مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

منبر القادة: الكوثر: آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم(*)

الشيخ الشهيد راغب حرب (رضوان الله عليه)
 

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ﴾ صدق الله العليّ العظيم.

هذه السورة هي من السور الكريمة التي خوطب بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تكشف عن سُنّةٍ من سُنن الله تعالى في الخلق، وفي الحياة. يخبر الله تعالى فيها نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ببعض منَنه ونعمه التي أنعمها عليه، وهي الكوثر، والتكاثر والاستمرار، ويذكّره الله تعالى فيها أيضاً، أنّ قِيم الجاهلية التي يعترف بها الناس، لا تستطيع أن تحقّق لنفسها وجوداً إلّا في أذهان المعتقدين بها.

•قيم وأعراف جاهلية
الجاهلية بالمصطلح الثقافيّ الإسلاميّ كلمةٌ تُطلق على كلّ أمرٍ ليس له من الإسلام إقرار، ولا يُعترف به، سواء كان حديثاً أو قديماً. الفكر الذي لا يستنير بنور الإسلام هو فكرٌ جاهليّ، والقلب الذي يُعطي وجههُ لغير الإسلام، هو قلبٌ جاهليّ. أيضاً القانون غير الإسلاميّ، هو قانونٌ جاهليّ. إذاً، الجاهلية لها قيمٌ دائمةٌ ومستمرّة. وما دام في الأرض شيطانٌ وأولياء للشيطان هناك قيم وأعرافٌ جاهليّة.

على كلّ حال، نقول للعاملين بالقيم الجاهليّة: "فكّروا ما شئتم، استمرّوا في قناعاتكم ما شئتم، فحركة الحياة لا تسير بإرادتكم، وإنما يُسيّرها الله تعالى، وإذا كان قد غرّكم في أنفسكم أنّ الله تعالى قد أعطاكم حيّزاً من الحياة تمارسون فيه صُنعكم، فليس معنى ذلك أنكم تستطيعون أن تؤثّروا في مسيرتها، وإنّما أعطاكم الله ذلك كما في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ (الأنفال: 37).

•إنّهم لا يُعْجِزُون
من هذا المنطلق، إنّ الآيات الكريمة تتحدّث عن هذه المسألة بوضوحٍ تامّ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ (الأنفال: 59). معنى (لا يعجزون)، أنّ الدائرة التي يتحرّكون فيها كلّها هي أيضاً بيد الله، مثلهم كمثل من يضع أفعى صغيرة في زجاجة، ستتحرك الأفعى داخل الزجاجة، وقد تتحرّك بقوّة في بعض الأحيان، ربّما يكون الوهم هو الذي خَيّل إليها أنّها تستطيع أن تفعل شيئاً، بينما في الحقيقة، أنّ القابض على الزجاجة هو من يتحكّم بها وبالأفعى. إنّ حركة الناس داخل زجاجة أيضاً، والزجاجة في يد الله؛ إذاً، لا يُعجزه الكفر.

ولذلك في موطنٍ آخر، يُخاطب الله الناس بلسان الصالحين، أنّ خياركم السليم أن تستجيبوا لداعي الله؛ ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (الأحقاف:31)، واستجيبوا له، ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأحقاف:32)، لا يستطيع أن يكون شيئاً أمام إرادة الله.

•إنّ شانئك هو الأبتر
إنّ سورة الكوثر الكريمة تُبيّن حقيقةً أنّ أحد مبادئ الجاهلية، كان تكاثر المرء بأبنائه، الذكور بشكل خاصّ؛ لذلك كانت تمنّي بعضهم الأمانيّ، فيُقال: "لا داعي إلى أن تقاوموا محمّداً، فمحمدٌ أبتر، أولاده الذكور ماتوا، ليس عنده إلّا الإناث". لكنّ الله قال في كتابه الكريم: لا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فلا تعبأ بهم، ولا بأفكارهم، ولا بمبادئهم الجاهلية، فالأبتر الحقيقي هو شانئك، هو مُعيّرك. هذا الرجل الذي كان يعتزّ بكثرة الأبناء، من يعرف اسمه الآن؟ لا أحد. واستمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عَلماً من أعلام الحياة، تستنير بنوره، وتهتدي بهديه إذا ذُكر. الولد قوّة، ولكنه قوّةٌ عندما يسير بها في اتّجاه خط الحياة الذي رسمه الله ليُعمرَ بها الحياة، وتُكسب بها الآخرة وتُشترى بها الجنّة، إذا وُضعت في موضعها الصحيح.

من هذا المنطلق، علينا أن نفهم دور الأئمّة عليهم السلام، الذين تكاثر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستمرّ بهم. نعم، يمكننا ذلك من خلال القرآن، حيث نجد أنّنا أمام مسالك وطرق واضحة، ليس فيها عائقٌ أبداً.

•وجّه وجهه لله
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاةِ اللهِ﴾ (البقرة: 207)، وفي آية أخرى: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 79)، ويقول: ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).

هذه الآيات الكريمة تُلخّص حياة أئمّتنا عليهم السلام، هؤلاء القادة العِظام. وكلمة (وجهي) المذكورة في الآية ليس المقصود بها هذه القطعة من الجسم التي تحمل العين والأنف، إنّما المقصود بها التوجّه والمسار الذي يتحرّك فيه الإنسان بهدف. تقول الآية: إنّ المسلم يوجّه وجهه لله فقط، للذي فطر السماء وبسط الأرض. لقد سخّر الله للإنسان ما في السماء وسخّر له ما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وهو الذي يستحق أن يوجّه وجهه له. الله سخّر لنا ما في السماء وما في الأرض، أسبغ علينا النعم الظاهرة والباطنة، فيقول المُخلِص: أوجّه وجهي كلّه لله، حنيفاً، خالصاً مسلماً، وما أنا من المشركين. ثمّ يقول: ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾، يعني كلّ أعمالي. فالنُسك هي مجمل العبادات والأعمال التي يتنسّك بها المرء لله ربّ العالمين.

إنّ هذه الآيات جُسّدت في الحياة؛ فقد جعل الله شهداء على الإسلام، إذ طبّقوا أحكامه حرفاً حرفاً؛ من أجل أن يكونوا لنا الأنموذج، عندما أمرنا الله بقوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21). قد يقول قائل: "أنا لا أستطيع أن أكون مثل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم"، لكن النبيّ عمل بجهده، ولم يخلق الله النبيّ خِلقة خاصّة، إنّما صنع نفسه بالاختيار، وأنت عندما تتأسّى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تصبح تقيّاً، وبإمكانك أن تصل إلى الدرجة العامة التي يكون الأنبياء والأئمة عليهم السلام فوقها. وآية ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ تتحدّث عن الدرجة العامّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس عن الدرجة الخاصّة، فهي درجة متاحة للناس.

كذلك هذه الدرجة ليست خاصّة بالأئمّة عليهم السلام فقط، بل تشمل عامّة الناس، لكن الأئمّة يمثّلونها خير تمثيل، فهم بشر مثلنا، فيهم ما فينا من الضعف، وفيهم ما فينا من القوّة، يحنّون للطعام كما تحنّ الناس إليه، يحنّون للسلام كما تحنّ الناس إليه، يحبّون أبناءهم كما يُحبّ الناس أبناءهم، يتمنّون كريم الحياة كما يتمنّى الجميع، ولكنهم باعوا دنياهم لله، وباعوا أنفسهم لله، ودفع الله لهم ثمناً عظيماً.


(*) من خطبة جمعة ألقاها الشيخ الشهيد راغب حرب (رضوان الله عليه) في تاريخ 28/12/1979م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع