نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

أموال العمل...أمانة

الأستاذ حسين النمر(*)

يعدّ الفساد الإداري والمالي آفة عرفتها المجتمعات الإنسانيّة وعانت منها منذ ظهور هذه المجتمعات على وجه البسيطة، وحتى يومنا هذا. وهي مرتبطة بنزوع بشري غير مشروع بهدف الحصول على مكاسب ماديّة أو معنويّة ليست من حق الإنسان ومع ذلك يسعى إليها.

* مصاديق الفساد: متعدّدة
ومع استنطاق الدلالة اللغويّة لمفردة الفساد يتّضح معنى البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحلّ. وقد يأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه، كما ورد في القرآن الكريم فهو:

أ- الجدب أو القحط،
كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(الروم: 41).
ب- الطغيان والتجبر،
كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص: 83).
ج- عصيان لطاعة الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(المائدة: 33).

ونرى في الآيات الكريمة السابقة تشديد القرآن على تحريم الفساد على نحو كلي، وأن لمرتكبيه الخزي في الحياة الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة.

*الدلالة الاصطلاحية
أما الدلالة الاصطلاحية للفساد فتظهر على اتجاهات مختلفة، يمكن تحديدها على النحو الآتي:

1- الاتجاه الأول: الفساد هو إساءة الوظيفة العامة، من أجل تحقيق مكاسب خاصة.
2- الاتجاه الثاني: الفساد هو انتهاك المعايير الرسميّة والخروج على المصلحة العامة.
3- الاتجاه الثالث: الفساد كأوضاع بنائيّة هيكليّة (مجموعة من مظاهر الخلل الكامنة في هياكل المجتمع السياسيّة والاقتصاديّة والسياسيّة).

*المخالفات الماليّة
وفي خصوص الفساد المالي فإنه يتمثّل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام الماليّة التي تنظّم سير العمل الإداري والمالي في المؤسسة ومخالفة التعليمات الخاصّة بأجهزة الرقابة المالية، ويمكن ملاحظة مظاهر الفساد المالي في:

1- مخالفة القواعد والأحكام المالية المنصوص عليها داخل المنظمة:
تحكُم كل منظمة إدارية مجموعة من القواعد والأحكام الماليّة التي تتوافق مع طبيعة عملها، وتتّفق مع القواعد والأحكام الماليّة التي نصّ عليها القانون. مثال ذلك: الأحكام المالية التي تنظم عمليات المخازن، والمشتريات، وقواعد المزايدات، والمناقصات وترسية العقود وغيرها.

2- مخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية:
وتحدث عند عدم موافاة جهاز الرقابة المالية بالحسابات، والمستندات الخاصة بالمنظمة أو عدم الرد على مكاتباته أو ما يطلبه من بيانات بدون عذر مقبول ما يعوق عمل هذا الجهاز، ويؤثر على فاعليته.

3- فرض المغارم (الابتزاز) Black Mailing:
ويعني قيام الموظف بتسخير سلطة وظيفته للانتفاع من الأعمال الموكلة إليه في فرض الإتاوة على بعض الأشخاص أو استخدام القوة البشريّة من العمّال والموظفين في الأمور الشخصيّة مستغلاً موقعه الوظيفي بتبريرات قانونيّة أو إداريّة.

4- الإسراف في استخدام أموال المنظمة:
ويأخذ أشكالاً وصوراً مختلفة أكثرها انتشاراً اتجاه أغلب القائمين على الأجهزة إلى تبديد الأموال في الإنفاق؛ أو المبالغة في استخدام السيارات في الأغراض المنزليّة والشخصيّة وإقامة الحفلات الترفيهيّة والإنفاق ببذخ على الدعاية والإعلان أو التأييد والتوديع لكبار المسؤولين تملّقاً ونفاقاً.

5- الرشوة:
وهي داء ينتشر في كل القطاعات، ما يؤدي إلى الإخلال بهيبة الوظيفة، وما يجب أن يتحلى به الأفراد من شعور بالهيبة والاحترام نحو المنظمة التي يعملون فيها. كما تؤدي الرشوة إلى إهدار مبدأ الخدمة العامة وخلل في نموّ المنظمة.

6- اختلاس المال Misappropriation:
باستخدام الصلاحيات الممنوحة للشخص أو الاحتيال أو استغلال الموقع الوظيفي للتصرف بأموال المؤسسة بشكل سري، من غير وجه حقّ أو تمرير السلع عبر منافذ غير قانونيّة أو التزوير. ويأخذ أشكالاً مختلفة، منها كما في نهب خزينة المنشأة أو سرقة مخازنها بواسطة المسؤولين عنها، ومعالجة ذلك بقيود دفتريّة وتزوير توقيعات.

7- التزوير:
ويمثّل التزوير اعتداء غير مباشر على سلطة المنظّمة والإدارة والمنشأة، فقد يحدث التزوير في أوراق توثيق أحد العقود، أو في محاضر الجلسات، أو يحدث في كشوف الترقيات، أو المرتبات والمكافآت والحوافز وغيرها.

8- الاحتيال:
يشير مصطلح "الاحتيال" إلى فعل متعمّد من قبل فرد واحد أو أكثر، وهذا الفعل يتضمّن استخدام الخداع للحصول على ميزة غير عادلة أو غير قانونيّة، ويتضمّن الاحتيال:
- الخداع: كالتلاعب أو التزوير أو إجراء تغيير في السجلات المحاسبيّة أو الوثائق.
- التمثيل الخاطئ للبيانات المالية، أو الحذف المتعمّد لأحداث وعمليّات أو معلومات جوهريّة.
- سوء استعمال متعمّد للمبادئ المحاسبية المتعلّقة بالقياس أو الاعتراف أو التصنيف أو العرض، أو الإفصاح.
وإجمالاً، فإنّ القاسم المشترك بين هذه التقسيمات هو (وحدة الهدف المتمثل بتحقيق أقصى المنافع الخاصّة من الوظيفة العامة وبطرق غير مشروعة).

*النظرة الإسلامية في المخالفات

1- الصمام هو الأمانة:

قال تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ(البقرة: 283). والعامل الموظف في المؤسسة أمين بموجب عقد التوظيف على كل الأموال سواء ما يقع منها تحت يده وتصرّفه أو ما كان خارجاً، ومقتضى وجوب أداء الأمانة أن يحفظ ذلك المال، وتربط الآية ذلك بتقوى الله بياناً لعظمة هذا الفعل ولحجم تأثيره على المستوى الفردي والاجتماعي.

2- حرمة الرشوة:

الرشوة، هي ما يعطيه أحد الأشخاص للآخرين لتأكيد باطل أو للتملّق أو حتى لإحقاق حق.
وقد أجمع علماء الإسلام على تحريم الرشوة سواء كان الأمر لإحقاق حقّ أم لدفع باطل وسواء كان للباذل أو عليه، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(البقرة: 188).
وفي حديث عن الإمام الحسين عليه السلام في حرمة الرشوة: "فأمّا الرُشا في الحُكم فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم ورسوله"(1).

- الفرق بين الرشوة والهديّة: الهديّة هي ما يبذل على وجه الهبة فهي تبذل للملاطفة والتودّد فقط، أمّا إذا بذلت الهديّة لإيراث الحب المحرك لتحقيق مصلحة معيّنة، حتى وإن كانت هذه المصلحة حقّاً، فهي في هذا المجال رشوة وهي محرّمة.

3- حرمة الاحتكار:

الاحتكار، هو التحكّم بإنتاج وتخزين وتبادل السلع والخدمات وفرض أسعار عالية غير منطقيّة على المستهلكين.
والاحتكار المحرّم هو ترك الناس (أو المستهلكين) بدون سلع معيّنة مع احتياجاتهم إليها بقصد تربّص الفرص المناسبة لرفع أسعار تلك السلع.
هذا ويدلّ على حرمة الاحتكار، العديد من الروايات منها ما روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرّ برجل يقال له: "حكيم بن حزام" حيث كان يحتكر الطعام المجلوب إلى المدينة، فقال له: "يا حكيم بن حزام إيّاك أن تحتكر"(2) وإنّ كلمة "إيّاك" تحذير صريح ظاهرها الحرمة.

وفي حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّما رجل اشترى طعاماً فحبسه أربعين صباحاً يريد به الغلاء للمسلمين ثم باعه وتصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع"(3).

4- حرمة الغش:

الغش، هو إظهار خلاف الإضمار والخديعة والخيانة، ولا يتحقّق ذلك إلّا بعلم الغاش وجهل المغشوش، فإذا كان كلاهما عالمين بالواقع أو جاهلين به، أو كان الغاش جاهلاً والمغشوش عالماً انتفى مفهوم الغش.

أ- أقسام الغش:
- إخفاء الأدنى في الأعلى كمزج الجيد مع الرديء.
- إخفاء غير المقصود في المقصود كإدخال الماء الذي هو غير مقصود من البيع في اللبن الذي هو المقصود في البيع.
- إظهار صفة جيدة في البيع وهي غير موجودة فيه، ويسمّى هذا تدليساً.
- إظهار المبيع على غير جنسه، كطلاء المعادن بالذهب على أنّها ذهب خالص، وبيعها على هذا الأساس.

ب- حرمة الغش:
الغش حرام بلا خلاف. والروايات التي تدلّ على حرمته كثيرة جدّاً، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من غشّ مسلماً في بيع أو شراء فليس منّا". إلى أن قال: "ومن غشّنا فليس منّا -قالها ثلاثاً-، ومن غشّ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه وأفسد عليه معيشته ووكله إلى نفس".
إنّ تعاليم الإسلام أتت لتحفظ حقوق الناس ولتؤمّن العدالة لهم وتبعد الظلم عن عاتقهم.

بعد هذه النظرة المقتضبة إلى الفساد المالي، نستطيع أن نضع حلولاً مبدئيّة تحول دون وقوع تجاوزات مالية من قبل العاملين، من قبيل فرض العقوبات، والأحكام الرادعة والقاسية بحقّ كل من يفعل ذلك، أو بتعزيز أجهزة وأدوات الرقابة على المال وعلى العاملين في المنظمات.

إلّا أن الإجراءات تبقى قاصرة إن لم يكن لدى الفرد إحساس بالرقابة الذاتية التي تشكّل له رادعاً وحصناً منيعاً يحول بينه وبين الوقوع في الخطأ.


(*) مدير الجمعية اللبنانية للعلوم الإدارية.
1.نهاية الأحكام، العلامة الحلّي، ج2، ص463.
2.الوافي، الكاشاني، ج17، ص391.
3.كتاب المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج4، ص366.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع