قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

الآداب المعنوية للصلاة: تحصيل حضور القلب



إن لكل العبادات حقيقة وغاية هي ذكر الله تعالى، هذا الذكر الذي لا يحصل بمجرد لقلقة اللسان، بل بحضور القلب وتوجهه إلى المعبود الحق، فإذا لم يكن الذكر منبعثاً من فهم الحقيقة كان خاوياً، بل أن مرتبة كل ذكر إنما تكون بحسب هذا الفهم.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "... وها نحن نحسب أنفسنا في زمرة المصلين، وقد مضت علينا سنون، ونحن مشتغلون بهذه العبادة العظيمة، ومع ذلك لا نرى في أنفسنا هذا النور ولا نجد في باطننا هذا الزاجر والمانع. فالويل لنا يوم نعطى صور أعمالنا وصحيفة أفعالنا في ذلك العالم بأيدينا ويقال لنا: ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً (الآداب المعنوية، ص73).

في الحديث عن حضور القلب، علمنا أن جوهر كل عبادة إنما يتحقق بسريان إرادة الحق سبحانه وتعالى في مملكة وجود الإنسان، فمعنى العبودية لله أن لا يكون للسالك أية إرادة مقابل إرادة الله عزَّ وجلَّ.
وكيف يمكن أن يحصل هذا الفناء والإنسان ما زال خاضعاً لشهواته وأوهامه؟!

لذلك فإن المرحلة الأولى من العبادات تقوم على أساس جعل هذه المملكة خاضعة للقلب ومنقادة إليه. وذلك من خلال تقوية إرادة النفس وتغلبها على القوى الطبيعية.

فالعبادة في المرحلة الأولى عبارة عن هذا التسخير، بحيث تكون القوى المختلفة بالنسبة للنفس كملائكة الله بالنسبة للحق تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم".

ورغم أن هذه العبادة لا تكون في جوهرها لله إلا أنها سير نحوه سبحانه، ولا ينبغي للعابد في هذه المرحلة أن يدّعي العبودية والخضوع ما دامت القوى المختلفة للملك بعيدة عن سلطان القلب. وعندما يحصل هذا التسخير وتصبح القوى منقادة للقلب ينبغي أن يحضر المصلي قلبه في الصلاة ويرى نفسه في محضر الله تعالى. وعلى إثر هذا التوجه المستمر والمواظبة على العبادة بهذا الشكل تسري إرادة الله في قلب المصلي ليتحقق بعدها الخضوع التام لجميع المملكة.
وهذا من فوائد الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

* أين تكمن المشكلة؟
المشكلة لا تنحصر بعد هذا الكلام في القناعة فقط. فإنّ من لم يذق لذة العبادة ولم يجرب الحالات المعنوية يجد صعوبة بالغة في الوصول إلى مقام حضور القلب وخصوصاً إذا التفتنا إلى الموانع العظيمة التي تنشأ في رحلة الإنسان وسيره نحو هذا العالم.

وعلى أثر هذه الصعوبة التي تحصل في البداية ييأس المصلي من بلوغ المقصد. وبدلاً من اتهام نفسه واعترافه بالتقصير يلجأ إلى الإخفاء والتعمية: وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، فإن من أشد مكائد إبليس وتسويلاته هو أنه يقنع الإنسان بظاهر الشريعة، ويوهمه ويزين له أنه إذا أدّى الصلاة بالصورة الواردة في الأحكام وراعى شرائطها ومستحباتها، فإنه سينال الدرجة الرفيعة، ولا يلبث هذا المصلي المسكين حتى يصبح في حالة يرى فيها عبادة الآخرين بلا قيمة، ويصاب بمرض الإعجاب بعمله، وعندها فإنه من البعيد جداً أن يتم إنقاذ هذا الإنسان.

هذه الصلاة التي جاءت لأجل إخراج الإنسان من حضيض الظلمانية إلى أوج الإنسانية والنور، ولتعطي لروحه معنى ولوجوده اتصالاً، أين نحن منها؟!

وما يمنع الإنسان من تحصيل روح العبادات تلك التدليسات الخفية للشيطان والنفس حينما يأمل بالتوبة في آخر العمر. فهو يعلم أنه مقصر وأن صلاته لا تساوي شيئاً في سوق أهل المعرفة والإيمان ولكنه يمنّي النفس بقدوم أيام ينقطع فيها إلى العبادة والتبتل، وأن هذه الأيام أيام الانشغالات والحاجات الأساسية.

فكيف سيؤمّن أحواله؟ وإذا لم يعمل ليلاً ونهاراً فمن سيصرف عليه أيام شيخوخته؟!

وهذا، بالإضافة إلى أنه من خدع الشيطان وناشئ من الجهل بمقام ربه وحقيقة وجوده في هذا العالم، فهو لن يحصل البتة. فإذا نظرنا إلى حال الكبار في السن نجد أن معظمهم لم يتوبوا إلى الله ولم يرجعوا إليه: "يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل".

ومن هو الضامن لبقاء هذا الأمل، الأمل بالتوبة والإنابة إلى العمر؟! فإن شجرة الغفلة والمعاصي حين تستحكم في القلب وتمتد جذورها فإن قطعها يصبح صعباً جداً، بل يصل إلى درجة الاستحالة أحياناً. وعندما يكون الإنسان في مرحلة الشباب حيث العزم والقوة والفتوة في اوجها، وحيث المعاصي والذنوب في بداياتها، فإن الفرصة تكون أكثر والمجال أوسع. أما عندما يصل إلى أرذل العمر ورغم خمود نيران الشهوة فإن العزيمة تصبح أضعف بكثير، ويكون عمود الذنوب والمعاصي قد رسخ في أعماق القلب ليثبّت بناء الانحراف واليأس من رحمة الله.

وهنا مانع آخر وحجاب غليظ كثيراً ما نرى آثاره السلبية في أوساطنا وهو الطمع بغير محله في شفاعة الشافعين عليهم السلام. وأن هذه الشفاعة التي أعدها الله لعباده لترغيبهم في عبادته والانقطاع إليه وترك ما عداه، قد تحولت عند البعض إلى أهم سبب في الغفلة والشقاوة. فهؤلاء إذا نظروا إلى أعمالهم وعباداتهم ولم يروا فيها حظاً من الحضور، قالوا: نحن لا نرجو إلا شفاعة محمد وآله صلى الله عليهم أجمعين. وبدلاً من تحول هذا الرجاء العظيم الذي هو رأس جميع العبادات وأصل كل إيمان إلى عامل أساس في سلوك طريق المعنويات، يصبح والعياذ بالله سبباً لجرأة الإنسان على المعاصي، فإن الانغماس في المعاصي يجعل القلب بالتدريج، مظلماً ومنكوساً، ويجر أمر الإنسان إلى سوء العاقبة. وكثيراً ما يكون ذلك بحرمانه من الشفاعة أيضاً.

ان هذه جملة من الموانع أمام تحصيل القناعة بضرورة حضور القلب. والتي تجتمع كلها تحت عنوان اليأس من رحمة الله والغفلة عن الآخرة والأمن من مكره، ونحن هنا نذكر جملة من الأحاديث المرغبة في حضور القلب:
فعن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم: "أعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وروى أبو حمزة الثمالي (رضي الله عنه)، قال: "رأيت علي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه، فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته، فسألته عن ذلك، فقال: ويحك أتدري بين يدي من كنت؟".
وفي الحديث أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرجلين من أمتي يقومان إلى الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وأن ما بين صلاتهما ما بين السماء والأرض".
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه إلى وجه حمار".
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلى ركعتين لم يحدّث نفسه بشيء من الدنيا غفر الله له ذنوبه".
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر، وأن منها لما تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها".
"ما لك في صلاتك إلا ما أقبلت عليه بقلبك".
وقال الإمام الصادق عليه السلام: "ما تجمع الرغبة والرهبة في قلب إلا وجبت له الجنة".

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع