مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*) لطائف الرحمن في شهر شعبان مناسبة: قصّة اكتشاف قبر الشهيد الصدر قدس سره حكايا الشهداء: أبو مهدي المهندس على لسان رفيقيه إنّا نرغب إليك في دولة كريمة.. بـيـعـةٌ بين الركن والمقام تغذية: معتقدات غذائيّة خاطئة آخر الكلام: مدينةٌ لم تُبنَ بعد أوّل الكلام: لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ مناسبة: حكاية شهادة

الشهيدُ الشيخ خليل إبراهيم سعيد

نسرين إدريس

 



اسم الأم: مريم سعيد
محل وتاريخ الولادة: مجدل زون 1- 2 - 1966
الوضع العائلي: متأهل وله ابنتان‏
مكان وتاريخ الاستشهاد: مجدل زون 16 - 6 - 1995

عابد في محراب الجهاد، ومجاهد انقطع إلى الله في طريق الدنيا. بين عينيه يمتد ليل العارفين الذي توقظه رصاصات الفجر، وفي كفّيه سطور علم كلما فاض معينه ازداد ظمأً إليه وسأل المزيد. رجل لم يعرف التعب، ولم تهدأ ثورة الحماسة في قلبه المتنقل كعصفور متمرد على كل الفصول، حاملاً في منقاره حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة. الشيخ خليل الذي أضفى بحضوره الحياة على كل المحيطين به، كان مدرسة ومثالاً يحتذى، لما جمع في شخصيته من أبعاد جعلته قطباً للعديد من المتلهفين لمعرفة الحق والسير في طريقه..

"الحق" الذي بدأ يسأل أمه عنه وهو في الثالثة من عمره، فقد حيّرها وليدها الأول بأسئلةٍ لا تنتهي عن "الله عز وجل" وأصرَّ على البحث عنه ورؤيته، ما دفعها للجوء إلى شيخ القرية الذي حمد الله على إيمان هذا الطفل الفطري والصادق. حيّر خليل منذ طفولته والدته، التي كانت تستغرب طراوة ونداوة جسده، والذي كلما لامسته كأن أناملها غرقت في الحرير، وقد أعياها بهدوئه المبالغ فيه وهي تستفزه ليلعب قليلاً مع إخوته أو أبناء الجيران، غير انه آثر الاحتفاظ بالانضباط والرصانة التي حوّلته ما إن دخل المدرسة إلى شخصية استقطابية ليصبح القائد في اللعب، فكان فتية القرية يجتمعون حوله ويقصدون منزله ليشاركوه اللعب.

ولم يلهه اللعب عن القيام بواجباته المدرسية والعائلية على أكمل وجه، فهو كان إلى جانب والدته في تربية إخوته الاثني عشر ورعايتهم، أثناء بقاء والده في بيروت للعمل. وكانت تتكل عليه في شراء حاجيات المنزل من صور وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، فيدون كل ما تحتاج إليه على ورقة صغيرة، ويتنقل من سيارة أجرة إلى أخرى، في مناطق كانت كلها تحت مرمى نار العدو الصهيوني. عندما بلغ العاشرة من عمره توجّه خليل لأول مرة إلى مسجد القرية لأداء الصلاة، فجنّ جنون بعض العجزة الذين طردوه خوفاً من أن ينجس المسجد، فما كان منه إلا أن بدأ يصلي في الباحة الخارجية، وخلال مدة وجيزة استقطب أكثر من ثلاثة عشر ولداً لم يبلغوا الحلم بعد ليؤدوا صلاتهم في الباحة، وعلى الرغم من إصرار كبار السن على منعه من دخول المسجد فإنه أصرَّ بالمقابل على تأدية صلواته الخمس فيه، وعندما كبر قليلاً بدأ يقوم بتنظيف المسجد وتأمين جميع احتياجاته.

عايش خليل البطش الصهيوني والتنكيل بالمدنيين، فالتحق بتلاميذ الإمام موسى الصدر، ليخضع للدروس الدينية التي كان هدفها ليس التعريف بالدين فحسب، بل فهم مجريات الأحداث وضخ الوعي السياسي في عقول الناس وقلوبهم، وقد حاول والداه منعه من الاستمرار في الحضور بحجة الانتباه إلى درسه، غير أن تفوقه في الدراسة وبرّه الشديد بوالديه وتحمله الواعي للمسؤوليات الكبيرة، كل ذلك منحه ثقة لا تتزعزع لدى عائلته ما جعل حركته حرة. ومع بدء العمليات الأولى للمقاومة الإسلامية، وفي زمن الخوف والخضوع، حوصرت مجموعة من المجاهدين على تلٍ محاذٍ لقرية مجدل زون، فخشي بعض الناس من عودتهم إلى القرية خوفاً من تدمير الطائرات الإسرائيلية المنازل، فما كان من خليل، وهو ابن ست عشرة سنة، وأحد رفاقه إلا أن عبرا الوادي الوعر ليصلا إلى المقاومين ويخرجاهم من القرية بعد تأمين السيارات حتى وصلا بهم إلى صور دون أن يتأذى أحد منهم. وكان هذا العمل الخطوة الأولى في طريق طويل من الجهاد والكفاح، بدأه بعد إنهائه للمرحلة الثانوية، فتوجه إلى بيروت ليلتحق بكلية العلوم فرع الرياضيات وكلية الآداب فرع الفلسفة، وبدأ بمتابعة العلوم الدينية في الحوزة، إلى جانب مساعدته لوالده كعامل بناء، وعلى الرغم من ذلك، فإن عمله في المقاومة الإسلامية بقي في تطور مستمر، وخضع للعديد من الدورات العسكرية، دون أن يؤثر أي عمل على آخر، فقد حافظ على درجة الامتياز في دراسته الجامعية حتى تخرجه من الكليتين، وكذا الحوزوية، وتميز بين المجاهدين بقدرته العالية على التنظيم ودقته في التحليل والاستنتاج. لم يمكث الشيخ خليل طويلاً في بيروت فمجدل زون بالنسبة إليه المتراس الحقيقي للجهاد، فانتقل ونقل ملفاته الجامعية والحوزوية إلى الجنوب، ليبدأ بتأسيس النواة الأولى للعمل الإسلامي في قريته، وأضاف إلى ملفاته العمل الاجتماعي والتربوي، فتطوع في مؤسسة الشهيد خادماً لعوائل الشهداء، وفي جمعية إمداد الإمام الخميني قدس سره باذلاً جهده لتخفيف المعاناة عن كاهل المستضعفين، وهو أيضاً إلى جانب تدريسه في مختلف الدورات الثقافية، كان من ابرز قارئي العزاء في الجنوب.

هذه الحركة الدائمة، والتأثير المباشر في نفوس الناس الذين وجدوا فيه نموذجاً حقيقياً للإنسان الصابر والمحتسب، والمخلص المتفاني، أدت إلى إدراج اسمه على لائحة المطلوبين للعدو الصهيوني والعملاء، وصار شغلهم الشاغل التربص به ومراقبة تحركاته، حتى هدد العدو الصهيوني بتدمير المنزل فوق رؤوسهم، ما اضطر العائلة إلى ترك منزلها لأيام طويلة، كانت أمه خلالها تقوم بتفقد البيت يومياً قبيل عودته من صلاة الصبح خوفاً من أن يكون مزروعاً بالألغام، فادية بذلك ولدها الذي كانت تخاف عليه من نسمة الهواء، وقد وجدت ذات يوم في المنزل ورقة مكتوباً عليها باللغة العبرية، فأعطتها لولدها الشيخ خليل الذي أدار لكل التهديدات والملاحقات الأذن الصماء. تحمّل الشيخ خليل الغربة المريرة في سبيل وضع دعائم صلبة للعمل المقاوم في بلدته والقرى المجاورة، وتخلّى عنه الكثيرون في الزمن الصعب، ولكنه لم يهن ولم يحزن واستمر في عمله إعلاءً لكلمة الحق، الحق الذي عاش لأجل أن يراه. تزوج الشيخ خليل ورزق بطفلة وهبته سعادةً عارمة، وكان ينتظر طفلته الثانية، عندما زفّت المقاومة الإسلامية أول شهيدين لها في بلدة مجدلزون، فانهمك الشيخ بتجهيزهما والتشييع، وحفر بنفسه مثواهما، مضيفاً إلى جانبهما واحداً له، داعياً الله مولاه أن يرزقه الشهادة قبل مرور أربعين يوماً على استشهاد رفيقيه. كان الوضع الأمني والعسكري في الجنوب في تدهور مستمر، وكأن القرى بركان يغلي، والشيخ خليل يقوم بتوزيع دعوات مراسم الأربعين للشهيدين، ويقرأ مجلس عزاء، قبل انطلاقه في رحلته الطويلة.

ولأول مرة تكون والدته بعيدة عنه، فهي مع إخوته في بيروت، فيما زاره والده زيارة قصيرة عاد منها مشتاقاً، فما إن وصل إلى بيروت وقبل أن يجلس أخبر زوجته انه سيعود إلى مجدل زون، استغربت زوجته الأمر، خصوصاً وان المسافة طويلة، وهو لم يكد يرتاح، فأخبرها أنه لأول مرة يرى فيضاً من جمالٍ غريب بسط نوره على تقاسيم وجه الشيخ خليل، ولأول مرة أيضاً كانت الأم هي التي تهدّئ الأب. انطلق الشيخ بسيارته لتوزيع الدعوات، غير آبه بالمدافع الموجهة إلى الطرق من المواقع المشرفة على القرية، وهو يعبر من قرية إلى أخرى، قبل يوم واحد من حلول ذكرى أربعين الشهيدين، وأثناء عودته إلى القرية انفجرت عبوة ناسفة زرعها له العملاء اللحديون على قارعة الطريق، وحلقت الطائرات الإسرائيلية على علو منخفض، فيما بدأت المواقع تدك أطراف القرية بقنابلها.

وأخيراً، هدأت نفس الشيخ خليل، وارتاح من تعب الحياة.. رحل الشيخ خليل الذي اختزل بشخصيته العديد من الأشخاص، وحط رحال غربته على قارعة الطريق التي مشى فيها طفلاً يبحث فيها عن الله، فمنّ الله عليه بلقاءٍ متوجٍ بشرف الشهادة.. وظن العدو الصهيوني انه ارتاح من بندقية الشيخ خليل، التي أوجعته في العديد من العمليات العسكرية أبرزها عملية شيحين التي قتل فيها العديد من الجنود الصهاينة، ولكنهم نسوا أن تلاميذ الأستاذ يرغبون دوماً بأن يقتدوا بأستاذهم وفاءاً منهم لما قدمه من تضحيات، وإجلالاً لكل دروسه، ويتوقون إلى التميز لأنهم أبناء المقاومة الإسلامية، الدارجون على يدي الشيخ خليل سعيد.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع