قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

الآداب المعنوية للصلاة: حضور القلب



إن لكل العبادات حقيقة وغاية هي ذكر اللَّه تعالى، هذا الذكر الذي لا يحصل بمجرد لقلقة اللسان، بل بحضور القلب وتوجهه إلى المعبود الحق، فإذا لم يكن الذكر منبعثاً من فهم الحقيقة كان خاوياً، بل أن مرتبة كل ذكر أنما تكون بحسب هذا الفهم.

من الآداب القلبية لكل العبادات، وخصوصاً الصلاة، حضور القلب بمعنى توجهه إلى حضرة اللَّه سبحانه وشعوره بفقره وعجزه التام أمام الغني المطلق، واستحضار حقيقة ذله أمام العزيز الجبار. فإذا حصل مثل هذا التوجه تبدأ العبادة باكتساب حقيقتها النورانية وتخرج من قشرها وظاهرها إلى باطنها وسرها.

وإن كل عبادة ما لم تنطلق من هذا المبدأ فهي فاقدة للمعنى، يقول الإمام الخميني قدس سره: "إن العبادات والمناسك والأذكار والأوراد إنما تنتج نتيجة كاملة إذا صارت صورة باطنية للقلب وتخمّر باطن ذات الإنسان بها".

ولا يمكن أن يتحقق هذا الحضور بأس صورة ومعنى. بل اللازم أن يتشكل بحقيقة العبودية والخروج عن الهوى والعصيان، فإذا كان القلب تابعاً للهوى خاضعاً لسلطان الوهم والقوى الطبيعية الشهوية فلن يكون عابداً لله وعندئذ لن تسري الأنوار الملكوتية في باطن الإنسان.

ولذلك فإن من أسرار العبادات وفوائدها تقوية إرادة النفس من خلال التوجه الدائم إلى محضر اللَّه وسلطانه ومعرفة جوهر العبودية، حتى تتغلب النفس على الطبيعة وقواها من الأعضاء والجوارح، فيصبح كل وجود الإنسان خاضعاً للقلب وتحت أمرته.

وبعد تغلب القوى الباطنية على القوى الظاهرية وسيطرة القلب والملكوت على النفس والملك عليه أن يدخل كل هذه القوى تحت إرادة اللَّه تعالى.

فإن المقصود من العبادة ليس مجرد سيطرة القلب وإلا أصبح للعبادة في الإسلام دور يشبه ما يقوم به المرتاضون من الهنود والمتصوفة. بل يجب أن يتوجه السالك إلى مقام الفناء التام في إرادة اللَّه، وهذا هو جوهر العبادة في الإسلام، يقول الإمام:
"إن من أسرار العبادات وفوائدها المهمة التي تكون بقية الفوائد مقدمة لها، أن تكون مملكة البدن بجميعها، ظاهرها وباطنها، مسخرة تحت إرادة اللَّه ومتحركة بتحريك اللَّه تعالى".

وهذا المقام له عدة آثار منها:
- أن تصبح القوى الملكية والملكوتية للنفس من جنود اللَّه.
- فإذا تصبح القوى الملكية والملكوتية للنفس من جنود اللَّه.
- فإذا اصبحت من جنود اللَّه تخرج عن المعصية والتمرد.
- ويصبح الإنسان عندها إلهياً وتنهزم جنود إبليس كلياً يقول اللَّه تعالى في كتابه الكريم حاكياً عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

فإن خروج الإنسان عن سلطة إبليس وأغوائه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وصول الإنسان إلى مقام العبودية العبودية الحقة، حيث لا يبقى فيه أي ساحة ينفذ من خلالها هذا اللعين. وذلك لأن إبليس قد طرد من ساحة اللَّه، وعندما تتحول كل مملكة النفس إلى ساحة لله فلا يمكن لإبليس أن ينفذ من خلالها. وما دام في النفس بقية شرك وتمرد فإن إبليس يجد ضآلته فيها.

ومن النتائج الأخرى العظيمة لمثل هذا الفناء: بروز الإسلام ببعض مراتبه الباطنية في القلب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُون﴾. فيصبح السالك الفاني عندها مهتدياً بهدي الإسلام الذي هو نور الأنوار ويخرج من العمى. ومن علامات مثل هذه الهداية أن يصبح الإسلام أكبر همه ويترك في سبيله كل شيء. فما دام في الإنسان هم آخر غير خدمة الإسلام، فهذا يعني أن العبادة تتحقق بجوهرها في نفسه.
من الآثار العظيمة لمثل هذا الحضور: "أن الحق تعالى ينفذ إرادة صاحب هذا القلب في العوالم الغيبية، ويجعله مثلاً أعلى لنفسه".
وفي الأحاديث، يقول اللَّه تعالى: "عبدي أطعني تكن مثلي..".

فهذا هي العبادة التي تجعل الإنسان خليفة إلهية، يقول الإمام:
فكما أنه تعالى وتقدس يوجد كل ما أراد بمجرد الإرادة يجعل إرادة هذا العبد أيضاً كذلك، كما رواه بعض أهل المعرفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف أهل الجنة: أن الملك يأتي إليهم فيقول لهم بعد أن يستأذن عليهم في الدخول، فإذا دخل ناولهم كتاباً من عند اللَّه بعد أن يسلم عليهم من اللَّه، وإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطب به: "من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون، وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون".

يقول الإمام الخميني قدس سره: "وهذه هي السلطنة الإلهية التي أعطيت للعبد لأجل تركه إرادة نفسه وسلطان الأهواء النفسانية، وتركه إطاعة إبليس وجنوده، ولا تحصل كل من هذه النتائج المذكورة إلا بالحضور الكامل للقلب".

وخلاصة الكلام أن حصول الغاية من كل عبادة وهي الفناء التام في إرادة اللَّه والوصول إلى حقيقة العبودية، لا يمكن إلا من خلال حضور القلب. لأن حضور القلب في محضر اللَّه من شأنه أن يجعل جميع القوى الظاهرية والباطنية خاضعة للقلب وبعدها على أثر المداومة على العبادة والتوجه المستمر يصبح القلب خاضعاً لإرادة اللَّه تعالى.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع