حتى تؤدي واجبها في ظلّ ميزان العقل والدستور الإلهي"؛ لأن كل واحدة من هذه القوى، تريد أن تنجز عملها وتنال غايتها ولو استلزم ذلك الفساد والفوضى.
فمثلاً، النفس البهيمية المنغمسة في الشهوة الجامحة التي مزقت عنانها، تريد أن تحقق هدفها ومقصودها ولو بواسطة الزنا بالمحصنات وفي الكعبة (والعياذ بالله). والنفس الغضوب، تريد أن تنجز ما تريده حتى ولو استلزم ذلك قتل الأنبياء والأولياء. والنفس ذات الوهم الشيطاني تريد أن تؤدي عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في الأرض.

لقد جاء الأنبياء عليهم السلام، بقوانين، وأُنزلت عليهم الكتب السماوية، من أجل الحيلولة دون الإطلاق والإفراط في الطبائع، ومن أجل إخضاع النفس الإنسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتأديبها حتى لا يخرج تعاملها عن حدود العقل والشرع.

إذاً؛ كلُّ نفس كيّفت ملَكاتها وفق القوانين الإلهية والمعايير العقلية، هي سعيدة ومن أهل النجاة. وإلّا، فليستعذ الإنسان بالله من ذلك الشقاء وسوء التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة، ومنها تلك الصور المرعبة والمذهلة التي تصاحبه في القبر والبرزخ والقيامة وجهنم، والتي نتجت عن الملكات والأخلاق الفاسدة التي لازمته.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع