نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

كربلاء: اختبار العاطفة

زينب فهدا(*)


رسمت سنة 61 للهجرة معالم جديدة خاضتها المرأة الموالية بأدوراها المتعدّدة؛ الأمّ، الزوجة، الأخت.. فعلى رمضاء كربلاء برزت هذه الأدوار؛ لتؤكّد أنّ المرأة، ذلك الكيان العاطفيّ، يمكن أن تلعب دوراً مهمّاً في تاريخ البشريّة، وتجتاز أصعب الاختبارات وأشدّ الابتلاءات، فتتبلور شخصيّتها العقديّة الإيمانيّة، وتضحّي بأعزّ ما تملك حفاظاً على طريق الحقّ، فترسم طرق النصر مهما كلّف الأمر. طريق رسمته النساء في كربلاء لتكمله أمّهات الشهداء في كلّ زمان ومكان.

•اختبار الولاية
في زقاق الكوفة، وفي أحد بيوتاتها، برز هذا الاختبار لدى إحدى النساء المواليات التي أكّدت أنّ عقد الولاية القلبيّ لا بدّ من أن يقترن بالثبات على الولاية، والبراءة من أعداء آل البيت عليهم السلام. إنهّا طوعة الجارية التي أعتقها الأشعث بن قيس الكنديّ، والتي آثرت التمسّك بولاية العترة المحمّديّة، للنجاة من الضلالة في الدنيا ومن النار في الآخرة، متمسّكة بوصيّة نبيّ الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بالقرآن وبعترته الطاهرة. كانت تدرّك بإيمانها الخالص، ضرورة التمسّك بالعدل الآخر للقرآن، والمتمثّل بأهل البيت عليهم السلام، والحسين عليه السلام واحد منهم.

وقفت طوعة التي تحرّكت لديها مشاعر الطاعة والولاية أمام اختبارها الصعب، لكنّها خرجت منتصرة، معلنة الولاية والانقياد والتسليم الإلهيّ المطلق، فقد آوت سفير سبط النبيّ الإمام الحسين عليه السلام، مسلم بن عقيل عندما أُرسل إلى أهل الكوفة، لأخذ البيعة منهم، فتفرّقوا عنه وخذلوه. فكانت دارها سفينة النجاة الوحيدة لمسلم من أيدي الخونة أتباع عبيد الله بن زياد الذين يبحثون عنه، وملاذه الوحيد بعد أن أرهقه التعب واشتدّ به العطش، فناداها: "يا أَمَة الله، ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل لك في أجر ومعروف، ولعلّي مكافيك بعد هذا اليوم؟". قالت: "اُدخل". فسطّرت بكلمتها أعظم مواقف المرأة الموالية.

•اختبار الأخوّة
من أصعب الاختبارات والابتلاءات الكربلائيّة، تقف أمامه المرأة بين مفترقَي طريق: إمّا تشجيع الإخوة على الإقدام ونيل إحدى الحسنين؛ الانتصار أو الشهادة، وإمّا الخوف ومنعهم من الخروج؛ فالأخ هو السند، والصديق، والجبل الذي تستند إليه الأخت في كبرها وصغرها، لكنّ السيّدة زينب عليها السلام أخت الإمام الحسين والعبّاس عليهما السلام، صمدت أمام هذا الاختبار الأخويّ، فكانت تراقب أحوالهما وتساندهما في أشدّ الأوقات. وعلى الرغم من خطورة المرحلة وشراسة العدوّ، إلّا أنّها لم تستسلم ولم تتوانَ عن تشجيعهما ونصرتهما، وهي القائلة دفاعاً عن أخيها وسيّدها: "وا أخاه، وا سيّداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل"(1).

عقيلة النساء، واجهت الظروف العصيبة، والمواقف المؤلمة في كربلاء بصبرٍ، وحسن ظنّ، ورضى بقضاء الله وقدره، عاملة بما أوصى الله به نبيّه موسى عليه السلام عندما قال له: "وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرضَ بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي"(2). وبعقلٍ واعٍ، وثوابت عقدّية وأخلاقيّة، رجعت إلى المخيّم لتتولّى مسؤوليّة الحراسة، وتتدبّر أمور العيال والأطفال، والذود عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لقد كانت عليها أفضل الصلاة والسلام تعلم أنّ إحدى علائم النصر بعد اجتياز الامتحانات الإلهيّة هو دفع الثمن في سبيل الله.

•اختبار الزوجيّة
اختبار الزوجة المخلصة، صاحبة الإيمان الخالص، والولاء التامّ، التي تضحّي بأغلى ما تملك، وتثور في وجه الظلم والظالمين عبر نصفها المكمّل لها، عبر شريك حياتها، الذي يوفّر لها الحبّ والعاطفة والمساعدة.

1- "أخرجني معك"
أمّ وهب؛ قمرى زوجة عبد الله بن عمير، الذي التحق بركب الإمام الحسين عليه السلام، فبعد أن أخبرها بعزمه على ترك الكوفة، والتوجّه لنصرة الإمام، قالت له: "افعل، وأخرجني معك". لم تقنع أن يذهب زوجها للقتال بمفرده، فكانت شريكته في الدفاع عن سبط رسول الله، وشريكته في الشهادة: "لن أدعك دون أن أموت معك". فأخذت عموداً من الخيمة وتوجّهت إلى زوجها، وهي تقول له: "فداك أبي وأمي، قاتل دون الطيّبين من ذريّة محمّد". تنظر أمّ وهب إلى زوجها وهو يُقتل، وتجلس عند رأسه وهي تمسح الدم والتراب عنه وتقول: "هنيئاً لك الجنّة، أسأل الله الذي رزقك الجنّة أن يصحبني معك". وقفت أمّ وهب أمام امتحانين؛ الأوّل امتحان الزوجيّة وحبّها لزوجها ووفائها له، والآخر طغيان أقوى الغرائز الإنسانيّة، غريزة حبّ البقاء والخلود بجانب من تحبّ، لكنّها نجحت وجعلت منهما سلّماً لرقيّها إلى درجات النعيم.

2- "اذكرني عند جدّ الحسين"
ولم يخفَ هذا الدور عن زوجة زهير بن القين البجليّ، دلهم بنت عمرو، التي وقفت أمام زوجها بعد أن أبدى عدم رغبته في مرافقة الإمام عليه السلام، فغيّرت رأيه بعد أن صدحت بكلامها الإيمانيّ، فقالت له: "سبحان الله، أيبعث إليك ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت"، فما لبث أن جاء مستبشراً، ولحق بالإمام الحسين عليه السلام، ثمّ أمر زوجته أن تلحق بأهلها، وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إليهم، فقالت دلهم لزوجها زهير: "أسألك أن تذكرني في يوم القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام"، فكانت نِعم الزوجة الصالحة، الصابرة.

•اختبار الأمومة
عندما تتخطّى المرأة عاطفتها في الحرص على فلذات أكبادها وردّ الأذى عنهم، وتدفعهم إلى تحمُّل المسؤوليّة، والتضحية والاستشهاد بين يدي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تكون قد تخطّت أمومتها لشيء أعظم؛ لكي ترى الإسلام حيّاً نابضاً.

1- شجاعة أمّ عمرو
ففي كربلاء، كانت أمّ عمرو بن جنادة التي دفعت ابنها بشجاعة إلى مواصلة الجهاد، وقد كان شابّاً ابن إحدى عشرة سنة، لم تغلب عليه طبيعة الطفولة بالخوف والشرود من القتال، سعى للاستشهاد بين يدَي الإمام الحسين عليه السلام، فبدّل الخوف والرهبة، بالرغبة والشوق لنصرة الإمام عليه السلام. وبقلب مطمئن عامرٍ بالإيمان، مسلّمٍ بقضاء الله وقدره، نعت أمّ عمرو ولدها وضمّت جسده إلى صدرها دون جزع. وبنفسٍ مطمئنةٍ لمصيرها الأخرويّ، باعتباره خاتمة المطاف في رحلة العمر، أخذت عمود خيمتها وهي عجوز، ضعيفة الجسم، لتثأر لفلذة كبدها، ولزوجها، ولإمامها.

2- فلذة كبد الرباب
أمّا الرَباب بنت امرئ القيس، زوجة الإمام الحسين عليه السلام، فلم تختلف عن باقي المؤمنات في تحمّل البلاءات والصمود أمام أصعب الاختبارات، فقد تحمَّلت فَقْدَ رضيعها عبد الله قرباناً واحتسبته عند الله. كانت ذات عزيمة وإرادة قويّة سيطرت من خلالها على انفعالات النفس، ولم تقل ما يسقطها في هذا الامتحان. موقفٌ واحدٌ نمّ عن عمق إيمانها، وقوّته التي تتغلّب على الشدائد مهما كانت عنيفة وشديدة.

3- رملة أمّ القاسم
وفي الجهة الأخرى، أمّ لفتى شاب لم يبلغ الحلم، ربّته بحنيّةٍ وصبرٍ بعد استشهاد والده، هي رملة زوجة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، التي رافقت الإمام الحسين عليه السلام مع أولادها الثلاثة من مكّة إلى كربلاء. فكانت تشجّع ابنها القاسم بن الحسن على حمل أعباء مسؤوليّته والقتال إلى جانب عمّه الحسين وأولاد عمّه عليهم السلام، وترفع من معنويّاته للتضحية في سبيل الله والدفاع عن الإسلام ونصرة إمام زمانه، فلم تنكسر أمام هذا الابتلاء الشديد؛ لأنّها كانت تعلم أنّ وظيفة الإمام الحسين عليه السلام وظيفة إسلاميّة، ويجب على الجميع التصدّي والقيام بتكليفه: "من يظنّ أنّ هذا العمل الذي قام به الإمام عليه السلام لم يكن واجباً على أيّ شخص آخر سواه، فهو مخطئ. لقد كان على الجميع التصدّي والقيام بهذه المهمّة. كان على الجميع أن ينصروا ويؤازروا الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام"(3).

•مواقف عظيمة ونتائج خالدة
في كربلاء، كانت الابتلاءات عظيمة، لكنّ النتائج كانت خالدة، وقفت أمامها النساء مواقف عظيمة، بحيث صارت تعتبر نموذجاً وقدوةً لكلّ اللواتي يحملن عبء الرسالة الإلهيّة، فيسعين للالتزام بها ويضحّين من أجلها. وفي ذلك يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام هي ثورةٌ مُلهِمة للدروس، وحركةٌ تُجسِّد التكليف الإسلاميّ"(4).


(*) أستاذة في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالمية، وباحثة إسلامية.
1.بحار الأنوار، المجلسيّ، ج4، ص54.
2.الكافي، الكليني، ج2، ص62.
3.من خطبة الجمعة للإمام الخامنئي دام ظله في طهران عاشوراء 1416هـ- 9/6/1995م.
4.من كلمة ألقاها في لقاء أعضاء شورى تبليغات إسلامي، 19/1/2010م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع