الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

الشهيد المجاهد حسن إلياس فخر الدين (هادي)

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: سهام بدر خان
محل وتاريخ الولادة: كرك نوح 01/08/1978
رقم السجل: 10
تاريخ الاستشهاد: راميا 23/08/1997
الوضع العائلي: خاطب

عاد، ابن التسعة عشر ربيعاً، عريساً تكلله الورود والدموع، فارتفعَ صوت التكبير في المسجد، وقرعت أجراس الكنيسة، ونُصبَت أفراح العزة بين بيوت الكرك، ودموع الفقد المنهمرة من المآقي امتزجت مع تعابير الفرحة والابتسامات، فمن كان مثل حسن فخراً للدين، تتطاول الأعناق به فخراً حتى السماء.

* من عديد الاستشهاديين
هناك بالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة حيث عيون العدو تلمعُ بين ستائر الظلمة، كان يمشي ومجموعة من المجاهدين، وحينما وصلوا إلى نقطة لم يستطيعوا منها العبور، وصار البقاء فيها مستحيلاً، اتخذوا قرار الثبات والاستشهاد، ولكن حسناً نظر إليهم وقد أضاءت بسمته وحشة المكان؛ "ارجعوا.. أنا أصغركم سناً، ولا عيال لي.."، فلم يقبل أحد منهم ذلك، ولكنه ذكّرهم أنه من عديد سرايا الاستشهاديين، وإن كان لا بدّ من مواجهة فليكن وحده، وهذه فرصته... وبعد أن تم التوافق على عودتهم وبقائه كان أول ما قام به، بعد أن أداروا ظهورهم، أن صلّى صلاة الشكر لله تعالى، وبقي وحده يحرسُ رحيلهم، ويراقب هدأة الليل التي سرعان ما مزّقها صوت رصاص قوّة كوماندوس إسرائيلية.

* قد سقي من ماء الكوثر
كان المجاهدون يعودون والدّموع قد بلّلت خدودهم. وصوت الرّصاص الكثيف يُظهر أن العدو يشتبك مع مجموعة من الرجال، وليس مع شابٍ واحد. وحينما بلغ المجاهدون مكاناً آمناً وتحدّثوا معه على الجهاز، قال لهم إنه لا يزال يحمل مخزناً واحداً، ولكنّ العطش قد فتك بكبده، وأوهن قوته. فما كان منهم إلا أن أرشدوه إلى نهرٍ قريب، فركض ناحيته، ليسقي ما يزيد من قوته على الأعداء، وقبل أن يصل إلى النهر، أصيب وارتفعت روحه إلى بارئها، عطشان وقد سُقي من ماء الكوثر.
أُسرَ الجثمان، وحينما عاد بعد ما يقارب الثمانية أشهر، كان لا يزالُ وكأنه غفا البارحة، كان وجهه هادئاً ساكناً، وفي فمه نواة لحبّة تمرٍ كان قد وضعها في فمه ليخفف من حدة العطش.

* في كنف أب مقاوم
إنه حسن فخر الدين، ابنُ قرية كرك نوح، الذي عاش وأخوه في كنف أبيهما، الذي كانت مقاومة العدوّ شُغْلُه الشاغل، وسرعان ما استشهد وحسن لا يزال في الثالثة من عمره.
كانت الجدة هي الأم والأب. ورفَدَ الأعمام والعمات الولدين بكل محبّة واهتمام، ولكن حسناً لم يكن تربية بيت جدته فحسب، بل انتقل ليعيش في البيئة الأولى التي احتضنت المقاومة، فهناك هدأ روعه، وغمرت الراحة قلبه، ذلك القلب الذي عاش بين جدران الحزن والصمت.
في السادسة من عمره، التحق حسن وأخوه بكشافة الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتدرّج في صفوفها حتى صار قائداً. كان يقرعُ الطبل في الفرقة الموسيقية، فإذا ما شارك في مسيرة، اختار مكان وقوفه ومسيره بحيث لا تراه جدته، كي لا تمانعه. فهي بالكاد تسمح له بالدروس الثقافية. وكانت إذا ما افتقدته في المنزل علمت أنه في المسجد، حيث يقضي معظم أوقاته. وفي بعض الأحيان كان يهرب من رقابتها ليلتحق بالمسيرات المؤيدة للثورة، ويحمل صورة الإمام الخميني قدس سره وهو لا يزال صغير السن.
لقد كانت الجدّة تخاف عليه كثيراً، وتتابعه من مكان إلى مكان خوفاً عليه. فمن ناحية هي تحبه وقلبها متعلق به، ومن ناحية أخرى، هو يتيمٌ في أمانتها، ولذا بالغت في الاهتمام به. ولكنها، في نهاية الأمر، سلّمت للأمر الواقع. فحسن لم يترك لها خياراً، سوى أن ترفع يديها بالدعاء له ولرفاقه.

* العمل التعبوي ثم المقاومة
قضى حسن عمره الصغير في القرية. وكان لا يهتم بشيء، سوى بالعمل التعبوي قبل أن يخضع لدورات عسكرية سمحت له بالتفرغ في صفوف المقاومة. فالصبيُّ الهادئ الطّباع، تراه كالبلبل يغزلُ في شوارع القرية. تارةً يعلّق اللافتات، وأخرى يرتب المسجد، وطوراً يساعد في تنظيم مسيرة، وفي أغلب الأحيان كان بصوته الرقيق يبحر ومن معه في المسجد إلى عالمٍ آخر وهو يقرأ دعاءَي كُميل والتوسل.
كان الشهيد هيثم أبو ديه أستاذ حسن في المشروع الجهادي، وعمل على تأهيله في الكثير من الأمور الثقافيّة والاجتماعيّة والتعبويّة في البلدة، لأنه رأى فيه لَبِنَة صافية وأرضيّة طاهرة سرعان ما سيربو فيها ما تمّ زرعه، وكأن الشهيد هيثم استشرف فيه مجاهداً مقداماً، فكان حسن يرافق هيثم كظله.
عندما استشهد شقيق الشهيد هيثم، وقف ليلطم في تشييع أخيه، ثم أكمل حسن اللطمية، فكان في المشهد ثلاثة شهداء كل واحد تعلّم من الآخر معنىً في حب الله والسعي للقائه. وسبق التلميذ أستاذه، إذ استشهد هيثم بعد حسن بخمسة أشهر ثم عاد جثماناهما في عملية التبادل ذاتها.

* على وجهه علامات الشهادة
حينما تقدم حسن بطلب التفرغ في صفوف المقاومة، كتب أحد العلماء على الطلب : "هذا الشاب على وجهه علامات الشهادة". ولم يلبث حسن أن نال الشهادة بعد ثمانية أشهر فقط على قبول طلب التفرغ.
عُرف حسن بدقة اهتمامه في الأمور الشرعية، وأنه لا يراعي أحداً، مهما كان قريباً منه، حتى ولو بمسألة صغيرة جداً فيها غضب لله. وكان حسن قد وقع تحت حرص جدّيه الشديد عليه وعلى أخيه، فكانت الرقابةُ مشددة عليهما، خاصة وأنه اتخذ من طريق الجهاد مسلكاً له، فكان يحدّث جدته أنّه يعمل في مطعم في بيروت، فيما كان ينتظر كي يؤذن له بالمشاركة في مهمات جهادية. وأحياناً أخرى يطمئن بالها بقوله إنه في المحاور يقوم فقط بخدمة المجاهدين.
أثناء وجوده في المنزل، كان يلتقي ورفاقه على السطح، ويحاول إكرامهم بكل طريقة لا تسبب إزعاج جدّيه. ثم ينظف كل شيء قام باستخدامه، ويعيد كل شيء إلى طبيعته السابقة.

* التضحية لأجل المقاومة
عقد حسن قرانه، وفرحت جدته بذلك كثيراً، فربما أخذ التفكير بتأسيس البيت الزوجي اهتمام حسن، ودفعه للعمل. ولكن حسناً الذي اختار الجهاد عملاً، لم يترك ساحة المعركة، لا بل وفضّل التضحية بروحه من أجل مصلحة المقاومة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع