الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

قيس بن سعد: السيد الجواد

ظافر قطيع

أحد الفضلاء الأجلّة، ومن كرام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسخيائهم. اعتُبر من دهاة العرب ومن أهل الرأي والمكيدة في الحروب مع النجدة والبسالة والكرم. سيد جواد ابن سيد جواد. كان شريف قومه غير مُدَافَع ولا مُنازَع هو وأبوه وجدّه. إنه قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي. أمّه فكيهة بنت عبيد بن دُليم بن حارثة وكنيته أبو الفضل(1).

*إسلامه
أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو وأبوه وإخوته وعموم أهله فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا وصدقوا وآوَوا ونصروا، فكانوا من أطول الناس ألسنةً في الدعوة إلى الإسلام وأحدّهم سيوفاً في الدفاع عن دين الله. وكان أبوه سعد بن عبادة أحد السّبعين الذين بايعوا رسول الله بيعة العقبة الثانية، وكذلك جدته لأبيه عمرة بنت مسعود أم سعد، وقد توفيت في المدينة ورسول الله وابنها سعد بن عبادة في غزوة دومة الجندل، فلمّا قَدِم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتى قبرها فصلّى عليها(2).

*صور من جوده وكرمه
لقد كانت العرب تذكر كرامها كما تذكر فرسانها. وإن قيس بن سعد وأباه وعدة آباء لهما قبلهما في الجاهلية كان ينادى على أُطُمِهم: من أحب الشحم واللحم فليأت أُطُمَ دليم بن حارثة [والأُطُم: المنازل]. وقد روى سفيان بن عيينة عن موسى بن أبي عيسى أن رجلاً استقرض من قيس بن عبادة ثلاثين ألفاً، فلما ردّها أبى أن يقبلها وقال: إنّا لا نعود في شيء أعطيناه(3).

وقد أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سريّة مع عامر بن الجراح وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليلقوا عير قريش، وذلك قبل فتح مكة وبعد أن نكثت قريش عهد الحديبية، فلما فَنِي ما معهم من الزاد وأصابهم الجوع الشديد، قال قيس: من يشتري مني تمراً بجزر يوفيني الجزر ها هنا (وأوفيه التمر بالمدينة) [والجزر جمع جزور وهو الجمل](4). وكان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك فنهاه أمير الجيش وهو أبو عبيدة، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا له ما كان من فعل قيس بن سعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت(5).
وجاءته يوماً عجوز تشكو إليه أنه ليس في بيتها جرذ - كناية عن فقرها - فقال: أحسن ما سألتِ! أما والله لأكثرنّ جرذان بيتك، فملأ بيتها طعاماً وإداماً.
ولم يكن في الأوس ولا في الخزرج أربعة أجيال من بيت واحد، توالوا على إطعام الناس إلا بيت قيس بن سعد وآبائه (سعد، عبادة، دُليم).

ومن مشهور أخبار قيس بن سعد بن عبادة أنه كان له مال كثير، ديوناً على الناس، فمرض واستبطأ عواده، فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دَيْنك فأمر منادياً ينادي من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له. فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.
وقيس هو القائل: "اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعل ولا مجد إلا بمال"(6).

*مكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان قيس بن سعد من المقرّبين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان مكانه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكان صاحب الشرطة من الأمير(7). وقد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لواء الأنصار يوم فتح مكة بعد أن أخذ الرسول اللواء من أبيه سعد لما اشتكت قريش من توعّد سعدٍ لها حين قال: اليوم يوم الملحمة(8). وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقه وحق أبيه: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة(9).
وقد كان قيس من العارفين بقدْرِ النبي وأهل بيته عليهم السلام فلزِم علياً عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما أبوه فلم يبايع أحداً بعد وفاة الرسول، وما كان من أمره يوم السقيفة فهو أشهر من أن يُعرف.

*ومع أمير المؤمنين علي عليه السلام

لقد كان قيس من المقرّبين من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ومن ثقاته، فقد صحب قيس بن سعد أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه الجمل وصفين والنهروان هو وقومه ولم يفارقه إلّا بعد شهادته عليه السلام فالتزم الإمام الحسن عليه السلام. ولّاه أمير المؤمنين على مصر سنة 36 للهجرة لثقته عليه السلام بأن قيساً هو أقدر على ولاية مصر، القريبة من الشام، لِما عرف عنه من رأي وبأس ودهاء. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار قال: قال قيس بن سعد: لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. وكانت العرب يعدونه من خمسةِ الدهاة يوم ثارت الفتنة ومن ذوي الرأي والمكيدة(10).

حاول معاوية استمالته وإخراجه عن ولائه لأمير المؤمنين عليه السلام، فكتب إليه كتباً يعِده فيها بسلطان العراقين له، ولمن أحب من أهله سلطان الحجاز، وله ما شاء من الأموال، فلما استيأس منه هدّده بالحرب فكتب إليه قيس: أما بعد فالعجب من اغترارك بي وطمعك فيّ واستسقاطك إياي، أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمارة وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعةَ أبعدِ الناس من هذا الأمر وأقولهم بالزور وأضلّهم سبيلاً وأبعدهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة، ولديك قوم ضالّون مضلّون، طواغيت إبليس؟ وأما قولك إني مالئ عليك مصر خيلاً ورجالاً، فوالله إنْ لم أشغلك عن ذلك حتى تكون نفسك أهم عليك إنك لذو جَد والسلام(11).

فلما رأى معاوية كتابه أَيِسَ منه وثقل عليه مكانه ولم تنجح حيله فدسّ عليه الأخبار المكذوبة. ثم إنه بعد موقف له مع الإمام عليه السلام عزله عن ولاية مصر فعاد إلى المدينة، فضيّق عليه مروان بن الحكم، والي معاوية على المدينة، السُّبل، عندها ارتحل قيس وسهل بن حنيف إلى أمير المؤمنين عليه السلام فشهدا معه صفين. ولما قدم قيس على الإمام علي أخبره ما كان من أمره ومعاوية وما قاسى من أمورٍ عظامٍ من المكايدة. فلما كانت صفين وكان القتال جعله الإمام على رِجّالة البصرة "المشاة" وكان من المقاتلين الأشدّاء، حتى أن معاوية كتب إلى مروان يتغيّظ عليه ويقول له: لو أمددت علياً بمائة ألف مقاتل لكان أيسر عندي من قيس بن سعد في رأيه ومكانه(12).

*وبايع الإمام الحسن عليه السلام
قبل أن يستشهد أمير المؤمنين عليه السلام كان قد جهز أربعين ألفاً من عسكره بايعوه على الموت، فجعل قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفاً. ولما بويع الإمام الحسن بن علي عليه السلام كان أول من بايعه قيس بن سعد وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيه وقتال المحليين فقال له الإمام الحسن: على كتاب الله وسنّة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط(13).

فلما كان صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، كتب الإمام إلى قيس وهو على مقدمة كتائبه يأمره بالدخول في طاعة معاوية تنفيذاً لشروط الاتفاق، فما لبث أن دخل في الصلح بعد أن اشترط لشيعة علي ولمن كان معه على دمائهم وأموالهم ولم يشترط لنفسه شيئاً، وكان معه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعدما استشهد الإمام علي وتبايعوا على الموت(14).

بعد معاركه التي خاضها ناصراً للحق، التزم قيس بن سعد المدينة كما التزمها الإمام الحسين عليه السلام في تلك الفترة، يرقب تداول مالِ الله وتغيير معالم دينه حتى كانت وفاته بالمدينة سنة تسع وخمسين صابراً محتسباً. وليبقى علامة فارقة في تاريخ الأمة وعلماً من أعلامها الخفاقة أبد الزمان.

 


1.الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج3، ص310.
2.م.ن.
3.الاستيعاب، ابن عبد البر، ج3، ص351.
4.الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج3، ص268.
5.أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج8، ص453.
6.م.ن.
7.الاستيعاب، م.س، ص350.
8.السيرة النبوية، م.س، ص63.
9.أسد الغابة، ابن الأثير، ج2، ص356.
10.الكامل في التاريخ، م.س، ج2، ص448.
11.الغارات، إبراهيم الثقفي الكوفي، ج1، ص216.
12.الكامل في التايخ، م.س، ج2، ص356.
13.م.ن، ج3، ص402.
14.م.ن، ج2، ص445 - 448.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع