قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

الزارعون كنوز الله في أرضه

الشيخ حسّان منعم(*)


الزراعة هي خير الأعمال وأحبّها إلى الله تعالى، وحاجة إنسانيّة لا بدّ منها، وقد أولتها الأديان السماويّة عامّةً والإسلام خاصّةً، والأنبياء والأوصياء أولويّةً كبرى وأهميّةً عظيمة، ولم يكتفوا بتوجيه الخلق والحثّ عليها كثيراً في كيفيّتها وآدابها، بل باشروها بأنفسهم حرثاً وبذراً ونصباً وعناية وسقياً وحصاداً.

•الزراعة عند حجج الله في أرضه
لقد رافقت الزراعة أوّل حجّة لله في أرضه منذ بداية الخلق، نبيّنا آدم عليه السلام، حيث ورد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "لمّا هُبط بآدم إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب، فشكا ذلك إلى جبرئيل عليه السلام، فقال له جبرئيل: يا آدم، كن حرّاثاً، قال: فعلّمني دعاء، قال: قل: اللهمّ اكفني مؤنة الدنيا، وكلّ هول دون الجنّة، وألبسني العافية حتّى تهنئني المعيشة"(1).

والزراعة ستبقى قائمة وبيدي آخر حجج لله تعالى في أرضه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، لما لها من آثار معيشيّة واقتصاديّة وأمنيّة وسياسيّة، وهي حاجة إنسانيّة وحيوانيّة وبيئيّة مهمّة، ولهذا نال الزارعون مقام ولقب كنوز الله والأنام في أرضه، وصارت الزراعة أحلّ وأطيب الأعمال إلى الله تعالى، كما في الحديث عن يزيد بن هارون الواسطي قال: سألت جعفر بن محمّد عليهما السلام عن الفلاحين فقال: "هم الزارعون كنوز الله في أرضه، وما في الأعمال شيء أحبّ إلى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيّاً إلّا زارعاً إلّا إدريس عليه السلام، فإنّه كان خيّاطاً"(2).

وعن أبي عبد الله عليه السلام: "ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلّ ولا أطيب منه، والله ليزرعنّ الزرع وليغرسنّ النخل بعد خروج الدجّال"(3).

وقد حثّ ديننا الإسلاميّ المسلمين على عمارة الأرض في المجالات كافّة، وركّز على الزراعة حتّى قيام السّاعة، كما جاء في الحديث الشّريف، عن أنس بن مالك، عن النبيّصلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن قامت الساعة في يد أحدكم الفسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتّى يغرسها فليغرسها"(4).

•الزراعة من فروض الكفاية
من يبحث في الفروض الإسلاميّة، يجد أنّ فإنّ زراعة الأرض وإعمارها من فروض الكفاية الّتي يجب على المسلمين بمجموعهم القيام بها، فإن أقامه بعضهم أصبح مندوباً أو مباحاً في حقّ الآخرين.

ومعنى كونها فرضاً على الكفاية؛ أنّ الزراعة وغرس الأشجار وإعمار الأرض، تبقى فريضة قائمة على الأمّة الإسلاميّة ما لم تتحقّق كفايتها، واستغناؤها عن غيرها إذا كان ذلك في مقدورها ووسعها، فإن لم تفعل تبقى مقصّرة تاركة لهذه الفريضة ما دامت مستوردة معتمدة على الغير في مواردها الزراعيّة والغذائيّة، وعلى الإمام العادل أو من ينوب عنه بالنيابة العامّة أو الخاصّة في هذه الحالة أن يجبر على الزراعة والغرس والفلاحة من تتحقّق بإجبارهم تلك الكفاية في المجالات المختلفة.

وقد روي عن الإمام عليّ عليه السلام: -في حديث- إنّ معايش الخلق خمسة: "الإمارة والعمارة والتجارة والإجارة والصدقات، (إلى أن قال): وأمّا وجه العمارة فقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، فأعلمنا سبحانه أنّه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سبباً لمعايشهم بما يخرج من الأرض من الحبّ والثمرات وما شاكل ذلك ممّا جعله الله معايش للخلق"(5).

•من المهن اللازمة للحياة
الزراعة من المهن اللاَّزمة للحياة البشرية، والّتي لا تحيا من دونها، وقد ورد في القرآن الكريم بعضُ الآيات الّتي تلفت انتباه النّاس إلى ذلك؛ منها قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ*وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ *لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ (يس: 33-35)، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 11).

وقد جادت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار عليهم السلام الكثيرة؛ لتحثّ المسلمين على الزراعة وبيان مَنافعها، وتبيّن فضل الحرث والغرس والزرع، وتثبت الأجر لفاعله ومقامه، وما انتفع بذلك منتفع من إنسان أو حيوان أو طير أو حشرة، إلّا كان حسنة ومغفرة له ليوم القيامة، منها ما جاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: "خير الأعمال الحرث تزرعه فيأكل منه البرّ والفاجر... ويأكل منه البهائم والطير"(6).

وقد اعتنى المسلمون عبر العصور عناية كبيرة بالزراعة، واهتمّوا بإصلاح شبكات الريّ، وبناء القناطر، وتحسين الغلّة الزراعيّة، وإحياء الأرض الموات، ولم تهمل الأرض في عصر من العصور الإسلاميّة، فضلاً عن اهتمامهم بالصناعة بأنواعها، والعمارة وتحديث الأسلحة، وبناء الأساطيل البحريّة، إلى غير ذلك.

•الزراعة عماد الدول الصناعيّة الكبرى
مهما تطوّرت الصناعات في العالم، فإنّ العديد من الدول، والعظمى خاصّةً، ما زالت تعتمد على النشاط الزراعيّ لتوفير الأمن الاقتصاديّ لشعوبها؛ فالزراعة عمليّة هامّة تستطيع الدولة التي تتوافر فيها شروطها من أن تكتفي ذاتيّاً، وعدم رهن أنفسهم وغذائهم للغير، وخاصّةً في عالمنا المعاصر الذي تتكالب فيه دول الاستكبار العالميّ من أجل سلب خيراته، وتغيير معتقداته، وهدم مقدّساته، وجعله أسيراً لمشاريعه الطامعة لاستعباد الشعوب المستضعفة عامّة، والعربيّة والإسلاميّة خاصّة. ولذلك علينا أن لا نكتفي بالعيش بطريقة لا تمكننا من الاستقلاليّة والعزّة في شؤوننا المعيشيّة، كما يحدث في عالمنا الإسلاميّ، حيث حوّلوا شعوب منطقتنا إلى مستهلكين غير منتجين في المجالات كافّة.

•فوائد الزراعة وآثارها
يمكننا بإيجاز تلخيص أهمّ فوائد الزراعة: فهي بإمكانها توفير الأغذية لأبناء المجتمع كافّة والعلف للحيوانات، وتنمية البيئة والطبيعة، وحمايتها من التلوّث، وتؤمّن فرص العمل للعاطلين عن العمل؛ إذ إنّ الدولة الّتي تأكل ممّا تزرع، يمكنها أن تعيش بسلام، واستقرار، وهناء، ورخاء، وتتحكّم في سيادتها ومصيرها، كما أنّها توفّر دخلاً ممتازاً للدولة من خلال زيادة الصّادرات والتّقليل من الواردات، وتتمكّن حينها من إقامة المشاريع المتعدّدة والمتنوّعة التي يحتاجها الشعب. ولا تشمل فوائد زراعة الأشجار المنافع البيئيّة والحيوانيّة فقط، بل تتعدّاها إلى المنافع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والتربويّة المهمّة أيضاً.

إنّ العمل بالزراعة، التي هي من أحلّ الأعمال وأطيبها، يمكّننا من العيش بعزّة وكرامة واستقلاليّة في اقتصادنا وسياستنا وأمننا الغذائيّ، ويجعلنا كنوز الله تعالى، وكنوز الأنام في أرضه، فحريّ بنا أن لا نأنف عن العمل بها، وأن نمتثل ما كان يقوم به سادة الخلق (سلام الله عليهم)، فعن أبي جعفر عليه السلام قال: "لقي رجل أمير المؤمنين عليه السلام وتحته وسق (مكيلة معلومة، وهي ستّون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث) من نوى، فقال له: ما هذا يا أبا الحسن تحتك؟ فقال: مائة ألف عذق (عنقود النخل) إن شاء الله، قال: فغرسه فلم يغادر منه نواة واحدة"(7).

•أحسن الناس مقاماً
المسلم مدعوّ دائماً إلى أن يهتمّ بالحرث والزرع، ويثابر في هذا المجال ويكثر منه، وإنه ممّا ينبغي للمسلمين التّواصي به والتّنافس فيه، كما عليهم أن يربّوا ناشئتهم عليه.

وعلينا أن نسعى ونتعاون مع أهل الخبرة بكلّ ما أوتينا من قوّة لاستغلال أراضينا ومياهنا حرثاً وزرعاً وريّاً وجنياً لثمارها الطيّبة في دار الدنيا، والمغفرة والرحمة في دار الآخرة، وعن يزيد بن هارون قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الزارعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة، يُدعَون المباركين"(8).


(*) أستاذ في الحوزة العلميّة- قمّ المقدّسة.
1.الكافي، الكليني، ج5، ص260.
2.التهذيب، الطوسي، ج6، ص348.
3.الفقيه، الصدوق، ج3، ص158.
4.جامع أحاديث الشيعة، الحرّ العامليّ، ج18، ص431.
5.وسائل الشيعة، ج13، ص195.
6.الكافي، (م.س)، ج5، ص260.
7.(م.ن)، ج5، ص74.
8.(م.ن)، ج5، ص265.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع