قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

نور روح الله: واعمر قلبي بذكرك

الإمام الخميني قدس سره

إنّ علاج مطلق العبادات، هو أن يقطع الإنسان عن نفسه الشواغل الداخليَّة والخارجيَّة وأهمّها القلبيَّة. والسبب الرئيس أو الوحيد لظهور الشواغل القلبية هو حُبُّ الدنيا والاهتمام بها؛ فإذا كان همُّ الإنسان واهتمامه الأساس هو الحصول على الدنيا وزخارفها، فمن الطبيعي -فطريّاً- أن يكون القلب متوجّهاً إليها فتُصبح شُغله الشاغل، فإذا انصرف عن أحد الأمور الدنيويَّة توجّه إلى الآخر.

*شجرة الآمال الدنيويّة
والقلب، كالطائر الذي يطير على الدوام من غُصن إلى آخر، فما دامت شجرة الآمال الدنيويَّة وحبُّ الدنيا في القلب، فطائر القلب متعلِّق بأغصانها.

أمّا إذا قطع (الإنسان) هذه الشجرة بالرياضات والمُجاهدات والتفكُّر في عواقبها ومعايبها، والتدبّر في الآيات والأحاديث وأحوال أولياء الله، فقد سكن القلب وأصبح مطمئناً وصار من الممكن أن يفوز بنيل الكمالات النفسانيّة، ومنها تحقُّق حضور القلب بجميع مراتبه، أو يفوز بنيل الثّمار، بمقدار ما يُوفّق في تقليم هذه الشجرة.

وإذا تدبَّر أحد قليلاً في عواقب أمر أهل الدنيا وعُشّاقها والمفاسد التي تظهر منها، والعار الذي ظلَّ عالقاً بذكرهم وسوَّد صحائف التاريخ ولوَّث وجهه، لرأى أن جميع ذلك قد وقع بسبب حبِّ الجاه والمال وحبِّ الدنيا عموماً. ولو تدبّر في الأحاديث والآثار الواردة عن أهل بيت العصمة والطّهارة في ذمِّ الدنيا والمفاسد الناشئة عنها في الدّين والدُّنيا؛

لاعتقد لزوم أن يقْطع دابر هذا الفساد من مرآة القلب ويزيل هذه الظُّلمة والكدورة من جوف قلبه مهما كان الثمن، وبأيِّ عامل ضغط ورياضة متيسِّرة وممكنة.

وإنجاز هذا الأمر ممكن -إلى حد ما- وبقدر من الإقدام والعزم. وإن كان الإعراض الكامل عن الدنيا لا يتيسَّر للجميع، فإنَّ تقليم تلك الشجرة وتشذيب فروعها وأوراقها أمرٌ ممكن للغاية، بل يمكن القول: إنَّه يسير.
فإذا لم تُصبح الدنيا أكبر همِّ الإنسان، ولم يكن قلبُه متوجّهاً بصورة كاملة إلى زخارفها، فإنَّه من الممكن أن يقسِّم حالاته وتفكّراته القلبيّة، ويجعل القلب أحياناً خالصاً للعبادة. وإذا عمد ساعياً لذلك وراقب قلبه مدةً وحفظه، فإنَّه قد يصل إلى نتائج حسنة ويفوز -بالتدريج- بقطع جذور الفساد هذه.

*الدنيا أعزّ منازل الأولياء
وتجب معرفةُ أنَّ المذموم من الدنيا على لسان الأولياء هو التعلُّق بها وحُبُّها والتوجّه إليها، وإلّا فإنَّ أصل عالَم المُلك ومشهد الشهادة -وهو أحد مشاهد الجمال الجميل لله، ومهد تربية الأولياء والعُرفاء والعُلماء به، ودارُ تكامل النّفوس القُدسيّة البشرية، ومزرعة الآخرة- هو من أعزِّ المشاهد والمنازل عند الأولياء وأهل المعرفة.

وربّما كان الإنسان من أهل الدنيا -لحبِّه لها وتعلُّق قلبه بها- ناسياً الله والآخرة دون أن يكون له حظٌّ من الدنيا، فيما قد يكون لإنسان آخر الملك والسلطنة والجاه والمال لكنّه ليس من أهل الدنيا، بل قد يكون رجلاً إلهيّاً وإنساناً لاهوتيّاً مثل سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام.
ومعلوم أنَّه ليس لإقبال الدنيا (على أحد) والحصول عليها دخلٌ في التعلّق بها. فربّما كان المُحبّون لها مِن الفقراء الذين لم يحصلوا مِن الدنيا إلّا على مفاسدها ومصائبها. وربّما كان مِن المُعرضين عنها من له الملك والجاه، فجمع الدنيا والآخرة وحاز سعادة الدّارين.

وقد وردت الإشارة إلى هذه القضيّة في الأحاديث الشريفة نظير قول الإمام السجّاد عليه الصلاة والسلام: "الدنيا دُنياوان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة"(1).
وورد الذمُّ الشديد للدنيا نظراً إلى التعلُّق بها أو لمجرد حبّها. وليس من مُهمّة هذا المختصر ذكرُ الأخبار المرتبطة بهذا الموضوع وتقصّيها وبيان الاعتبار العقلي فيها.

*حب الدنيا
وبصورة عامة، فإنَّ عقبة طريق الوصول إلى الكمالات، والشيطان القاطع لسبيل مقام القُرب والوصول الذي يصرف الإنسان عن الله ويحرمُه لذّة مناجاته، ويجعل القلب مظلماً كدراً هو "حبّ الدنيا" الذي تذهب الأحاديث الشريفة إلى أنَّه "رأس كلِّ خطيئة" و"مجتمع كل المعاصي".
فعلى الإنسان أن يقلِّل -في أوقات العبادات– من الانشغالات القلبيَّة وخواطرها، وعليه أن يُخَصّص للعبادة وقتاً تقل فيه مشاغلُه، ويكون قلبُه فيه أكثر اطمئناناً وسكينةً، وهذا أحد أسرار الوقت.

وبعد تقليل الشواغل القلبيّة؛ يقلِّل من الشواغل الخارجية أيضاً بالقدر المُستطاع، ولعل هذه الفائدة هي (الهدف) من أكثر الآداب الشرعيَّة كالنَّهي عن التلفّت إلى الأطراف والعبث باليد واللحية وفرقعة الأصابع والنظر إلى نقش الخاتم والمُصحف والكتاب والاستماع للكلام الخارجي وحديث النفس، وسائر المكروهات.
وكذلك الحال مع المستحبّات الكثيرة (المسنونة) من أجل حفظ الحضور في حضرة الباري جلَّت عظمته.

*قطع أسباب الشواغل الدنيوية
إنَّ الشيخ السعيد قدس سره الشهيد الثاني يقول في كتاب أسرار الصلاة: "ولكن الضعيف لا بدَّ أن يتفرَّق به فكرُه "بقليل ما يسمع أو يرى" فعلاجهُ قطع هذه الأسباب بأن يغضَّ بصره أو يصلّي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسَّه أو يقرب من حائط عند صلاته حتّى لا تتّسع مسافة بصره، ويحترز من الصلاة على الشوارع، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة، وعلى الفُرش المزيَّنة، ولذلك كان المتعبّدون يتعبّدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر ما تمكن الصلاة فيه، ليكون ذلك أجمع لهمّهم"(2). انتهى كلامه زيدَ في علوِّ مقامه.
وبالطبع فإنَّ ما تفضّل به من القول بأفضليَّة الصلاة في بيت مظلم هو من غير الفرائض اليوميَّة.

*في صلاة الجماعة اجتماع القلوب
أمّا الفرائض فأداؤها في جماعة المسلمين هو من السنن المؤكّدة؛ بل إنَّ الإنسان لو قام بواجبات (صلاة) الجماعة وأسرارها، لأرغم أنف الشيطان بما لا يتوافر في أيّة عبادة أخرى، كما أنَّ في اجتماع المسلمين وقلوبهم المجتمعة التي معها اليد الغيبيَّة الإلهيَّة فوائد روحيَّة ومعنويَّة قلّما توجد في عمل آخر،

مع أنَّ المصالح العامة والاجتماعية ملحوظة فيها أيضاً؛ بل إنَّ الصلاة جماعةً التي يحوّل فيها المصلّون حفظ أعداد الركعات أيضاً إلى غيرهم، ويجعلون القلب فقط متوجّهاً لله ومناجاته بالكامل هي أفضل لأهل المناجاة وأصحاب الفرائض.

أجل، إنَّ (إقامة) غير الفرائض أفضل في الخلوات، وحيثما يكون انشغال النفس أقل.

وتجب معرفة أنَّ القلوب تختلف فيما بينها كثيراً، بل إنَّ أحوال كلِّ قلب تختلف كثيراً باختلاف الأوقات، فعلى الإنسان –لزاماً– أن يحافظ على قلبه كطبيب معالج وممرِّض شفيق، وأن يدقّق في أحواله، فإن كانت الخلوة مناسبةً لحاله أقام العمل (العبادي) في الخلوة، أمّا إذا كان انشغاله يزداد في الخلوة، فليتعبّد في العلن؛ والحمد لله أولاً وآخراً.



1.الكافي، الكليني، ج2، ص131.
2.التنبيهات العليّة على وظائف الصلاة القلبية، مطبوع ضمن مجموعة إفادات الشهيد الثاني، ص110.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع