مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة أخلاقنا: الزواج سهلٌ يسير مناسبة: الخميني قدس سره..شمسٌ لا تغيب مناسبة: المعصومة عليها السلام: سيّدة قم مناسبة: البقيع.. قطعة من الجنّة ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ البشريّة وصراع الوباء فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات تغذية: المناعة خيرُ علاج سوريا: حافلات على الطاقة الشمسيّة

الإمام الحسن عليه السلام: نشأة النور

الشيخ لبنان حسين الزين


تنزّلت الحقيقة النوريّة المقدّسة للمعصوم عليه السلام، بإذن الله تعالى، إلى عالم الدنيا، لتقدّم للإنسان أتمّ صور العبوديّة وأكملها، وترشده إلى معرفة ربّه، وتدلّه على معالم الصراط المستقيم، وتأخذ بيده إلى مقام القرب الإلهيّ.

وعليه، لا بدّ للإنسان من معرفة الإمام عليه السلام في حقيقته النوريّة ومظهره الملكيّ؛ حتّى يستمدّ منه الهداية والعون والمدد في السير إلى الله تعالى. روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "الأوصياء هم أبواب الله عزّ وجلّ التي يؤتى منها، ولولاهم ما عُرف الله عزّ وجلّ، وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه"(1).

*ولادته العطرة
ولد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثالثة بعد الهجرة النبويّة الشريفة(2)؛ وهو القول المشهور بين علماء الشيعة. وقيل: في السنة الثانية بعد الهجرة(3).

وروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّ تسميته كانت بوحي من الله تعالى إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(4).

كنيته: أبو محمّد، وألقابه: السيّد، السبط، الأمير، الحجّة، البرّ، التقيّ، الأثير، الزكيّ، المجتبى، السبط الأوّل، والزاهد(5).

*نشأته الطاهرة
نشأ الإمام الحسن عليه السلام وترعرع في بيت النبوّة والولاية والطهارة، وكان أشبه الناس بجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلُقاً؛ حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم فيه: "أشبهت خَلقي وخُلقي"(6).

وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعهّده بالرعاية ويشركه في مواقف خطيرة من حياة الأمّة؛ كما فعل في مباهلة نصارى نجران، وفي كتاب بني ثقيف، وفي بيعة الرضوان؛ وغيرها من المواقف التي أراد منها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إثبات لياقته وخصوصيّته للناس وتهيئتهم لإمرته في المستقبل.

*منزلته عند جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الإمام الحسن عليه السلام: "هو سيّد شباب أهل الجنة، وحجّة الله على الأُمة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فليس منّي..."(7).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أمّا الحسن، فَنحَلْته هيبتي وسؤددي"(8).

*عبادته وذِكْره لله تعالى
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ، حجّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصِراط بكى، وإذا ذكر العَرْض على الله، تعالى ذكره، شَهِق شَهْقة يُغشى عليه منها. وكان إذا قام في صلاته، ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ وجلّ. وكان إذا ذكر الجنّة والنّار، اضطرب اضطراب السليم (أي المضطرب من لسعة العقرب)، وسأل الله تعالى الجنّة، وتعوّذ به من النّار. وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إلّا قال: "اللَّهم لبّيك". ولم يُرَ في شيء من أحواله إلّا ذاكراً لله سبحانه. وكان أصدق الناس لهجةً، وأفصحهم منطقاً"(9).

* كرمه وعفوه
روي أنّ جارية حيّته بطاقة (حزمة) من ريحان، فقال عليه السلام لها: أنتِ حرّة لوجه الله ، فلامه أنس بن مالك على ذلك، فأجابه عليه السلام: "أدّبنا الله فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا (النساء: 86)؛ وكان أحسن منها إعتاقها"(10).

روي أنّ شاميّاً رآه راكباً، فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السلام وتبسّم، وقال: "أيّها الشيخ، أظنّك غريباً، ولعلّك شبَّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرَّكت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك؛ لأنّ لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كبيراً"، فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنتَ أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبّتهم(11).

* تواضعه عليه السلام
تذكر الروايات أنّه عليه السلام مرّ على فقراء، وقد وضعوا كسيرات من الخبز على الأرض، وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمَّ يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء، قال: فنزل، وقال عليه السلام: "إنّ الله لا يحبّ المستكبرين"، وجعل يأكل معهم حتّى اكتفوا، والزاد على حاله ببركته، ثمّ دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم(12).

* إمامته
عاش الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في ولاية جدّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ما يزيد على سبع سنوات، وفي ولاية أبيه الإمام عليّ عليه السلام طيلة فترة إمامة أبيه عليه السلام؛ وهي ثلاثون سنة تقريباً؛ شارك خلالها بشكل فاعل في إدارة المجتمع الإسلاميّ والمعارك والحروب التي خاضها المسلمون، عاملاً بتوجيهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ الإمام عليّ عليه السلام؛ مطيعاً لأوامرهما؛ لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

وقد جرت إمامة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بعد استشهاد أبيه عليه السلام في الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة 40 للهجرة؛ وهو في السابعة والثلاثين من عمره الشريف. ومن النصوص على إمامته:
ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "ابناي هذان (الحسن والحسين) إمامان؛ قاما أو قعدا، أوجب لهما الإمامة بموجب القول؛ سواء نهضا بالجهاد أو قعدا عنه، دعيا إلى أنفسهما أو تركا ذلك"(13).
وما روي في وصية الإمام عليّ عليه السلام لابنه الإمام الحسن عليه السلام: "يا بنيّ أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي؛ كما أوصى إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفع إليّ كتبه وسلاحه..."(14).

لقد جسّد الإمام الحسن عليه السلام في حياته النورانيّة في عالم الدنيا قيم الإسلام وتعاليمه على أتمّ صورة وأكملها، مقدّماً بذلك أنموذجاً عمليّاً للناس يستلهمون منه الهداية والمدد والعون في سيرهم إلى الله تعالى.


1- الكافي، الكليني، ج1، ص193.
2- تهذيب الأحكام، الطوسي، ج6، ص39.
3- الكافي، (م.س)، ج1، ص461.
4- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص197.
5- مناقب آل أبي طالب عليه السلام، ابن شهرآشوب، ج3، ص172.
7- الأمالي، (م.س)، ص176.
8- الخصال، الشيخ الصدوق، ص77.
9- الأمالي، (م.س)، ص244.
10- مناقب آل أبي طالب عليه السلام، (م.س)، ج3، ص183.
11- (م.ن)، ص184.
12- (م.ن)، ص187.
13- (م.ن)، ج3، ص141.
14- الكافي، (م.س)، ج1، ص297.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع