مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

اللَّطم: المشروعيّة والحدود الفقهيَّة

الشيخ مالك وهبي‏

 



اللطم هو الضرب على الوجه أو صفحة الوجه والرأس والصدر بالكف أو القبضة. ونحن نكتفي بهذا المقدار من التعريف اللغوي اعتماداً على ما ورد في المقالات الأخرى التي أجادت في بيانه ونعطف الكلام إلى موضوع البحث. يذكر الفقهاء في بعض أبواب الفقه الخدش وشق الثوب عند العزاء والحزن، حيث اشتهرت حرمة ذلك عندهم سابقاً، هذا على نحو الإجمال، أي من حيث التأسيس للقاعدة الفقهية الأولية بعيداً عن موضوع كربلاء. هذا الموضوع الذي كان من شبه المسلمات أعيد فتح بابه للنقاش من خلال إعادة النظر في أسانيد الروايات التي اعتمد عليها القائلون بالحرمة خاصة مع النقاش المستمر أصولياً في جابرية الشهرة لضعف السند وعدمه.

* إجماع على خصوصية الإمام الحسين عليه السلام
جميع الفقهاء سواء القائلون بالحرمة وغيرهم اتفقوا على جواز اللطم والجزع على سيد الشهداء عليه السلام "كل جزع مكروه إلا على الحسين عليه السلام". فالجزع وقلة الصبر وما قد يظهر منه نحو اعتراض على إرادة اللَّه تعالى وعدم التسليم لأمره لا يشمل مورد البكاء والجزع على الإمام الحسين عليه السلام، وقد ذكر السيد الجزائري قدس سره في "التحفة السنية" والسيد الخوئي قدس سره في بعض أجوبته توجيهاً لذلك مفاده: عندما يكون اللطم لإظهار الشعائر الحسينية والترويج لها يكون خارجاً موضوعاً عن تلك الروايات (لأنها لا تكون اعتراضاً وإنما عملاً مستحباً مطلوباً).

* بين المنهج الفقهي والمنهج التاريخي‏
لقد وردت روايات كثيرة حول أحداث كربلاء وما تلاها، هذه الأحداث مفيدة من الناحية التاريخية لأنها ترسم صورة تقارب ما جرى بالفعل في ذلك اليوم إلا أنها لا تكفي فقهياً للاستدلال فهي تواجه مشكلة الأسانيد. نعم نستطيع الاستدلال بالرواية المعتبرة عن الصادق عليه السلام: "كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين عليه السلام" واللطم من مصاديق الجزع، فقد ورد عن الباقر عليه السلام في جواب من سأله ما الجزع؟ فقال عليه السلام: "أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدور وجز الشعر". وهناك روايات أخرى كرواية كامل الزيارات "إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين فإنه فيه مأجور".

* رجحان اللطم ضمن العناوين العامّة
يرى العلماء أمثال كاشف الغطاء قدس سره والسيد الخوئي قدس سره وغيرهما أن رجحان اللطم يمكن استفادته من العناوين العامة التي وردت في روايات كثيرة، وإن لم يرد بعنوانه فيها. ومن هذه العناوين:
1- الترويج لأهل البيت عليهم السلام.
2- إحياء ذكرى عاشوراء وإبقاؤها حية في النفوس.
3- إظهار الجزع على الحسين عليه السلام كما ورد في المعتبرة.
4- إظهار مظلومية آل النبي صلى الله عليه وآله.
وهذه العناوين معترف بها فقهياً وتوجب رجحان متعلقاتها ومنها اللطم.

* السيرة التاريخية
ورد من جملة وقائع كربلاء أن أهل البيت عليهم السلام بعد عودتهم من السبي التقوا مع جابر الأنصاري وجمع من بني هاشم، يقول ابن طاووس في تصوير المشهد: "فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم". هذا اللقاء العفوي والطبيعي رافقه رد فعل شعبي عام تمثل باللطم وهذا الأمر كان متعارفاً في العصور المختلفة وقد كان على مرأى ومسمع من الأئمة عليهم السلام الذين لم يردعوا عنه كما ردعوا عن الجزع واللطم والتفجع على الأخ والأب والقريب. ويمكن أن نستكشف من ذلك سيرة متشرعة ممضاةً من الأئمة عليهم السلام، وهي قد تصلح دليلاً على الجواز بل الاستحباب بضم الأدلة المتقدمة وبعد التتبع التاريخي المعمق لإثبات هكذا سيرة.

* ماذا عن التطبير؟
ما تقدم كان البحث بطريقة نصّية أما إذا أردنا معالجة الأمر من جهة الإباحة والحرمة فإن اللطم يقع تحت عناوين الإباحة المتقدمة وهذا لا ينطبق على التطبير (وهو جرح مقدم الرأس واللطم عليه كما هو متعارف في أماكن متعددة)، فإن كثيراً من علمائنا كالسيد الخوئي قدس سره والميرزا جواد التبريزي لا يعترفون به مظهراً من مظاهر الجزع أو الحزن على الأئمة عليهم السلام، بعيداً عن بحث الحليّة والحرمة. وبحث هذا الأمر قد يجرّنا إلى الكلام حول موجبات الحرمة في اللطم والتطبير على حدٍّ سواء وهي على قسمين:

1- قاعدة لا ضرر ولا ضرار: والسؤال المطروح هنا هل كل ضرر في الإسلام حرام أم أن هناك مستوى من الضرر هو المحرم وهو ما يعبر عنه بالضرر المعتد به عند العقلاء أو الضرر المؤدي إلى قتل النفس أو تشويه الجسد أو قطع الأعضاء؟
المعروف أنه ليس كل ضرر محرم فقهياً وإنما المحرم هو الضرر الذي لا يمكن تداركه وما يعتد به عند العقلاء كما عليه سماحة القائد الخامنئي حفظه المولى.

2- توهين المذهب: اتفق العلماء على حرمة ما يؤدي إلى توهين المذهب سواء أكان لطماً أم غيره، إلا أن النقاش يبقى في المصاديق، ما هو الموهّن وما هو غير الموهّن؟ فيعود الأمر إلى التشخيص.
هنا نوعان من التشخيص، بعضها شخصي تشخصه بنفسك فيحرم عليك أو يحلّ بناءً لتشخيصك وبعضها عام اجتماعي، كما لو لاحظ الولي الفقيه ظاهرة اجتماعية ورأى بأنها ذات ضرر على المذهب، وباعتبار أن الولي هو الحامي للمذهب وهذا من شؤون ولايته، وحتى لو كان هذا المظهر مباحاً بالعنوان الأولي فللولي أن يحكم بحرمته، فإذا حكم ينفذ حكمه كما هو الحال في باب الولاية عموماً. لكن اللطم لا يبدو بعنوانه كلطم فيه هذه المحاذير ولا موجب للتوهين، بل على العكس فإنه يشدّ الانتباه ويجعل الناس يتساءلون ما هو الموجب لهذا الجزع والحزن، أيّ مصيبةٍ ألمّت بهؤلاء القوم ليفعلوا هذا؟! ما يبدو هو أن اللطم عنوان يوجب الترويج لا التوهين، وهذا بحث يحتاج إلى تدقيق.

* المواساة!
يحاول البعض إضافة عنوان جديد وهو مواساة أهل البيت عليهم السلام في كل ما جرى عليهم في كربلاء. بحث المواساة ليس محدد الأطراف والمعنى بشكل دقيق فهو بحث ضائع. نحن نلاحظ مثلاً إمامنا زين العابدين عليه السلام لم يسغ له الماء والطعام من شدّة حزنه مدة طويلة من الزمن، وكان ذلك بهدف رسالي. هنا يكون اللطم مواساةً لهم عليهم السلام لأنه يؤدي هذا الدور، كما نحاول أن نعيش بعض ما عاشوه عليهم السلام، إلا أن هذا يحتاج إلى رسم دقيق جداً، لماذا؟ قد يأتي شخص ليقول: أنا أريد أن أقتل نفسي كما قُتِل الإمام الحسين عليه السلام! هل علينا أن نأتي بكل ما يشابه حالهم عليهم السلام، أو هل كل تشبّه مواساة؟ نعم الحق هو أن نُقتل في معركة كما قتل الإمام الحسين عليه السلام، أن نسلك ما سلكوا عليهم السلام من الجهاد، لا أن نستحسن أي مظهرٍ لنشرعه تحت عنوان المواساة.

* شبهة منع العقيلة عليها السلام عن اللطم في كربلاء
قد تثار شبهة مفادها أن الحسين عليه السلام منع العقيلة زينب عليها السلام من اللطم يوم عاشوراء. على فرض ثبوت الواقعة فعلاً، فإن هذا النهي كان لحيثيةٍ آنيةٍ مرتبطة بشماتة الأعداء وإظهار التماسك المطلوب وإبراز روحية الانتصار وليس هذا توجيهاً نحو رفض أصل المطلب، بل حيثية العناوين العامّة المتقدّمة توجّه نحو الحث على اللطم لا النهي عنه.

* الخلاصة:
ما يمكن أن نخلص إليه هو رجحان اللطم شرعاً بناءً للاستحباب المستفاد من العناوين العامة والروايات المعتبرة والمعتضدة بالسيرة المتشرعة الممضاة من الأئمة عليهم السلام. بناءً عليه، علينا أن نحفظ باللطم الخصوصيات المأخوذة في العناوين المتقدم ذكرها بحيث يكون اللاطم في حالة جزع وحزن لا غيرها. وهكذا يصبح الجانب التربوي والتأديبي مقياساً لكيفية ممارسة اللطم. كما أنه لا بد من رسم سقف بحيث لا يخرج فيه اللطم إلى التوهين المحرّم أو الضرر المحرم، بل يبقى في إطار الترويج ولفت الأنظار إلى تلك الملحمة الكبرى التي تجاوزت حجب العصور لتلهب قلوب المؤمنين في كل زمان.

وأخيراً علينا أن نراعي حقيقة تغيّر الأعراف في تشخيص الأصلح ولا نحتج بعرفٍ سابق لإسقاطه على ما نحن فيه، لأن عنوان التوهين - مثلاً - ليس من العناوين الثابتة بل هو متغيّر بتغير الزمان والمكان، وبذلك نؤكد رسالة عاشوراء التي سعت إلى تغيير العناصر الحاكمة في ثقافة الزمان حتى تنسجم مع قيم الإسلام الأصيلة المتمثلة بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع