مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

تعرف إلى الإمام القائد



* جهاده
عاش سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله العالي) طوال حياته المباركة إمّا مجاهداً بالقلم والبيان أو بالسلاح خصوصاً حينما بدأ الإمام الراحل العظيم قدس سره ثورته الإسلامية الكبرى عام 1341 هـ. ش (1962)، فلم يتوانَ هذا المجاهد الشجاع لحظة واحدة في السعي والجهاد، وقضى ثلاث سنوات من عمره ما بين الأعوام (1963-1978م) في سجون الشاه ونحو عام في المنفى. وإليك جوانب من حياته الجهادية كما ينقلها سماحته:

"أمّا حول دخولي ساحة الجهاد والمعترك السياسي، فبين عامي (1952-1953م) سمعت أنّ المرحوم نوّاب صفوي قد جاء إلى مشهد، وكان شيء خفي يجذبني إليه، وكنت أودّ رؤيته كثيراً، إلى أن أخبرنا أنّ نوّاب ينوي المجيء إلى مدرسة سليمان خان والتي كنت أحد طلابها، ويعتبر يوم مجيء نوّاب إلى مدرسة سليمان خان من الأيام التي لا تُنسى في حياتي.
فعندما دخل نوّاب صفوي المدرسة مع بعض أعضاء منظمة (فدائيو الإسلام) الذين كانوا واضعين قبعات خاصة على رؤوسهم، بدأ بإلقاء خطاب قوي وهو قائم، وكان مضمون خطابه هو إحياء الإسلام وإقامة حكومة إسلامية، وشنّ هجوماً عنيفاً – في خطابه – على الشاه والإنجليز، واتّهم مسؤولي البلاد بالكذب وقال: إنّ هؤلاء المسؤولين ليسوا بمسلمين.

إنّني كنت أسمع بأذنيّ هاتين هذه الأقوال من لسان المرحوم نواب، فوقع كلامه على قلبي، وتمنّيت أن ألازمه دوماً. وأعلن هناك أنّ نوّاب سيتحرك غداً من المهدية باتجاه مدرسة نوّاب، وفي اليوم الثاني تحرّك في حشد من المهدية باتجاه المدرسة المذكورة آنفاً، وفي الطريق كان يخاطب الناس بصوت عالٍ ويردّد: "أخي المسلم الغيور، يجب أن يحكم الإسلام"، إلى أن دخل المدرسة، وهناك ألقى خطاباً مفصلاً ومثيراً. وبعد انتهاء الخطاب اقترح عليه إقامة صلاة الجماعة، فوافق على ذلك، وصلّينا الجماعة بإمامته، ثمّ غادر مشهد ولم نعلم عنه شيئاً بعد ذلك اليوم إلى أن بلغنا نبأ استشهاده، فغضبنا لذلك كثيراً وبدأنا نردّد شعارات ونشتم الشاه، والنقطة اللافتة للنظر هي أن المرحوم آية الله الحاج الشيخ هاشم القزويني كان العالم الوحيد في مشهد – نظراً إلى طهارة سريرته وهمّته العالية – الذي أبدى ردّة فعل تجاه استشهاد المرحوم نوّاب ورفاقه، وانتقد في درسه نظام الشاه بشدّة وأبدى تأثّره وحزنه من استشهادهم وقال: إنّ بلادنا وصلت بها الحالة إلى درجة بحيث يقتل فيها ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله لا لشيء سوى قوله الحق.

فكان نوّاب أول من أوقد شرارة نهضة إسلامية في نفسي في ذلك الزمان، ولا يختلجني شك أنّ نوّاب هو أوّل من أوقد هذه الشعلة في نفوسنا، ولهذا أصبح تقليد المرحوم نواب سبباً لبدء أوّل تحرّك جهادي عام 1334 أو 1335 ه.ش (1995 أو 1956م) وكان تحركنا الجهادي بهذه الصورة وهي حينما بُعث شخص باسم (فَرح) محافظاً لمدينة مشهد، وكان هذا الشخص لا يحترم أياً من المظاهر والضوابط الإسلامية، ومن جملتها أنّه كان من المقرّر رسمياً أن تعطل السينما في مشهد شهري محرم وصفر، ففي البداية أعلن عن تعطيل السينما إلى اليوم الرابع عشر من محرم، لكن بعد أن ارتفعت أصوات الاحتجاج، مدّدها إلى العشرين من محرم؛ لهذا السبب عقدنا جلسة – وكنا عدّة أفراد – وكتبنا إعلاناً حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأرسلناه عن طريق البريد إلى أماكن متعدّدة".

* جهاده من عام 1941 ه.ش (1962) فما بعد:
لقد نهضت الحوزة العلمية بقم وثار مركز العلم والتقوى والجهاد عام 1941 ه.ش (1962) بنداء من إمام الأمة  قدس سره ضدّ الشاه، فكان العلماء والطلبة يوصّلون نداءات وتوجيهات الإمام  قدس سرهوسائر المراجع إلى أقصى مناطق إيران بكلّ إخلاص وشجاعة، وكانت إعلاناتهم تطبع وتوزّع بمساندة جميع القوى الشعبية والمؤمنة، وانتقلت هذه الثورة إلى سائر الحوزات العلمية والمجاميع الدينية وأهمّها حوزة مشهد العظيمة والصامدة.

وكان لسماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) دور بنّاء وعظيم في هذا المجال، وثّق علاقاته بالعلماء والطلبة في مشهد وسعى – مستعيناً بنشاط سائر علماء خراسان – في تجهيز طلبة العلوم الدينية بصورة أفضل، فكانت نشاطاته مؤثرة ومبهرة للعين بحيث أنّه بُعث في عام 1342 ه.ش (1963) من قِبل الإمام إلى مشهد لإيصال ثلاثة نداءات حول شهر محرم المصيري الذي وقعت فيه انتفاضة 15 خرداد. النداء الأول كان موجهاً إلى العلماء والخطباء ورؤساء الهيئات الدينية حول التهجّم على إسرائيل وقضية الفيضية، والنداءان الثاني والثالث كانا إلى المرحوم آية الله العظمى الميلاني رحمه الله واحد علماء مشهد حول بدء الكفاح العلين من السابع من محرم.
وقد تمّ إنجاز هذه المسؤولية بالصورة المطلوبة، وأدّت هذه النداءات الثلاث إلى تشديد الكفاح في محافظة خراسان.

وكان سماحته أثناء سفره ينقل إلى أبناء الشعب – في المدن التي يمرّ عليها في طريقه ومن على المنبر – جوانب من هذه النداءات، فاستطاع بعمله هذا نثر بذور الثورة في كلّ مكان، ثمّ قرّر سماحته مع جمع من زملائه الملتزمين السفر إلى مختلف مدن المحافظة والبدء من اليوم السابع من محرم تلك السنة – حسب البرنامج الذي أعدّه الإمام – بشرح القضايا الراهنة والأوضاع السياسة والاجتماعية وفاجعة الفيضية والخطط السرية للنظام؛ لأنّ الأرضية كانت مهيئة لثورة جماهيرية ضد نظام الطاغوت وذلك بعد قضية مجالس المدن والمحافظات وقضايا الاستفتاء الشعبي المزوّر للنظام ومحاربته للإسلام والعلماء وخلقه فاجعة المدرسة الفيضية وكذا الحداد العام في نوروز 1342 ه.ش (1963).

واستغلّ الإمام الراحل رحمه الله والعلماء شهر محرم تلك السنة على أفضل صورة، ووضعت البرامج لتبيين الأمور بشكل مجمل من الأول إلى السادس من محرم، ثمّ البدء في اليوم السابع ببيان المطالب الرئيسية والحقائق بكلّ صراحة للشعب ليكشف عن وجه الشاه الكريه من تحت عطاء الإصلاحات. وكان نصيب سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي (دام ظله العالي) مدينة بيرجند التي كانت مركز قوة للنظام وخاضعة لسيطرته، وكما يصطلحون عليها (إقطاعية أسد الله علم) رئيس الوزراء آنذاك.

ارتقى آية الله العظمى الخامنئي المنبر في بيرجند في اليوم الثالث من المحرم، وأشعل فتيل الثورة وذلك بتبيان القضية لأبناء الشعب، وفي السابع من المحرم – حيث شارك جمع غفير في المجلس – بدأ ببيان مثير وجذّاب لفاجعة الفيضية، فبكى الناس كثيراً.

يقول سماحته عن تلك الأيام:
"في ذلك اليوم أطال الخطيب الأول ببيانه وتأخر عن النزول من المنبر، فلم يبقَ لي نصف ساعة، وعندما بدأت الموضوع كنت أرتعش من شدّة الإثارة وإن لم أخف مطلقاً، وكان أحوال الناس يبكون بصورة عجيبة، وعندما نزلت عن المنبر أحاطوا بي كي لا أعتقل".
فكان لهذا المنبر صدى عظيم في المدينة، وفي صباح اليوم التالي حضر جمع غفير في مجلس آخر أقيم في منزل أحد الأشخاص وهناك أيضاً طرحت قضايا الساحة.

يضيف سماحته:
"كان في بيرجند عالم شهير اسمه تهامي، قال لي ذلك: مع أنّني الأكثر اطلاعاً على الأمور في هذه المدينة، لكنّني لم أكن أعلم بهذه القضايا، ولولاك لما صدّقت هذه القضايا، وإنّني لم أبكِ في أيّ من الحوادث بهذه الصورة".

وانقلبت الأوضاع في مدينة بيرجند في هذين اليومين بشدة وأصبح الناس على استعداد تام. وفي صباح التاسع من محرم ارتقى سماحته المنبر وألقى خطاباً حماسياً أقلق السلطات بشدة وأدى إلى اعتقاله، رغم أنّ العلماء لا يعتقلون عادةً في يومي التاسع والعاشر من محرّم، وحجز سماحته يومين في بيرجند ثم نُقل إلى مشهد وسُلّمَ للسافاك. وكان لهذا الاعتقال الأثر الكبير في يقظة الناس.

وقد كانت لهذه النشاطات والنداءات أكبر الآثار بحيث احتلت مشهد في محرم تلك السنة المكانة الثانية بعد طهران في زعزعة أركان النظام، ولهذا فقد تعامل النظام مع سماحته بعنق ووحشية لم يسبق أنّ عوامل العلماء بها بهذا الشكل من قبل، أي أنّه سُلّمَ في البداية للساواك، ثمّ نُقل إلى سجن خرب في القلعة ليحرم حتّى من الوسائل الأوليّة في السجن، وهدّدوه بحلق لحيته بالموسى، ثمّ غيّروا رأيهم فقصّروها بماكينة حلاقة.

يقول سماحة آية الله العظمى الخامنئي حول هذا الموضوع:
"بعد هذا العمل (تقصير لحيتي) وعندما ذهبت لأغسل وجهي، جاءني ملازم متكبّر مغرور وبدأ بالاستهزاء والقهقهة وقال: أرأيت كيف حلقنا لحيتك، قلت له بسكينة: بل لم يكن سيئاً، فإنّني لم أرَ ذقني منذ فترة طويلة".

وأجبروا سماحته على العمل في المعسكر، أعطوه عربة لنقل الآجر ومعولاً لحفر الأرض وتسطيحها وقطع الأعشاب بيديه، وأمثال هذه الأعمال التي لم يسبق أن عومل بها العلماء من قبل، وإن دلّ على شيء، فإنما يدل على مدى غضب السلطات من هذا العالم الشجاع المجاهد.

واستمرت فترة الاعتقال هذه عشرة أيام، يقول سماحته حول هذه الفترة:
"لم يكن السجن سيئاً، كان تجربة جديدة وعالماً آخر مع السافاك، ومع التحقيقات والدعاوى والأوقات المريرة والإهانات الشديدة، وخلاصة القول مع آلام الكفاح".

وبعد إطلاق سراحه، اجتمع بزملائه من جديد ليتمّ تقويم الأحداث والنشاطات السابقة، فقرّروا أن يذهبوا إلى مختلف مدن البلاد مرة أخرى لفضح جرائم النظام وتوسيع رقعة الثورة. يقول سماحته: "عقدنا جلسة وقرّرنا مع الزملاء – هذه المرة ببرنامج ومخطّط دقيق – أن يذهب كلّ واحد منا إلى نقطة من البلاد ليكشف الحقائق للشعب. كانت المراقبة شديدة وأجهزة النظام على استعداد لقمع الشعب بشدّة، وقد أدّت جرائم النظام إلى تراجع البعض وإن كانت قد دعت البعض الآخر إلى مقاومة أكثر وجهاد أكبر".

ففي مثل هذه الأوضاع، كانت صرخة العلماء هي الصرخة الوحيدة التي تدعو أبناء الشعب إلى المقاومة والجهاد، وكما يقول سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي):
"لقد كان طلبة الإمام الخميني في جميع المدن والقرى الصغيرة والنائية وفي أي مكان يرزح تحت وطأة ظلم الشاه وأياديه وتحت سيطرة أصحاب المال والنفوذ المتسلّطين على أموال وأعراض وعقيدة وإيمان أبناء الشعب، وكشفوا الحقائق للشعب دون أدنى خوف ووجل من الاعتقال والتعذيب".

لقد كانت هذه السفرات والتحركات الجماعية خصوصاً بعد انتفاضة 15 خرداد وبعد اعتقال الإمام الراحل رحمه الله قيّمة جداً، واتسعت هذه التحركات لتشمل أكثر المدن وبعض القرى بصورة أرعبت النظام، ولهذا كانت ردّة فعل النظام بالمقابل عنيفة جداً.

وقد صادف شهر رمضان 1342 ه.ش (1963) شهر بهمن وذكرى مرور عام على الاستفتاء الشعبي المزوّر، وكان الإمام رحمه الله محاصراً فلم يتمكّن من وضع برنامج لشهر رمضان، لكن رغم غياب الإمام رحمه الله فإنّ المراجع والعلماء وبالخصوص طلبة الإمام المقرّبين والمؤمنين قد تمكّنوا من مواصلة العمل وإبقاء مشعل الجهاد وضّاءً، وانتشر طلبة وفضلاء الحوزة شهر رمضان في أنحاء البلاد وبدأوا بتوعية الشعب وفضح النظام.

وبدأ سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) وزملاؤه نشاطهم وتحركهم، يقول سماحته حول هذه القضية:
"عندما تحرّكنا من قم في باص وكنا ثلاثين طالباً للعلم، وكانت مستويات الطلبة الجالسين في الباص مختلفة، فكانوا ينزلون من الباص الواحد تلو الآخر في الطريق، وكنت آخر من يجب عليه النزول في كرمان".
وفي كرمان شرع سماحته بإلقاء الخطب والإجتماع بالعلماء والطلبة والمجاهدين والتباحث معهم لمدّة ثلاثة أيام، ثمّ توجّه بالسيارة إلى زاهدان، وهناك ارتقى المنبر في المسجد الجامع، فلقي استقبالاً حاراً من الناس.

وفي السادس من بهمن بدت خطاباته أكثر صراحة، إلى أن بلغ اليوم الخامس عشر من شهر رمضان ذكرى مولد الإمام الحسن عليه السلام، فألقى كلمة قوية ومثيرة بحيث لم يرَ السافاك بداً من اعتقاله ليلة السادس عشر من رمضان ونقله بالطائرة إلى طهران، فاحتجز ليلة في معسكر "سلطنت آباد" ثم سُلّم في اليوم التالي لسجن قزل قلعة المشهور حيث يمارس فيه أبشع أنواع التعذيب. فقضى شهرين بين سجن انفرادي وإهانات شديدة وتهديد بالقتل والتعذيب البشع وسائر المصاعب. ومع ذلك كان أوّل عمل أقدم عليه هذا العالم المجاهد الشجاع بعد إطلاق سراحه هو الذهاب لمقابلة الإمام قدس سره في منزله الواقع في منطقة القيطرية والذي كان في الحقيقة سجناً محترماً، وأفلح في مقابلة الإمام رحمه الله برفقة الشهيد السيد مصطفى الخميني، وبقي ربع ساعة بمحضر الإمام رحمه الله، وعلى حدّه قوله:

لقد أذهب الإمام رحمه الله التعب عن جسمي، وبكيت من شدّة شوقي لرؤية الإمام، فلاطفني الإمام كثيراً، وقلت لسماحته: لم نستفد من شهر رمضان بالصورة المطلوبة نظراً لغيابك، لذا يجب علينا التفكير في محرم القادم من الآن".

* تشكيل خلايا سرية
ومن أجل ذلك عقد سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) مع عدد من العلماء المجاهدين السائرين على خط الإمام رحمه الله كآية الله المشكيني، وآية الله الشهيد القدوسي، والمرحوم آية الله ربّاني الأملشين والمرحوم آية الله رباني الشيرازي، وآية الله هاشمي رفسنجاني، وآية الله مصباح اليزدي، وآية الله الآذري القمي وآية الله أميني النجف آبادي و...، عقدوا جلسة في قم ناقشوا خلالها قضية تشكيل خلايا سريّة منظّمة، وكان الهدف منها أن تكون مقدمة لوضع الخطط وتنظيم نشاطات الحوزة العلمية بقم وكذا للسير على نهج الإمام قدس سره، فبدأت هذه الخلايا بمباشرة عملها في سرية تامّة بعد أن وضع لها ميثاق كما وقّرّر لها حقّ الانتماء، وانتخب آية الله مصباح اليزدي سكرتيراً للجلسات، فكان عليه كتابة محضر الجلسات وكذا الميثاق وسائر المطالب بخط يشبه كتابة الأدعية في القديم، بحيث لا يمكن لأحد غيره قراءتها، ولو وقعت في أيدي السافاك تصوّروا أنّها من الأدعية والطلاسم القديمة.

لكن في عام 1344 ه. ش (1965) كشفت هذه الخلايا وذلك بعد اعتقال آية الله الآذري القمي لسبب آخر، فعثر السافاك على الميثاق في منزله، وتمّ تعذيبه، واعتقل البعض وفرّ الآخرون ومنهم آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) والشيخ هاشمي رفسنجاني وآية الله مصباح إلى طهران، واختفى آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) عن عيون السافاك عاماً تقريباً وعاش مع الشيخ هاشمي رفسنجاني في منزل معاً.

وكان آية الله العظمى الخامنئي (مدّ ظلّه) قد فرّ من مشهد قبل فترة بسبب ترجمته كتاب (المستقبل لهذا الدين) وذلك لما يحتويه هذا الكتاب وبالخصوص المقدمة والحواشي بحيث أقلقت السافاك وأغضبته كثيراً، فصودر الكتاب واعتقل اثنان من مسؤولي المطبعة، لكن الكتاب طُبِع ووزّع عن طريق آخر الأمر الذي جعل السافاك يغضب أكثر، ويصرّ على مطاردته واعتقاله خصوصاً بعد كشف خلايا التنظيم في قم.

واعتقل الشهيد آية الله القدوسي في تلك الأيام ولكن أطلق سراحه بعد التحقيق معه، فاستطاع أن يعرف أثناء التحقيق أنّ السافاك قد كشف قضية الخلايا، لهذا أخبر – بعد إطلاق سراحه – الشيخ هاشمي رفسنجاني بالقضية، فعقدت جلسة رباعية من (السيد الخامنئي ورفسنجاني والقدوسي وأميني النجف آبادي) في منزل الشهيد باهنر، تمّ فيها مناقشة القضايا وقرّروا أن لا يظهر أحد منهم في الملأ العام، وأن يأخذوا حذرهم، ولا يذهب سماحة آية الله العظمى الخامنئي (مدّ ظله) إلى مشهد في هذه الظروف.

وفي أواخر عام 1345 ه.ق (1966) تسقط حدّة القضية بإطلاق سراح عدد من المعتقلين، ولهذا سافر سماحته إلى مشهد للزيارة، وطبيعي أن السفر لم يتخلّص في الزيارة فقط بل كان عليه القيام بوظائف أخرى، لذا عندما علم السافاك بمعاودته النشاط من جديد اعتقله في أوائل عام 1346 ه.ش (1967) مرة أخرى بذريعة كتاب (المستقبل لهذا الدين)، لكنّه بتأييد من الله تمكّن من التحايل على السافاك والصمود أمام الضغوط والتعذيب، ولم يتمكن السافاك من الحصول على أي معلومات منه.

* لجنة العلماء للإغاثة
مكث سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) – بعد إطلاق سراحه – هذه المرة في مشهد بدلاً من الذهاب إلى قم أو طهران، وانشغل بالتدريس والنشاطات العلمية. فوضع درساً لتفسير القرآن الكريم خاصاً بطلبة العلوم الدينية ثمّ درساً آخر للجامعيين والشباب، قام خلالهما بتبليغ وتعليم الإسلام الثوري، فتحول درسه إلى قاعدة للجهاد والنشاطات الثورية ومركزاً للارتباط بالثوريين ومقراً لتوعية وإيقاظ الشعب. وكان في الوقت نفسه ستاراً لمعرفة الملتزمين والثوريين والارتباط بهم ومحوراً للتحركات الشعبية والإسلامية.

ففي الزلزال المدمّر الذي وقع في منطقة فردوس وكاخك وكنابا والذي ترك وراءه خسائر بشرية ومادية فادحة، جمع ونظم سماحته مجموعة من طلبة العلوم الدينية الثوريين بمشهد، وبعد دعم معنوي من علماء مشهد ودعم مادي وخدماتي من أهل البازار الثوريين والملتزمين توجّه بهم إلى فردوس، وشكّل لجنة علمائية للإغاثة.

يقول سماحته حول هذا الموضوع:
"رأيت أنّه يجب تربية جمع من الطلبة يؤمنون بالجهاد من أعماق قلوبهم ويبذلون كلّ ما في وسعهم في هذا الطريق، لهذا بدأنا العمل ووضعنا برنامجاً مع الطلبة، وعندما وقع الزلزال، انتهزنا هذه الفرصة – انطلاقاً من تفكيرنا هذا – وقابلنا بعض الأخوة وعرضنا عليهم قصدنا في الذهاب إلى فردوس، فحظيت هذه الخطوة بتأييد البعض، فاجتمعا سبعين إلى ثمانين رجلاً بمن فيهم الشيخ الطبسي والشهيد هاشمي نجاد وجمع من طلبة العلوم الدينية، وتحركنا في خمس عشرة إلى عشرين سيارة باتجاه منطقة فردوس، وعندما شاهدنا آية الله الحاج الشيخ علي مرواريد- الذي كان قد حضر إلى المنطقة مع جمع من الناس – وشاهد كيف أنّنا رتّبنا الأوضاع بهذه الصورة هناك، أخذته العبرة من ذلك...

وفي الأيام الأولى أي بين عشرة إلى خمسة عشر يوماً من وجودنا هناك، اشتبه الناس بين اسمي واسم الإمام الخميني، فكانوا ينادون بأنّ الإمام الخميني جاء إلى هنا، وبدأت تتوافد مجموعات من القرى والمناطق البعيدة لرؤية السيد الخميني، وتبيّن لنا هناك أنّ السيد الخميني هو للجميع، ولسنا الوحيدين الذين نحبّه، وكان اسم الخميني اسماً محبوباً لدى الجميع في قرى تلك المنطقة بل حتّى في القرى النائية، ولكن في نهاية الأمر عرفني الناس من أنا.

لقد كان شيئاً جميلاً بحيث أربك النظام، وكانت وحدة من قوات الدرك مستقرة هناك، حاولت إخراجنا من المنطقة بالقوة، هدّدونا وقال: إن لم تذهبوان فسوف نخرجكم بالقوة من هنا، قلنا: إنّنا لن نذهب، أيّها الزملاء لا تهابوهم، وقلت: يجب علينا أن لا نخاف لأنّه لا معنى للخوف ووضعنا هذا لأنّنا جئنا إلى هنا لمساعدة الناس، وأنّ جميع إمكانات الناس في تصرّفنا، والنظام البهلوي لا يملك شيئاً، ولو ملك شيئاً لما أعطاه للناس.
وبالفعل لم تتمكن قوات الطاغوت من المقاومة ورجعوا من حيث أتوا، وواصلنا عملنا".

هذه النشاطات في مجال العلم والتدريس والجهاد وخدمة الناس كلّها جعلت من سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) محوراً للجهاد في مشهد بالتدريج، يُتصل به من جميع مناطق إيران، وهو بدوره كان على ارتباط بسائر المناطق، لذا كان السافاك يبدي حساسية شديدة تجاهه، فعُطل درسه في التفسير عدّة مرات، لكن سماحته يشرع في مكان آخر وبشكل آخر، الأمر الذي يضطر السافاك من جديد إلى منعه مرة أخرى، فكان لهذه النشاطات الأثر الكبير على نفوس الشعب وفضح الجهاز المتجبّر، وكان يحاصر منزله أحياناً – وإن كان منزله مراقباً في أغلب الأوقات لمعرفة المترددين عليه – ولا يسمح لأحد أن يلتقي به.
لذا ذاع صيته في الفضل والكمال والشجاعة في أقصى مناطق إيران، وكثرت عليه الدعوات من أكثر المدن في إيران كأصفهان وكرمان ويزد و... إلى جانب طهران لإلقاء الخاطابات والمحاضرات في مجالسهم، فما كان من سماحته سوى استغلال هذه الفرصة لتبيين أفكار الإسلام الثورية وبيان الحقائق وقضايا الساعة ولزوم الجهاد والثورة.

وما زالت محاضرته في الجمعيات الإسلامية والجامعيين والهيئات الدينية النشطة كهيئة أنصار الحسين عليه السلام بطهران باقية في الأذهان، ومن جملتها محاضرات شهر رمضان بمدرسة الشيخ عبد الحسين في بازار طهران عام 1348 ه.ش (1969) تحت عنوان "شروط وأركان الثورة".

وكان الرأي السائد آنذاك هو أنّ تشديد الجهاد المسلح مفيد وذو تأثير كبير، وكان يطلق على جهاد العلماء حتى تلك الفترة عنوان (نهضة العلماء)، ولم يقل ثورة، لكن سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) تحدث خلال هذه المحاضرات في عشرين يوماً ونيفاً عن الثورة بكلّ صراحة. وليست المحاضرات وحدها، بل كان للكتب التي ترجها سماحته الأثر الكبير على إحياء الروح والأفكار الثورية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع