قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

الشهيد المجاهد حسن محمد شمص‏

نسرين إدريس‏

 



الشهيد المجاهد حسن محمد شمص‏ (العسكري)
اسم الأم: حليمة ناصيف.
محل وتاريخ الولادة: بعلبك 1964-10 - 15.
الوضع العائلي: متأهل وله ولدان.
مكان وتاريخ الاستشهاد: تومات نيحا 1996 - 6 - 13.

في تلك الغرفة الصغيرة ذات الجدران الطينية، في قرية "بوداي" البقاعية، عرف الشهيد حسن شمص معنى السعادة الحقيقية في الدنيا، ونهل منها زاده للآخرة قناعةً أورثته السؤدد الخالد. كل من كان ينظر إليه كان يستغرب تلك البسمة التي لم تفارق وجهه، حتى في أصعب المواقف كان يلوي رأسه مبتسماً متسائلاً عن سبب واحد يستحق أن يحزن الإنسان لأجله! "علامَ يتسابق الناس؛ على أجمل بيتٍ أو أفخم سيارة؟! وحري بهم أن يتسابقوا على القبر الأكثر راحة والأوسع مكاناً!" وترتسم ابتسامة السخرية على شفتيه وهو ينظر إلى الناس اللاهثة وراء الدنيا ولا ترضيها نقاط الوصول..

حسن شمص من الناس الذين كتب الله لهم ولادتين في الدنيا، فها هو في العام 1982 يولد من جديد، ويتغير مسير حياته ومصيره، كأن الاجتياح الصهيوني للبنان حوى بين طياته الألطاف الإلهية للشبان الذين كانوا يتربصون بلحظة تنتشلهم من دائرة الحياة ليصبح مسيرهم هو مصيرها.. فإبان الاجتياح الإسرائيلي التحق حسن بالمجاهدين الذين تصدوا للعدو الغاصب، غير آبهٍ بالنتائج المترتبة على هذا الالتحاق، كل الذي رآه في تلك اللحظة هو انعكاس واضح للرجل الذي بحث عنه دائماً في داخله. صارت المقاومة الإسلامية كل حياته، وكلما زادت ضريبة خياره، كلما تمسك بالنهج المقاوم أكثر، فما عاد يأنس إلا بالرصاص، وحوّل علاقاته بالناس من الاجتماعية البحتة، إلى نهضة تعبوية أدت إلى التحاق العديد من الشبان بصفوف المقاومة. مع الأطفال الصغار هو الأب الرؤوم، ومع كبار السن الابن البار، فهذه القدرة على التواصل القلبي والفكري والإنصات للآخرين وصبره الطويل وتفهمه العميق، كل ذلك أهَّله ليصبح في الموقع المؤثر، ما جعله يحمل الكثير من الهموم والمشاكل التي سعى بكل إخلاص وطيبة لحلها ومساعدة أهلها. بعد قضاء سنوات عديدة في الإعداد والمشاركة للعمليات العسكرية، طُلب إليه الانتقال من المحاور إلى صفوف التدريب، كانت لحظات انتقاله من أصعب المواقف وأشدها عليه، وشعر حينها أن قلبه توقف عن النبض، فلم يتخيل نفسه يوماً واحداً بعيداً عن المحاور، حتى عندما كان يعود إلى منزله كان جل حديثه عن الجهاد وأهميته، ولكنه التزم بما أوكل إليه وسعى جاهداً للعودة إلى القتال المباشر.

من قرية "بوداي" حيث سكن وزوجته وولديه في غرفة طينية قديمة مطبخها خارجي، تتعرش بأحد جدرانها دالية، انطلق العديد من الإخوة المجاهدين للمشاركة في عمليات مختلفة، فتلك الغرفة كانت محط الالتقاء والراحة، حيث خدم المجاهدين بسعادة عارمة. وأكثر ما كان يثير حفيظته استهتار بسيط بممتلكات المقاومة حتى وإن كانت ورقة بيضاء صغيرة! أطلق أهل القرية عليه لقب "سارق الأولاد"، ذلك أن الأولاد في عمر المراهقة والشباب كانوا يتركون بيوتهم ويبقون معه، فلقد اعتبروه الوالد والصديق والقائد والمثل، وقد أجاد الشهيد تربية جيل يحمل الإيمان القوي والعقيدة الراسخة واليقين بأن النصر الإلهي للإنسان هو الجهاد والسعي للشهادة. تعرض للإصابة ثلاث مرات، وفي كل مرة ادعى أنه تعرض لحادث سير، ولم تعرف إصاباته إلا بعد استشهاده، وقد نال العديد من الأوسمة والتنويهات، وكان من أبرز المتصدين للعدوان الصهيوني في حربي تموز ونيسان.. وإذا كان يعاشر الناس جميعهم بالحسنى والأخلاق العالية، فإنه خدم ورعى عوائل الشهداء بأشفار عينيه، ولطالما ردد أنه "مهما قدمنا لعوائل المجاهدين والشهداء فإن التقصير سيبقى سمة ما قمنا به"، أما عن المجاهدين فأكد أن "لا شي‏ء يمكن أن يفصح عن حقيقة جوهر المرء سوى موقفه في اللحظات الصعبة التي يقدّم فيها حياته في سبيل الله".

حافظ الشهيد حسن على تجديد وصيته كل فترة، وكان يدعو الله بكل جوارحه أن يرزقه شهادة مباركة، وواظب على قراءة دعاء العهد وزيارة عاشوراء ودعا كل رفاقه للالتزام بقراءتهما يومياً. وعندما مرضت زوجته نذر لشفائها زيارة للإمام علي الرضا عليه السلام، وعندما شفيت وفيما حملت أغراضها للانطلاق صوب المرقد، وقف حسن أمامها وأخذ منها عهداً أن تدعو له بأن يرزقه الله الشهادة. وفي مقام الإمام عليه السلام لهجت شفتاها بالدعاء دون أن تدري من أين جاءت هذه القوة لقولها، على الرغم من أن صحتها انتكست إثر ذلك جداً لأنها شعرت بقلبها أن الله سمعها واستجاب لها ما دعت به لحبيبها. لم تعد أيام العمل كما سبق، فحسن دائماً مشغول البال، ولم يعد هناك وقت محدد لعمله. وعند عودته من عمله في المرة الأخيرة كان نهار الثلاثاء، قطف أوراق الكرمة بيديه لتطهوها زوجته له نهار الجمعة عندما يعود، وكان من عادته كل نهار جمعة أن يزور المقامات المقدسة في البقاع ويصلي صلاة الظهر في مقام السيدة خولة عليها السلام ابنة الإمام الحسين عليه السلام. بقي طوال ليلة الأربعاء يحدّث زوجته عن مسيرة الجهاد والمقام الرفيع للشهادة وكيف يتحول الموت لدى الإنسان العاشق منية يسعى إليها بكله ولا يتوانى للحظة واحدة عن التفكير بها والسعي لتحقيقها. عندما غادرها نهار الأربعاء مشت معه إلى أن صعد إلى السيارة وغاب عن ناظريها إلى الأبد حيث كان استشهاده في اليوم التالي أي نهار الخميس، وحكى من شاهده أن آخر جملة قالها كانت: "التومة - أي موقع تومات نيحا - سيجلب آخرتنا". توجه إلى موقع تومات نيحا مع أحد المجاهدين في مهمة رصد واستطلاع، وعلى طريق العودة، انفجرت بهما عبوة ناسفة، فجرحا، وفقد رفيقه بصره، فيما أصيب هو إصابات بالغة ولكنهما لم يفقدا الوعي. حمله رفيقه على ظهره وصار حسن يدله على الطريق. كانت خيالات الصبح الأخير تلوح لناظري المجاهد الذي انطفأ نور عينيه كلياً وهو يسمع من بعيد صوت حسن يترنم بشهادة الموت حتى خبا صوته الملائكي.

"رحلت يا شهيد العبرات الطاهرة، فخلفت بعدك دياراً حزينة وأيتاماً وفقراء.. سألوا عنك وعن يديك اللتين كانتا تعينهم، وعن قلبك الذي كان يحن عليهم"؛ كلمات لهج بها لسان ولده بلال وهو يذكر والده بكل فخر. من وصيته: لا تتركوا الجهاد ضد الظالمين الذين يسلبون حقوق المستضعفين، كونوا علويين تفدون بعضكم بعضاً كما فعل إمامنا علي عليه السلام عند نومه في فراش الرسول صلى الله عليه وآله ولا تنظروا إلى حطام الدنيا التي طلقها علي عليه السلام.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع