قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد حسن هاشم

نسرين إدريس قازان

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد حسن محمّد هاشم (السيّد كرّار)

اسم الأمّ: فايزة سليم.
محلّ الولادة وتاريخها: عين التينة 5/5/1993م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ولدان.
رقم السجل: 8.
مكان الاستشهاد وتاريخه: القلمون، 11/5/2015م.


بقبّعته السوداء التي اشتراها بمجرّد وصوله إلى المقام، مسح الضريح، ولم تفارق رأسه أبداً. كان الشاب ابن الثمانية عشر ربيعاً يخدم الزوّار، يحمل الحقائب، يمسك بيد الطفل "خضر" زميله في المرض، ويحمله أحياناً لعدم قدرته على السير.

لقد جاء طالباً للشــفـاء؛ ليــــــس لأجل الحياة، ولا من أجل المستقبل، وليس ليرتاح من ألمٍ ينهش جسده كذئبٍ مفترسٍ، لقد جاء يريد شيئاً واحداً فقط: الشهادة.

•بعين الرضى
أطبق كفّيه جيّداً على قدمَي "خضر" النحيلتين المتدلّيَتين على صدره، ورفع كتفيه قليلاً لتلامس اليدُ الصغيرة قفص المقام. كلاهما جاء حاملاً في جعبته رجاءً واحداً، والعلم عند الله وحده.

عاد خضر ابن السنوات الستّ من مقام الإمام الرضا عليه السلام إلى لبنان مختوم الأجل، فأسلم روحه إلى بارئها، أمّا "هاشم"، الاسم المعروف به محمّد حسن في المستشفى، فقد أعادت طبيبته قراءة نتائج الفحوصات التي أُجريت له في لبنان والخارج، مرّات عدّة، وكان من المفترض أن يعود من فترة استراحته إلى مرحلة جديدة من العلاج، ولكنّ نتيجة الفحوصات كانت سلبيّة؛ أي أنّ مؤشّرات المرض كلّها اختفت.

قالت الطبيبة له: "إنّها معجزة.. لا تفسير طبيّاً لما حدث.. (هاشم) لقد عدت من رحلتك معافى..".

شدّ محمّد حسن أطراف قبّعته السوداء جيّداً، وحبس دموع العرفان للإمام الرضا عليه السلام، الذي قصده مريضاً متعباً من أثر العلاج الكيميائيّ. كانت تلك أمنيّته التي طلبها من "جمعيّة تمنّى"، الجمعيّة التي تحقّق أمنيّات الأطفال الذين يعانون من مرض السرطان، فسافر في فترة النقاهة التي منحه إيّاها المستشفى بعد أشهر طويلة من العذاب، لم ينظر إليها إلّا بعين الرضى. لن يعرف أحد ماذا حصل معه في المقام، ولكنّه قال بثقة: "الحمد لله، أنا بإذن الله شُفيت".

•أقوى من المرض
عندما بلغ محمّد حسن السابعة عشرة من عمره، عاد ذات يومٍ من المدرسة حاملاً بيده نتيجته المدرسيّة التي لم تكن مرضيّة له، وهو المتميّز دائماً، فسأله والده عن السبب، فوضع يده على رقبته قائلاً: "لا أعلم، يجب أن يرى الطبيب ما في رقبتي".

مباشرةً أخذه والده إلى الطبيب، وأجريت له تحاليل أظهرت أنّه مصاب بمرض سرطان الدم، وأنّ المرض منتشر، فخضع لعمليّة جراحيّة، وبدأت رحلة العلاج التي ظنّ الأطباء أنّه لن يتجاوزها لصغر سنّه، ولانتشار المرض السريع.

لم يره أحد يوماً يئنّ من الوجع حتّى لا يؤذي أحداً من عائلته. كان صدى أنينه يتردّد في قلبه، وما إن يعود من العلاج حتّى يلتقي بأصدقائه، ويزور أخته ليلاعب أولادها.

كان لزاماً عليه البقاء في المستشفى، ومع هذه الصورة التي نظنّها قاتمة، كان وجهه يفيض بِشراً لمن حوله، وكأنّ عينيه قنديلا أمل يلقيان الضوء على قلوبٍ حزنت لأجله، فلم يرَ في مرضه إلّا جميلاً، ولم تستشعر روحه إلّا التسليم واليقين: "نحن نتوسّل بأهل البيت عليهم السلام"، هذا ما ظلّ يردّده.

لقد كانت علاقته بالله عزّ وجلّ علاقة الحبيب بمحبوبه، وهو ينتظرُ هذا اللقاء على أحرّ من الجمر، ولكن كان له تخطيطه المسبَق لذلك، كأن يتناثر جسده في لحظة اللقاء تلك!

أعطى محمّد حسن دروساً في الصبر لمن حوله. وحينما زاره رفاقه في المستشفى، كانوا جميعهم قد حلقوا شعر رؤوسهم ليواسوه، فتركت هذه الصورة أثراً عظيماً في نفسه، وشكر الله على عظيم ما رزقه من إخوةٍ محبّين.

•"أرفض البقاء في مجلس فيه حرام"
حلّ محمّد حسن ضيفاً على أحد البرامج التلفزيونيّة، حيث أذهل الجميع بمعنويّاته العالية وإيمانه وصبره ونظرته الإيجابيّة إلى مرضه، وقال حينها إنّ حلمه زيارة المقامات المقدّسة في إيران، وهذا ما طلبه من جمعيّة "تمنّى". ولكن قبل انطلاق العرض، علم محمّد أنّ ثمّة مقطعاً غنائيّاً في الحلقة، فرفض البقاء وأصرّ على الانسحاب قائلاً لأخيه: "جئتُ لأطلب زيارة الإمام الرضا عليه السلام، فكيــف أحضـــر في مجلس فيه حرام؟"، فأُلغيت الفقرة بناءً على طلبه.

•"ما لي وللآخرين؟"
أنهى محمّد حسن العلاج الكيمائيّ، ليبدأ العلاج الشعاعيّ، فطلب تأجيل هذا العلاج حتّى عودته من إيران. سافر وأمّه، وحينما عاد، كان قد شُفي تماماً من مرضه. عندها، سارع للالتحاق بصفوف المجاهدين في سوريا، وهو الحلم الذي لطالما راوده منذ صغره، فطلب إليه أخوه أن يتريّث قليلاً نظراً إلى وضعه، وأخبره أنّ الإخوة يقومون بالواجب، فردّ عليه: "ما لي وللآخرين؟ أنا لا أستطيع النوم، واجبي الذهاب والدفاع عن المقام، وهذا ما سأقوم به".

من القصير إلى يبرود إلى العديد من المناطق، صاحب القبّعة السوداء يتنقّل بين المجاهدين، بهمّة عالية، وحتّى بعد زواجه وانتظاره لولادة طفليه التوأم اللذين غمر قلبه انتظاره لهما فرحةً عارمة، ظلّ محمّد المبادر للالتحاق بالمعارك.

•عندما فاح عطر المقام
لم يعد من الوقت على ولادة طفليه إلّا أيّامٌ معدودة، فأخبر محمّد حسن أخاه بأنّه لن يتسنّى له رؤية طفليه، وأوصاه بهما خيراً، وطلب أن تتمّ تربيتهما تربية صالحة.

انطلق إلى المعركة. كانت مهّمته في الإسناد الخلفيّ، ولكم انتظر اللحظة التي سيرمي فيها بنفسه في المواجهة! كانت المعركة قاسية، والشهداء يعرجون واحداً تلو الآخر، وصار لزاماً عليه التقدّم، وقد رأى بأمّ العين كيف قطع التكفيريّون رأس صديقه، فالتحم معهم وقاتل حتّى نال ما تمنّاه.

سقط صاحب القبّعة السوداء فوق التراب، وفاح عطر أروقة المقام من تلك القبّعة. وبعد ستّة عشر يوماً، ولد طفلاه، حمل أحدها اسمه المدنيّ، والآخر اسمه الجهاديّ.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع