الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

عندما يهتزّ العرش

تحقيق: نقاء شيت


"أبغض الحلال إلى الله الطلاق". لعلّها العبارة المثلى التي نستهلّ بها تحقيقنا هذا حول الطلاق، وأسبابه، ونتائجه على الأولاد والزوجين، وهي حديث للرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، يُظهر أنّ فعل الطلاق على رغم حلّيّته، إلّا أنّ الله يبغضه. وإن وُجِد سبب لهذا البغض، فهو ما يترتّب عليه من نتائج على الأولاد والزوجين. في هذا التحقيق، سنقف عند بعض هذه الأسباب والنتائج من خلال مقابلة مع مدير مكتب الوكيل الشرعيّ في لبنان سماحة الشيخ محمّد توفيق المقداد، في مناقشة واستعراض بعض الحالات التي عاينوها، ورأي الأخصائيّة في علم النفس التربويّ والعلاجيّ علا البيطار، حول هذه الظاهرة، مضافاً إلى رأي المحامي وجيه زغيب من الناحية القانونيّة.

•في سبيل الإصلاح
يبدأ الشيخ المقداد حديثه بأنّ "أولويّة المكتب هي الإصلاح بين الزوجين دائماً، ولا يلجأ إلى الطلاق إلّا في حالاتٍ مستعصية جدّاً، لا تتعدّى خمس أو ستّ حالات في السنة، وغير ذلك فهو يحيل أمر الطلاق إلى المحاكم الشرعيّة". ويكمل ليقول: "إنّ الطلاق موضوع حسّاس جدّاً، يترتّب عليه تدمير الحياة الزوجيّة، خصوصاً عند وجود الأطفال، الذين يقع عليهم التأثير الأكبر من الناحية النفسيّة؛ لذلك، يحاول المكتب أخذ ضمانات من الزوجين لإعادة ترميم العلاقة، لكن في حال فقدان الثقة، يفقد المكتب الأمل بالترميم، فيحيل القضيّة إلى المحاكم الشرعيّة".

•من أسباب الطلاق
وفي الحديث عن أسباب الطلاق، يُرجعه الشيخ المقداد -بحسب غالبيّة الحالات التي تردهم- إلى أسباب، أوّلها:

1- الانفتاح السلبيّ: الذي وصل إليه مجتمعنا الحاليّ، في هذا الجيل الثالث (جيل الأحفاد)، حيث أصبحت المرأة أكثر تحرّراً، ولا تقبل وصاية الرجل عليها، ولا تعيره أيّ انتباه، خصوصاً إذا ما كانت تعمل خارج المنزل، فيترافق دائماً مع حديثها عبارة "أعمل وأصرف على المنزل مثلي مثلك".

2- عدم الانسجام: أمّا السبب الثاني فيتمثّل بعدم الانسجام الفكريّ، والروحيّ، والعاطفيّ بين الرجل والمرأة. ويعود السبب إلى أنّ الزوجين لم يعرف أحدهما الآخر جيّداً، فينتقلان لبناء أسرة دون أن يدرس كلّ واحد منهما شخصيّة الآخر.

3- متطلّبات الحياة: إنّ متطلّبات الحياة الزوجيّة التي لا يُتنازل عنها، تؤدّي إلى ضائقة ماليّة تدفع في نهاية المطاف إلى الطلاق. فعندما تطلب الزوجة بيتاً مكتملاً من جميع النواحي حتّى الكماليّة منها، مضافاً إلى سهرة العرس (التي لا تمتُّ اليوم إلى الالتزام والضوابط الدينيّة بأيّ صلة)، وما تكلّفه هذه السهرة من حجز صالة، وفستان، وتبرّج، وجلسات تصوير، وغيرها، كلّها تُراكم على الزوج ديوناً يتوجّب عليه دفعها بعد الزواج، فيدخل في ضائقة ماليّة كبيرة. كذلك الزوج عندما يرفع مستوى متطلّباته إلى السيارة المرفّهة والهاتف الغالي، فيعجز عن تأمين المصروف الضروريّ للعائلة، وهنا تتراكم المشاكل.

4- وسائل التواصل الاجتماعيّ: التي دخلت إلى كلّ منزل، فصار الزوجان يجدان ملاذاً للتسلية والتعارف خارج نطاق الزوجيّة. ومن هنا، يقول فضيلته: "إنّ الثقة هي الركيزة الأساسيّة لبناء أسرة، واستكمال الحياة الزوجيّة".

5- سوء المعاشرة: أضافت المرشدة التربويّة في مدارس المصطفى، د. علا البيطار، أسباباً أخرى للطلاق، تعود إلى تعدّد العلاقات الزوجيّة لبعض الرجال، مضافاً إلى التعنيف والحرمان من أبسط الحقوق الحياتيّة للزوجة والأبناء، والبخل.

6- تدخّل الأهل: يساهم أحياناً تدخّل الأهل سلباً في العلاقة بين الزوجين، ولا سيّما في حالة انعدام شخصيّة الزوج أمام أهله، وإن كانوا على خطأ، كما تساهم بذلك الزوجة التي تسمح لأهلها بالتدخّل دون وضع حدّ لهم.

•تعدّدت الأسباب.. والضحيّة الأطفال
عرضنا بعض الحالات، التي استقصينا عنها، على المرشدة التربويّة في مدارس المصطفى، د. علا البيطار، وأخذنا منها بعض النصائح لتجنّب وقوع الضرر على الأولاد بعد الطلاق. تقول: "حتّى في جميع الحالات التي تستلزم الطلاق، إنّ الأطفال سيتضرّرون، مثلاً عندما حاول أحد الأزواج منع الأمّ مراراً من رؤية ابنتها، صارت تراها عبر تدخّل الشرطة، ما انعكس سلباً على الفتاة، التي فقدت الثقة بنفسها وبمن حولها مدّة سبع سنوات، إلى أن استطاعت تجاوز الأمر لاحقاً، بعد أن كبرت".

•"أسوأ أمّ، أفضل حضن"
تقول السيّدة د. علا: "إنّ الأطفال هم الخاسر الأكبر، لذلك يجب دائماً إيجاد قواسم مشتركة ونقاط تواصل بين المطلّقين فيما يخصّ الأطفال؛ ليبقوا بعيدين كلّ البعد عن هذه الخصومات العائليّة. والأهمّ من ذلك كلّه، أن لا يحرّض طرفٌ الأطفال على الطرفِ الآخر، خصوصاً إذا ما دخل طرف ثالث على الخطّ (زوجة أب، زوج أمّ)". وتكمل المرشدة البيطار لتسند كلامها بعبارة لأحد علماء التربية: "أسوأ أمّ، أفضل حضن"، مشيرةً إلى أنّه مهما كانت الأم قاسية أو سيّئة، ستبقى هي الحضن الأدفأ، والأوفى، والأحنّ على أولادها.

•متى يكون الطلاق حلّاً؟
أمّا في الحديث عن قرار الطلاق، فالأمر -بحسب البيطار- يعود تقديره إلى المدّة الزمنيّة للمعاناة الأسريّة، وما مرّ بها من قساوة المشاكل الزوجيّة، ففي بعض الأحيان تمرّ على الزوجين سنة واحدة مليئة بالمشاحنات، كفيلة بنفاد صبرهما، وتؤدّي إلى الطلاق، وقد يحدث أحياناً أن يعيش الزوجان فترة عشر سنوات بوتيرة متقطّعة من المشاكل، تعلو تارةً وتهدأ أخرى، كفيلة بإمكانيّة استمرار الحياة الزوجيّة. وبعد هذا كلّه، على الزوجين أن يفكّرا قليلاً قبل الطلاق، ويتريّثا خصوصاً في حال وجود الأولاد.

•القانون والقضاء
في جولة على المترتّبات القانونيّة حال الطلاق، نجد أنّ المشاكل ربّما تبدأ معه ولا تنتهي. فمن ناحيته، يشبّه المحامي وجيه زغيب دور الطلاق بالعمليّة الجراحيّة، التي يلجأ إليها الزوجان إذا لم تُحلّ مشاكلهما بالعلاجات العاديّة، محدّداً الضحيّة الأولى الأطفال، حيث يكونون وسط خيبة من كِلا الوالدين غالباً.

ويذكر الأستاذ زغيب أنّ الطلاق ينقسم إلى نوعين: طلاق تراضٍ، ويكون عن صلح، حيث يكون الزوجان متّفقين على كلّ شروط الطلاق والمترتبات بعد الانفصال؛ من حضانة الأطفال، الرؤية، النفقة، وعليه لا يترتب مشاكل بعد الطلاق.

أمّا النوع الثاني فهو الذي يحدث بشكل نزاعيّ وخلافيّ بين الزوجين، بحيث لا يتّفقان على أيّ شيء، ويترتّب هنا كثيرٌ من المشاكل؛ كحضانة الأطفال، والرؤية، مضافاً إلى نفقة الأب على الأطفال وللزوجة حال عدّتها، والمهر المؤجّل. في هذه الحالة يلجأ الطرفان إلى القضاء الشرعيّ لحلّ تلك المشاكل، وتحديداً يتمّ اللجوء، بحسب المحامي زغيب، إلى دائرة التنفيذ لتنفيذ القرار وَفقاً لمضمونه، ويتمّ الاستعانة بالمخفر حيث يبقى المحضر مفتوحاً لتجديد الشكوى عندما يتطلّب الأمر.

وفي حال مخالفة قرار القاضي، تكون العقوبة على نوعين: غرامة ماليّة أو حبس؛ أو ما يسمّى بالحبس الإكراهيّ، حيث يوقف المخالف للقرار لامتناعه عن تنفيذ موجب قانونيّ، إلى أن ينفّذه.

وعليه، إنّ ما ينتظر المطلّقين بعد الانفصال الشرعيّ، هو ترتّبات كبيرة قانونيّاً، وشرعيّاً، وأخلاقيّاً أيضاً. ونقوم بتبيان ذلك؛ لكي يعيد الأزواج نظرهم في مشاكلهم، ما لم تكن جوهريّة تستدعي قضايا وإجراءات وأعباءً كبيرة، ربّما لا يحتاجون إليها في الحقيقة.

•نصائح وتوصيات
تختم د. علا البيطار لتقول: "من الأفضل أن يكون هناك نيّة صادقة دائماً بالإصلاح، ليتمّ التوافق بين الزوجين، وليرشد أحدهما الآخر، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، خصوصاً إذا ما كان العلاج المبغوض هو الانفصال الدائم والتامّ، ولنبني جيلاً قائماً على المحبّة، والتفاهم، والارتباط مع الشريك، وحافظاً للثقة، ومتسامحاً عند حدوث الخطأ".

كذلك يوصي الشيخ المقداد بإعادة ترميم البيت الزوجيّ قدر المستطاع، وترتيب الأولويّات الزوجيّة حفاظاً على الأسرة من خرابها، مضافاً إلى التخلّي عن المظاهر التي سرعان ما ستزول أمام ضمان استمراريّة الحياة الزوجيّة، وليكتشف الزوجان ذاتيهما من جديد، وليزيلا العوامل السلبيّة بينهما، وهذا الأمر يتطلّب صبراً من كِلا الطرفين.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع