مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام


الجريح عبد الإله الموسوي (رضا)
حنان الموسويّ


كان من المقرّر أن يتسلّم مهامه الجهاديّة في جنوب لبنان؛ لذلك عليه رسم خرائط عن أمكنة وجود العبوات تأميناً للطريق أمام المجاهدين. وبينما كان ورفاقه يتقدّمون للبحث عن مكان قذيفة مشرّكة أُخبِروا بوجودها، لمع وميضٌ قويٌّ، وبحركة لا إراديّة رفع كفّه ليحمي عينَيه، فتطايرت ثلاثة أصابع من يده، كما توزّعت الشظايا في أنحاء جسده.

•جراحكم رسالة
"جراحكم رسالة".. هذا القول خطّه عبد الإله بدمه وأوجاعه مع كلّ عمليّةٍ جراحيّةٍ كان يخضع لها في قدمَيه أو ذراعه أو عينه، حيث يحضر الكافل أبو الفضل العبّاس عليه السلام في روحه أكثر، وتتبلور المواساة بأبهى حُلَلها، فتتجسّد فيه إرادة صلبة. وحين نُقل إلى المشفى، جرى التعامل مع الجراح والشظايا المتناثرة في جسده، فبُترت قدماه وذراعه، واستؤصلت عينه، وعُقِدت العروق والشرايين فيها، ولكنّه ظلّ يعاني من آلامٍ كثيرة لسنوات طويلة، دون أن يدرك مصدرها!

•رحلة علاجٍ طويلة
لم يقتصر علاجه على مستشفيات لبنان فحسب، بل تعدّاه إلى إيران وبعدها إلى ألمانيا. وفي كلّ بلدٍ كان يغرس من جسده بعض لحمٍ وعظم ودم، وكثيراً من الآمال بأنّ ما عند الله أفضل.

في البداية، مكث في مستشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مدّة شهرين، وكان الأطباء يلجؤون لتخديره كي يبقى نائماً ولا يتألّم، نتيجة لخضوعه لعمليّات جراحيّة بشكلٍ متكرّر حتّى تنمو عظام أطرافه.

سافر إلى إيران ثلاث مرّات، مرّةً نال فيها شرف الزيارة، ومرّتين لتلقّي العلاج بين عامَي 1991م و1992م، حيث خضعت رجلاه لعمليّتين جراحيّتين بعد أن التهب جرحهما. وقد رُكّبت له أطراف صناعيّة هناك، استعان بها لسنوات حتّى إنّه تمكّن من قيادة السيّارة بمفرده.

حين سافر إلى ألمانيا سنة 1995م، عُرف السبب الرئيس لآلامه، وهو شرايينه المعقودة، وذلك بعد أن أُرسل إلى عدّةِ مشافٍ مختصّة. وعلى الرغم من العناية التي أُحيط بها من قِبل الأطباء، والتعاطف معه نظراً إلى وضعه الصعب، لم يخلُ الأمر من بعض المضايقات من أشخاص لم يتقبّلوه بسبب خلفيّته العقائديّة، وقاموا بكتابة توصية إلى السلطات بضرورة إرجاعه إلى بلده.

في خضمّ ذلك، كانت الشظايا المستقرّة في عينه الناجية تعاند النور الهارب من سجن الظلمة وتهدّد وجوده، فمزّقت الشبكيّة، وعلى أثر ذلك أُجريت له عمليّة جراحيّة عبر اللايزر لرتقها، ولكنّه ظلّ يعيش حالة خوف وقلق من أن تتحرّك الشظايا فيها مجدّداً، تطفئ ما تبقّى من نور.

•"وجدتك كلّي"
هنا كربلاء، على ضفّة العمر شبيه العبّاس عليه السلام لم يقعده اليأس عن المضيّ قُدماً في الحياة، ولم يتسلّل القنوط إلى نفسه طرفة عين. ذاك الشاب الفتيِّ بعمر السبعة عشر عاماً، أقدم على طلب الزواج من أخت جريح، وتمّ ذلك عام 1992م، وقد عقد قرانهما سماحة الأمين العام المفدّى السيّد حسن نصر الله (حفظه الله). رُزِق عبد الإله بطفلين: مصطفى وحوراء، وهما فرحته الكبرى في الدنيا، يعطفان عليه ويهديانه الحبَّ. هما جسده المتناثر الذي جُمِع في جسمين، وأسوته الأمير عليه السلام في ذلك كلام لابنه الإمام الحسن عليه السلام: "وجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي"، فكانا كلّه في كلّ حين، ومعه على الدوام.

•خدمة الناس أنصع عبادة
في قانون الله، النيّة يجب أن تقرن بعملٍ ليتمَّ القبول، وما يكون نابعاً من القلب لا تحدّه سماء ولا يعوقه فقدان قدم وذراع. فها هو عبد الإله يتّجه صباحاً إلى عمله في مؤسّسة الجرحى مستعيناً بكرسيّه المتحرّك، لا يؤخّره المطر ولا الطقس البارد ولا حتّى حرّ الصيف ورطوبته العالية. معروف عنه دقّة مواعيده وإتقانه للعمل. تسابقه البسمة عند إلقاء التحيّة، يسأل رفاقه عن الفطور الصباحيّ، يحفظ ما يريدون، وينطلق لإحضار ما طلبته نفوسهم بكلّ سرور، ودائماً ما يكون جلب طبق "الفول أو المسبّحة" مفعماً بالحبّ والرضى. وعند عودته يبدأ عمله في محترف الجرحى، فتلهو أصابع يده اليتيمة على الأخشاب لتصنع منها تحفاً فنيّة مميّزة.

•صلاةٌ وهديّةٌ
شاهد ذات مرّة في عالم الرؤيا أنّه في إيران، ويصلّي جماعة بإمامة الإمام القائد عليّ الخامنئيّ دام ظله. لم يخيّل إليه أنّ رؤياه صادقة وستتحقّق بعد أيّام، وأنّه سيكون بين يدي القائد وفي ضيافته!

كان لقاؤه الأوّل بالوليّ الفقيه عام 1990م أثناء فترة العلاج، خلال لقاء عامّ للجرحى. أمّا في العام 2018م، فقد كان اللقاء الخاصّ، حيث تجسّدت رؤياه واقعاً ملموساً. جهّز الحاضرون أنفسهم للصلاة، رصّوا الصفوف، الكتف لصيقة الكتف، وعبد الإله يقف بينهم على أطرافه الصناعيّة، شغله كمُّ المحبّة والمودّة الذي لا يُحصى، والشعور بالأنس الذي لفّ المكان. قد قامت الصلاة وبدأت رحلة العشق.

لقاؤه بالحبيب ما زال على ضفّة الروح يعطي العزم، وبقايا العطر السماويّ ما فتئت تخالج النبض. وأمّا الهديّة، فلها في القلب مقام عظيم، ذاك الخاتم مكانه المهجة لا إصبع في اليد.

•الله الله في المسجد
كان قد اشترط في عقد عمله أن يكون دوامه يوم الجمعة ساعتين فقط؛ أي أنّه يغادر عند الساعة العاشرة صباحاً. وحين سُئل عن السبب، أجاب بأنّ لهذا اليوم خصوصيّة في نفسه، وعليه أن يرتّب أوضاعه والتوجّه إلى المسجد باكراً؛ فتوصيات الشيخ بهجت، أدعية وأذكار، كلّها تحتاج وقتاً لإنجازها، لذلك كلّما سابق الناس لأداء صلاة الجماعة في مسجد الإمام الكاظم عليه السلام شعر بالرضى، وعادةً ما يكون أوّل الواصلين إليه. حضوره مختلف على الرغم من صعوبة وضعه، يحفّز من حوله على ارتياد المسجد على الدوام، حتى إنّه أنشأ صداقات مع رجال من خلال المسجد. أمّا صلاة الفجر، فقد عقد معها اتّفاقاً ألّا يفارقها ما دام حيّاً، وعليها ألّا تفارقه حين يلقى الله.

ذاك الشوق إلى زيارة الله في بيته حجّة على كلّ من حوله من المتقاعسين عن أداء الصلاة وعن زيارة المسجد، أولئك الناس الذين أتمّ الله عليهم ورزقهم الصحّة والعافية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع