أخلاقنا: بيوتٌ تـحــيـا فيــها المحبّة(1)(*) من القلب إلى كلّ القلوب: نتاج بيت الوحي والرسالة احذر عدوك: أولادي في خطر (1) البرزخ بين ناجٍ وهالك برّوا موتاكم بـــرزخ الشــهداء الجامعات الإيرانيّة متفوّقة في العالم الإسلاميّ فنلندا تحوّل فضلات الحيوانات إلى طاقة كهربائيّة مرآة ذكيّة في الأسواق الإيرانيّة الأبناء ضحايا الطلاق

نور روح الله: الاستقبال القلبيّ في الصلاة(*)



إنّ استقبال القبلة أو الكعبة في الصلاة أمرٌ واجب لا تصحّ الصلاة بدونه. وهذا التمركز أو التوجّه إلى مكانٍ واحد أو نقطة محدّدة، التي ترتبط في معناها بالله تعالى، يعلّمنا أن نوحّد توجّهنا العام في الحياة كلّها. ولئن كنّا نعلم كيفيّة الاستقبال بالبدن، فما الاستقبال بالقلب؟

•باطن الاستقبال وسرُّه
اعلم، أنّ ظاهر الاستقبال متقوّم بأمرين: أحدهما المقدّمي، وهو صرف الوجه الظاهر عن جميع الجهات المتشتّتة، والآخر النفسيّ، وهو الاستقبال بالوجه إلى الكعبة أمّ القرى ومركز بسط الأرض، ولهذه الصورة باطن، وللباطن سرّ، بل أسرار.

•درجتا الاستقبال
أ- استقبال المجذوبين: وأصحاب الأسرار الغيبيّة، يصرفون باطن الروح عن الجهات المتشتّتة لكثرات الغيب والشهادة، ويجعلون جهة سرّ الروح أحديّة التعلّق، ويجعلون الكثرات جميعها فانية في سرّ أحديّة الجمع. فإذا تنزّل هذا السرّ الروحيّ في القلب، يظهر الحقّ في القلب بظهور الاسم الأعظم الذي هو مقام الجمع الأسمائيّ، وتفنى الكثرات الأسمائيّة وتضمحلّ في الاسم الأعظم، وتكون وجهة القلب في هذا المقام إلى حضرة الاسم الأعظم. فإذا ظهرت هذه عن باطن القلب إلى ظاهر الملك، فينتقش إفناء الغير في الانصراف عن غرب عالم الملك وشرقه، وينتقش التوجّه إلى حضرة الجمع في التوجه إلى مركز بسط الأرض الذي هو يد الله في الأرض.

ب- استقبال السالكين: أمّا بالنسبة إلى السالك الذي يسير من الظاهر إلى الباطن، ويترقّى من العلن إلى السرّ، فلا بدّ له من أن يجعل هذا التوجّه الصوريّ إلى مركز البركات الأرضيّة وترك الجهات المتشتّتة المتفرّقة التي هي الأصنام الحقيقيّة، ويتوجّه إلى القبلة الحقيقيّة التي هي أصل أصول بركات السموات والأرض، ويرفع رسوم الغير والغيريّة، حتّى يصل شيئاً ما إلى سرّ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (الأنعام: 79)، ويحصل في قلبه أنموذج من تجلّيات عالم الغيب الأسمائيّ وبوارقه، وتحترق الجهات المتشتّتة والكثرات المتفرّقة ببارقة إلهيّة، ويؤيّده الحقّ تعالى، وتحطّم الأصنام الصغيرة والصنم الأعظم عن باطن القلب بيد الولاية.

•في بعض الآداب القلبيّة للاستقبال
1- تصديق الادّعاء: اعلم، أيّها السالك إلى الله، أنّك إذا صرفت وجهك الظاهر من الجهات المتشتّتة لعالم الطبيعة، وتوجّهت إلى نقطة واحدة، فقد ادّعيت فطرتين من الفِطَر الإلهيّة.

وهاتان الفطرتان الإلهيّتان؛ إحداهما هي التنفّر عن النقص والناقص، والثانية هي العشق للكمال والكامل. والأوّل أصليّ ذاتيّ، والثاني تبعيّ ظلّيّ، من الفطر التي خُمرت بها عائلة البشر جميعها، ومن دون استثناء.

ففي جميع سلسلة البشر هاتان الفطرتان مخمّرتان، وإن كانوا محجوبين عنهما، ويختلفون في تشخيص الكمال والنقص، والكامل والناقص. فذاك المتوحّش السفّاك الفتّاك القتّال، يرى الكمال في أن يغلب على نفوس الناس وأعراضهم، ويرى السفك والقتل كمالاً، فيصرف فيه عمره. وذاك الطالب للدنيا، الطالب للجاه والمال، يرى الكمال بالمال والجاه ويعشقهما.

وفي هذا المعجون الإلهيّ؛ أعني الصلاة التي هي معراج القرب الإلهيّ، فإنّ الاستقبال إلى القبلة والتوجّه إلى النقطة المركزيّة، ورفع اليد، وصرف الوجه عن الجهات المتفرّقة، هو ادّعاء بأنّ الفطرة قد تيقّظت وخرج نورها عن الاحتجابات. وهذا الادّعاء حقيقيّ بالنسبة إلى الكُمَّل وأصحاب المعرفة. وأمّا بالنسبة إلينا أصحاب الحجاب، فأدبه أن نُفهِّم القلب أنّه لا كمال ولا كامل في جميع دار التحقّق سوى الذات المقدّسة الكاملة على الإطلاق، فإنّ تلك الذات المقدّسة كمالٌ بلا نقص، وجمالٌ بلا عيب، وفعليّةٌ بلا شَوب القوّة، وخيرٌ بلا اختلاط بالشرّ، ونورٌ بلا شَوب ظلمة.

2- تفهيم القلب: إذا فهّمت قلبك بطلان جميع دار التحقّق، وفهّمته كمال الذات المقدّسة، فلا تحتاج في توجّه القلب إلى القبلة الحقيقيّة والعشق لجمال الجميل على الإطلاق والتنفّر من جميع دار التحقّق سوى جلوة الذات المقدّسة، إلى إعمال رويّة، بل فطرة الله بنفسها تدعو الإنسان إليه بالدعوة الجِبِلّيّة الفطريّة، وتكون ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (الأنعام: 79) لسان ذات الإنسان وقلبه وحاله، و﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ (الأنعام: 76) لسان فطرته.

فتلك الذات المقدّسة، كما أنّها متفرّدة بالألوهيّة ووجوب الوجود، متفرّدة بالجمال والبهاء والكمال أيضاً، بل متفرّدة بالوجود.

•وصيّة الإمام عليه السلام للمحجوبين
وصل عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "إذا استقبلت القبلة، فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك عن كلّ شاغل يشغلك عن الله تعالى، وعاين بسرّك عظمة الله تعالى، واذكر وقوفك بين يديه، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ (يونس: 30)، وقِفْ على قدم الخوف والرجاء"(1).

وهذا الدستور الشريف دستور جامع لأمثالنا المحجوبين الذين لا نستطيع أن نحافظ دائماً على حالات قلوبنا ونجمع بين الوحدة والكثرة ونتوجّه إلى الحقّ والخلق. فحينئذ لا بدّ لنا أن نيأس من الدنيا وما فيها عند التوجّه إلى الحقّ واستقبال القبلة، ونقطع طمعنا عن الخلق وشؤونه، ونخرج من روحنا وقلبنا المشاغل القلبيّة والشواغل الروحيّة لنصير لائقين للحضور في الحضرة، ويتجلّى في سرّ روحنا جلوة من جلوات العظمة. فإذا وجدنا نور العظمة على مقدار استعدادنا، نتذكّر رجوعنا إلى الحقّ ووقوفنا في محضره المقدّس.


(*) مقتبس من كتاب: الآداب المعنويّة للصلاة، الباب الخامس: في بعض آداب الاستقبال، الفصل الأوّل (بتصرُّف).
(1) المحجّة البيضاء، الفيض الكاشانيّ، ج1، ص382.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع