قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

أحبّ عباد الله(9): عبدٌ انفرد بهمّ الآخرة

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي


بيّن المقال السابق أهمية التخلص من حبال الشهوات، وأثر ذلك في القرب من الله تعالى. وتبيّن أن السبب الموقظ للشهوات هو الغفلة عن الحق، والتعلق المذموم بالدنيا. فكيف يتعاطى المؤمن مع دنياه كما أمره الحق تعالى؟ بعد أن تعرّضنا لموارد ثلاثة في العدد السابق نتعرّض في هذا المقال من خلال عرض الموردين الرابع والخامس من الشهوات في نص القرآن الكريم:


*جيلان متعاقبان
المورد الرابع: يقول الله تعالى بعد توضيح خصائص أنبيائه وأوليائه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (مريم: 59).
بناءً على كلام الله تعالى، هناك جيلان متعاقبان عاشا في الأرض وحملا خصائص مختلفة: يضم الجيل الأول أنبياء الله وأولياءه الذين يعشقون عبادته ومناجاته فينجذبون إلى معبودهم ويأنسون بكلامه إلى درجة أن الدموع تسيل من أعينهم بمجرد سماع كلام الله ويقعون على الأرض سجداً. أما الجيل الثاني فهم الذين لم يستفيدوا من المعنويات والكمالات الإنسانية المتعالية، والذين غرقوا في القبائح. هنا يؤكد الله تعالى على صفتين من صفاتهم:
الأولى: عدم الاهتمام بالصلاة ومناجاة الله تعالى.
الثانية: اتباع الشهوات.

وبين هاتين الصفتين أو الحالتين ارتباط وتلازم وثيق. فكلما ازداد اهتمام الشخص بالشهوات، ازداد تكاسله عن العبادة. وبالمقابل كلما ابتعد عن الشهوات، ازداد استعداده لإدراك مناجاة الله والاشتغال بعبادته. أما عاقبة الخاصّتين المذمومتين، فهي الضلال وعدم الاستفادة من الهداية الإلهية. ولن يطول الوقت حتى تزاح الحجب عن بصيرة الإنسان وتتضح الحقائق ويعرف أنه لم يحصل سوى على رضى الشيطان وبالتالي النّدم الأبدي. يتحدث الله تعالى حول عاقبة الذين سلّموا أزمّتهم للشيطان فيقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر: 42-43).
المورد الخامس ﴿وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (النساء: 27).


* ضرورة تمييز الدنيا المذمومة عن المطلوبة
بناءً على ما تقدّم في موارد ذمّ الشهوة في القرآن الكريم فإن قول الإمام عليه السلام يوضح أن لباس الشهوة هو التعلق باللذائذ الدنيوية بمثابة قميص يضعه الشيطان على جسد الإنسان، فما دام الإنسان واقعاً تحت تأثير وساوس الشيطان، فلا يمكن له أن يخلع هذا القميص حيث تشغله الدنيا ولذائذها وتستولي على فكره وذهنه. إذاً المذموم، هو المتعلق بلذائذ الدنيا، وبما أن أولياء الله عارفون بحقيقة الدنيا ولذائذها، لا تتعلق قلوبهم بها. وهذا لا يعني أن الاستفادة من لذائذ الدنيا مذموم بالكامل وممنوع وأن على الإنسان الابتعاد عن المجتمع وعن اللذائذ الدنيوية.

بالتالي الاستفادة من لذائذ الدنيا ونعمها، لا يصح وصفه بالممنوع والمذموم، بل هو واجب في بعض الحالات. والله تعالى، ومن مقتضيات أسرار حكمته، قد خلق النعم الدنيوية ليصل الإنسان من خلالها إلى مقاصده. لأن الإنسان لو كان لا يلتذ منها لما اتجه نحوها، وبالتالي لاختلّت حياته الفردية والاجتماعية. نعم يجب على الإنسان أن يعتبر الدنيا ونعمها بمثابة أدوات وأن لا يظن أن لها الأصالة.

المذموم هو مصداق الدنيا المذمومة التي يعبر عنها القرآن الكريم بـ ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ، هو النظرة الاستقلالية إلى الدنيا ولذائذها واعتبارها المقصد والهدف والتعلق بها، هذا ما ذمّته الآيات الشريفة. يقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (الحديد: 20).


*آثار التعلق بالدنيا السلبية على روح الإنسان وسلوكه
إن الذي لم يتعلق بالشهوات واللذائذ الدنيوية والذي لم يصبح أسيراً لها، يستفيد من النعم واللذائذ الدنيوية بالمقدار الذي يعتبره العقل ضرورياً والذي أجازه الشرع. ويمكن القول بجرأة إن منشأ كافة حالات الألم والحزن والاضطراب، هو عدم الاستفادة أو الحرمان من اللذائذ والنعم الدنيوية. فقد تحدثت دراسات علماء النفس أن الميل نحو الله والآخرة هو من جملة العوامل التي لا تؤدي إلى الضغط والألم، بل إن الاضطراب والألم على علاقة بالدنيا، سواء استفاد الإنسان منها أم لم يستفِد. هؤلاء قد أحاطت الدنيا بقلوبهم وأفكارهم فلا تسمح لهم بلحظة واحدة من التفكير بأنفسهم والعودة إلى ذواتهم والتخلص من فخّ الدنيا وآلامها.

إنّ الذين يتمتعون بنعم ولذائذ الدنيا ويظنون أنهم أصابوا شيئاً، لم يدركوا أن ثمن ما حصلوا عليه هو سلب الهدوء والراحة وتحمل المشكلات والكثير من الصعوبات. وأما إذا تحملوا بعض الصعوبات والآلام لأجل الوصول إلى اللذة الدنيوية، فسيدركون أنهم دفعوا ثمناً كبيراً أمام لذة قليلة. إذاً فامتلاك الكثير من الملذات لا يزيد الهدوء والاطمئنان، بل يقلّل من ذلك. ويؤيد هذا الادعاء الظروف الحاكمة اليوم على الدول المتقدمة، هذه الدول التي تمتلك أكبر مقدار من أطباء النفس وكذلك أفضل المستشفيات النفسية. مع العلم أن اللذائذ الدنيوية لو كانت تؤدي إلى الهدوء النفسي والروحي عند الإنسان، فلماذا يرتفع مقدار المصابين بالأمراض النفسية عندهم؟ في الجهة المقابلة هناك أشخاص يعيشون في حواشي وزوايا بلدنا وهم يمتلكون إمكانيات محدودة وقليلة، ولكنهم يتمتّعون بنشاط وحيويّة في حياتهم، ويلتذّون بمعيشتهم ومحبتهم لله وذلك لأنهم غير متعلقين بالدنيا.


* أولياء الله والتوجه الكامل إلى المعبود
لا شك أن التعلق بالدنيا والتوجه المفرط نحو الشهوات واللذائذ، يبعد الإنسان عن الله؛ لأنه كلما ازداد الاهتمام بالشهوة، قلّ اهتمامه بالله وبالآخرة، ويقل نشاط الإنسان وميله نحو الصلاة والأنس بالله والمناجاة. لذلك يقول الإمام عليه السلام: "وتخلى من الهموم إلا هماً واحداً انفرد به".
بناءً على تعاليم القرآن، الله تعالى هو الهدف والمقصد النهائي. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (الانشقاق: 6).
وقد خاطب الله تعالى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة المعراج: "يا أحمد، اجعل همك هماً واحداً فاجعل لسانك واحداً واجعل بدنك حياً لا تغفل أبداً من يغفل لا أبالي بأي وادٍ هلك"1.

فالذي لا يلتفت إلى غير الله، والذي يكون هَمّ الدنيا لا قيمة له عنده، يكون قد أخلى قلبه من هذه الأمور؛ لأنه يعتبر ذلك مانعاً أمام وصوله للمقصد النهائي. أما عندما يرى الإنسان نفسه في رحاب رضوان الحق، عند ذلك يخرج القلق من قلبه ويمتلئ بالسرور والفرح لأنه وضع قدمه داخل جنة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (فصلت: 30-31).


1- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج77، ص29.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع