مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

أخلاق: التفكر

آية الله مشكيني

قال تعالى: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً [آل عمران 191]

إحدى الكمالات الإنسانية العظيمة هي التفكر. ومن المناسب قبل أن نشرع في بيان الهدف من التفكر، أن نتطرق إلى معنى هذه الكلمة:
"الفكر" في اللغة يشير إلى تلك القوة الموجودة في الإنسان التي يستطيع بواسطتها أن يكتشف المجهول. والتفكرة عبارة عن إعمال هذه القوة من خلال حركة سير في معلوماته ليطّلع على المجهول. فالتفكر إذاً سلّم الترقي والتكامل. وكلما أعمل الإنسان هذه القوة مستخدماً المنابع والمصادر العلمية الكامنة وكلما أسرع وحثَّ الخطى في هذا الطريق، كان أسرع في عبور المراتب الكمالية.
فالتفكر هو الموقظ لركود الفكرة، والمحذّر من غفلة القوة العاقلة، والمجرد للدماغ والروح. "التفكر سير الباطن من المبادئ إلى المقاصد".

وكم يحدث أن يرجع الإنسان إلى ذاته بعد انقضاء قسم كبير من عمره بلحظة تفكر فيستيقظ من سبات الغفلة ويجبر ما فات. إن الدعوة إلى التفكر في القرآن الكريم ذكرت لأولئك الذين وقفوا بشدة في مواجهة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا.
ثم نجد القرآن المجيد تارة أخرى يدعو المجتمعات الإنسانية إلى الرجوع إلى الذات: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم.
ويأمر رسوله العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ببيان آيات التوحيد وما جرى على الأنبياء الماضين وخلق السموات والأرض لعل قوة فكرهم تتحرك ويعودوا إلى طريق الحقيقة وإدراكها.

وقد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث مواعظ بليغة أولها يرتبط بحديثنا هذا: "نبِّه بالفكر قلبك، وجافِ عن الليل جنبك واتقِّ الله ربك".
أجل، فهذا الفكر هو الذي ينبه روح الإنسان، فيبعث فيها الحياة، لتسير إلى الرشد، والرشد ينبه إلى الهدفية، والهدفية تؤدي إلى المسارعة.
وليس عجيباً ولا غريباً أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "تفكر ساعة خير من عبادة سنة".
وقال الإمام علي عليه السلام: "التفكر يدعو إلى البر والعمل به".
إنني أوصي جميع الأصدقاء الأعزاء بالإختلاء بأنفسهم وباستخدام قوتهم العقلية وبالتفكر في سر السفر في الحياة والمصير.

أيها الأصدقاء الأعزاء:
عندما تجدون الأجواء من حولكم خالية، فتفرغوا من كل المحسوسات واقطعوا النظر عن كل شيء إلا أنفسكم وغوصوا في أعماقها ارجعوا النظر إلى الماضي والمستقبل، وفكروات بما سيجري عليكم وإلى متى سيستمر العمر يجري بأيامه، ما هي العواقب التي تنتظرونها ومتى سيتحطم القفص وتخرج منه الروح لتعرج إلى بارئها وإل أين سيكون المصير كما يقول الشاعر:

ما فات مضى وما سيأتيك فأين  
  قم فاغتنم الفرصة بين العدمين

* أكثر عبادة أبي ذر:
يقول الإمام السادس عليه السلام (الإمام جعفر الصادق عليه السلام) بشأن أبي ذر الذي ترك عبادة الأصنام قبل الإسلام نتيجة التفكر وابتعد عن طريق الباطل ولكنه لم يكن، إلى ما قبل البعثة قد وصل إلى الحق يقول عليه السلام: "كان أكثر عبادة أبي ذر التفكر".

فقد ولد أبا ذكر وترعرع في قبيلة تعبد أحد الأصنام الكبرى لقريش. وكان عندما يذهب مع قومه في أوقات العبادة إلى ذلك الصنم الكبير ويشاهد خضوع وبكاء ونحيب النلس مقابل حجر قد صنعوه بأيديهم ثم ينظر إليهم يقدمون الأضاحي المختلفة. كان وجدانه الطاهر يتألم ويحمله قلبه الصافي أحياناً على التعجب وأحياناً على التفكر وأخرى على الإنكار الباطني. وبقي على هذا المنوال مدة في شك وتردد، فهل يدرك هذا الجماد ما يظهره الناس له من محبة؟ وإذا كان كذلك فما أقسى قلبه بحيث لا يبادلهم المشاعر ولا يعتني بهم. وإذا كان عديم الشعور والإدراك فكيف يقوم هؤلاء الناس أصحاب الشعور والإدراك بالالتفاف حوله؟ وآخر الأمر قام إلى ذلك الصنم وفي ليلة مظلمة ورماه بحجر، وعمله فيه أشياء أخرى، ثم رجع إلى بيته ولكنه لم يتعرض لأي أذى منه ولم يحل عليه الغضب.
الفكر هو الذي ينبه روح الإنسان فيبعث فيها الحياة لتسير إلى الرشد.

ثم قاده تفكّره إلى مكة حيث وجد في النهاية مطلبه الحقيقي حين التقى يوماً بتلك الطلعة التي صغر كل العالم في نظرها، فقال في نفسه إذا كان من سجود مقابل موجود فلا بد أن يكون هو. ولكن أبا ذكر وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بعبادة معبود ويخضع له ويسجد وكأن قلبه خرج من جسده. هذا المعبود الذي ينبغي للناس جميعاً منذ آدم حتى محمد العظيم صلى الله عليه وآله أن يسجدوا له ويطيعوه.
وهكذا أصبح نتيجة تفكره ذلك أن ترك قومه ورحل إلى مكة حيث لا صنم هناك بل صمد أحد.

يقول الإمام علي عليه السلام: "ما أكثر العبر وأقل الاعتبار".
فوسائل العبرة والتفكر كثيرة جداً، كل العالم لوحات من مواعظ وزواجر ونصائح. ولكن العجب من العين التي لا تبصر تلك الخطوط العظيمة على صفحة الخلقة، ومن القلب الغافل عن معناها والالتزام بنتائجها.
إنني أوصي جميع الأصدقاء الأعزاء بأن يختلوا من حين لآخر بأنفسهم ويستخدموا قوتهم العقلية ويفكروا في سر السفر في الحياة والفترة القصيرة التي أعدت لهم في غرفة الانتظار وفي الهدف من المجيء والذهاب ويهيئوا زادهم ويلتفتوا إلى كلام علي عليه السلام: "اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل".
راجياً من الله التوفيق للجميع.

* الخلاصة:
● التفكّر هو إعمال لقوة الفكر من خلال حركة سير في معلومات الإنسان ليطّلع على المجهول.
● الفكر ينبه روح الإنسان فيبعث فيها الحياة لتسير إلى الرشد، والرشد ينبه إلى الهدفية، والهدفية تؤدي إلى المسارعة.
● ينبغي استغلال أوقات الفراغ للإختلاء والتفكير في الحياة والمصير...

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع