مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة أخلاقنا: الزواج سهلٌ يسير مناسبة: الخميني قدس سره..شمسٌ لا تغيب مناسبة: المعصومة عليها السلام: سيّدة قم مناسبة: البقيع.. قطعة من الجنّة ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ البشريّة وصراع الوباء فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات تغذية: المناعة خيرُ علاج سوريا: حافلات على الطاقة الشمسيّة

مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*)

آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآمليّ


تحظى قضيّة ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بإجماع الفرق الإسلاميّة؛ لما لهذه القضيّة من دور في حسم مصير البشريّة، وقد تشي بذلك الروايات حول بركات مولده، وسرّ ليلة مولده التي تماثل ليلة القدر، لماذا؟ وكيف نحييها؟

* التضليل والتحريف
إنّ هناك طائفةً كبيرةً من الروايات الدالّة على أنّ المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف من الشجرة الطيّبة لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو تاسع ذريّة الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام.
يقول العلّامة الشعرانيّ: "أفاد محيي الدين في الباب 366 من (الفتوحات) ما يلي: اعلم، أنّ خروج المهديّ أمر حتميّ... وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أبناء فاطمة، وجدّه الحسين بن عليّ، وأبوه الحسن العسكريّ ابن الإمام عليّ النقيّ (بالنون) ابن محمّد التقيّ (بالتاء) ابن الإمام عليّ الرضا ابن موسى الكاظم (ابن الإمام جعفر الصادق) ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام عليّ بن أبي طالب"(1).
يُلاحظ أنّ الطبعة الجديدة للفتوحات تخلو من هذا التعبير بتمامه، بل استعاضوا عنه بعبارة: "جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب"(2). وانطلاقاً من الاختلاف الحاصل، يتّضح أنّ يد التحريف امتدّت إلى بعض الكتب التي تتحدّث عن العترة.

* ليلةُ قدر أخرى
أفاضت ولادة وليّ الله عجل الله تعالى فرجه الشريف أعظم البركات على الناس؛ لأنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف خير أهل الأرض(3)، كما أنّ الأثر الوجوديّ لخير البشر يعمّ تمام أرجاء الأرض وجميع سكّانها. لقد خرج صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف وآخر حجج الله الذي هو خير أهل الأرض إلى الوجود، فجر ليلة النصف من شعبان عام 255هـ، وورد أنّ الليلة المباركة التي شهدت مولده هي ليلة القدر أيضاً، وقد ورد استحباب القيام بأعمال ليالي القدر فيها(4).

وقد وصلنا عن الإمام الصادق عليه السلام بيانٌ نورانيّ يدلّ على أنّ هذه الليلة -في حدّ ذاتها- لها إحدى درجات تقدير الأمور: "إنّها الليلة التي جعلها الله لنا أهل البيت بإزاء ما جعل ليلة القدر لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم"(5). فكما كان للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليلة قدر، فقد كان لأهل البيت عليهم السلام ليلة قدر، هي ليلة النصف من شعبان.

* فضيلة ليلة النصف من شعبان
وجواباً عن سؤالٍ حول فضيلة ليلة النصف من شعبان، قال الإمام الباقر عليه السلام: "هي أفضل ليلةٍ بعد ليلة القدر؛ فيها يمنح الله تعالى العباد فضله، ويغفر لهم بمنّه. فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها؛ فإنّها ليلةٌ آلى الله تعالى على نفسه ألّا يردّ سائلاً له فيها، ما لم يسأل معصيةً (...) فاجتهدوا في الدعاء والثناء على الله"(6).
وعن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّ هذه الليلة [ليلة النصف من شعبان]: فيها يُكتب آجالٌ وفيها تُقسم أرزاقٌ. وإنّ الله عز ّوجلّ ليغفر في هذه الليلة من خلقه أكثر من عدد شعر معزى بني كلب [كناية عن كثرة المغفرة]، وينزل الله عزّ وجلّ ملائكةً إلى السماء الدنيا وإلى الأرض بمكّة"(7).

* لماذا كانت كليلة القدر؟
أ- المعصوم عدل القرآن الكريم: الإنسان الكامل المعصوم -الذي أظهرت العترة الطاهرة مصاديقه- عدل القرآن الكريم، ولا يمكن أن يفترقا، حسبما ورد في حديث الثقلين المتواتر؛ فالقرآن الكريم تجلٍّ للكتاب التدوينيّ الإلهيّ، والإنسان الكامل المعصوم تجلٍّ للكتاب التكوينيّ الإلهيّ. وكما أنّ القرآن الكريم نزل في ظرف زمانيّ معيّن هو ليلة القدر، فكذلك تجلّي الإمام المعصوم وتنزّله من مخزن الغيب الإلهيّ في ظرف زمانٍ خاصّ هو ظرف شخصيّ لليلة القدر؛ وإن كان للزمان والمكان حظٌّ من القداسة، إنّما تحصّلت تلك القدسيّة بما لها ارتباطٌ بذلك الزمان، وبذلك المكان.

وفي ضوء هذا البيان الجامع، فإنّ مولد وليّ الله المعصوم -الذي هو كونٌ جامعٌ وعدلٌ للقرآن الكريم- يستلزم أن تكون حقيقته أو نبوّته أو إمامته نظيراً لليلة القدر. وعلى هذا الأساس، فما ورد حول الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ومولد خاتم الأولياء عجل الله تعالى فرجه الشريف يبتني على تطابق حقيقة هذه الذوات المباركة مع ليلة القدر، أو الإشارة إلى ولادتهم بعنوان أنّها ليلة القدر، كما ورد في دعاء ليلة مبعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من جريان التجلّي الأعظم: "اللّهم إنّي أسألك بالتجلّي الأعظم في هذه الليلة من الشهر المعظّم والمرسل المكرّم"(8).

ب- يوم المولد ليلة قدرٍ أخرى: ولمّا كان خاتم الأوصياء الحجّة ابن الحسن المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عصارة فضائل أهل بيت الوحي عليهم السلام، بل محور فضائل الكمّل من الأولياء، فإنّ الظرف الزمانيّ لتجلّيه يكون مخزناً للغيب الإلهيّ في نشأة الملك، ويختصّ يوم مولده عن سائر الأيّام المباركة ومواليد حجج الله عليهم السلام، ليصل هذا الظرف إلى مرتبة ليلة القدر، بل يعدّ ليلة مولده من الليالي التي يحتمل أن تكون ليلة القدر.
وكأنّ عصرنا الحاضر -الذي يكون زمن ولايته زمن ولاية آخر معصوم- يمثّل تشكّل مقدّرات العالم بتمامه؛ بدءاً من ليلة النصف من شعبان، إلى أن يتّخذ صورة ثبوتيّة له في ليالي القدر في شهر رمضان المبارك.

* إحياء ميلاده عجل الله تعالى فرجه الشريف بالفهم والتعقّل
يصرّح القرآن الكريم بأنّ إحياء شعائر الله وتعظيمها من علامات تقوى القلوب، ومن أوصاف المتّقين: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32). والوجود المبارك للإمام المعصوم أفضل الشعائر والعلامات لتلك الذوات القدسيّة الإلهيّة، كما أنّ الاحتفال مواليد المعصومين عليهم السلام وإقامة مراسم التعزية في أيّام شهادتهم من مصاديق تعظيم شعائر الله سبحانه. ومن أفضل الأعمال التي ينبغي القيام بها إظهار السرور والاحتفال بمواليد أئمّة الهداية، ولا سيّما ولادة إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي يعدّ من كراماته بقاء بلاده وبقاعه بقدر الإمكان محفوظةً من الأخطار إلى زمن ظهوره.

لذلك يلزم تزيين هذه الاحتفالات العظيمة والأيّام المباركة ببرامج وأعمال تتناسب مع مولود هذا العيد. وإذ كان من إفرازات ظهور بقيّة الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف بلوغ عقول الناس أعلى المراتب وتفتّق كنوز الفهم البشريّ في ذلك الزمان السعيد، لذا يفضّل إيلاء العناية بما يساهم في تنمية الفضائل وتكامل أفهام الناس وحلومهم، وهي جملة الأمور والشروط التي يسعى منتظرو الحجّة أن يحقّقوها في أنفسهم. فمن سعى إلى تحصيل الفهم والتعقّل، كان أهلاً لتعظيم وإحياء مولد الحجّة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف والتحلّي بصفات أهل الانتظار.
 

(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهدي الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الثاني من الباب الأول.
(1) راجع: اليواقيت والجواهر، الشعراني، ص422.
(2) الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج3، ص327.
(3) الكافي، الكليني، ج1، ص467.
(4) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ص214.
(5) بحار الأنوار، المجلسي، ج94، ص85.
(6) الأمالي، الطوسي، ص297.
(7) بحار الأنوار، (م.س)، ج94، ص89.
(8) البلد الأمين، الكفعمي، ص183.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع