الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ

السيّد بلال وهبي


قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21). كيف نظّم الدين الإسلاميّ العلاقة بين الزوجين؟ وكيف تعامل مع الخلافات الزوجيّة وقضيّة الطلاق؟

لقد حضّ الإسلام على متانة العلاقة الزوجيّة واستقرارها، فسَنَّ العديد من التشريعات التي تنظّم هذه العلاقة، وحدَّد لها حدوداً منع من تعدّيها، وجعل لها مجموعة من الآداب النفسيّة والاجتماعيّة، وغاص في النفس الإنسانيّة، فكشف عن عمق العلاقة التي تربط بين الزوجين، فجعلهما نفساً واحدة، ومشاعر واحدة، وبناها على أساسَين متينَين، أوّلهما المودّة، وثانيهما الرحمة.

•وحَكَمٌ من أهلها
قد تجمح النفس أحياناً، والمشاعر قد تتبدّد، والمودّة قد يزيلها عدم الانسجام الفكريّ والنفسيّ، والحبّ قد تقوى عليه المشاكل الطارئة؛ لهذا سنَّ الإسلام طرقاً للإصلاح بين الزوجَين، وقال إن الصلح خير من الخلاف، وأمر باللجوء إلى حَكَمٍ من أهل الزوجة وحَكَمٍ من أهل الزوج يَحْكُمان بينهما ويحلّان مشاكلهما إن أرادا الاستمرار في علاقتهما الزوجيّة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: 35). فالأمر مرهون بإرادة الزوجين تخطّي الخلاف وتجاوز المعوّقات، فإن هما أرادا ذلك، فالله موفّق بينهما، وهو وليّ التوفيق. والصلح خير من الخلاف.

•عندما يكون الطلاق حلّاً
قد يعجز الحكَمان عن اجتراح الحلّ ويخفقان في إصلاح ذات بَيْنِ الزوجين، وتزداد العلاقة سوءاً وتوتّراً، وتضطرب الأسرة ويعصف فيها القلق، فتتحوّل إلى بؤرة للعنف والمشاكسة؛ الأمر الذي يؤثّر على السلامة النفسيّة للأبناء، ويشكّل عائقاً صعباً أمام تربيتهم وتنشئتهم على الحبّ وتغذية مشاعرهم بالمودّة والتعاطف والتراحم والتعاون والتفاهم، فما الحلّ إذاً؟

الحلّ هو الطلاق وانفصال الزوجين وذهاب كلّ واحد منهما في سبيله، لعَلَّه يجد الشريك الذي يحبّ وينسجم معه، ويؤسّس لحياةٍ زوجيّةٍ هادئةٍ وأسرة مستقرّة هانئة.

•الإسلام وقوانين الطلاق
يرافق الطلاق مجموعةٌ من التشريعات، منها ما يتّصل بالرجل، ومنها ما يتّصل بالمرأة، ومنها ما يتّصل بالطلاق نفسه، ومنها ما يجب مراعاته بعد وقوع الطلاق. وتهدف هذه الشروط إلى تأخير وقوع الطلاق وإتاحة الفرصة أمام التواؤم والتوافق بين الزوجين.

من هذه الشروط: عدم صحّة الطلاق إذا وقع من الزوج في حالة الغضب الشديد الموجب لسلب القصد، أو إذا كان الزوج مكرَهاً على إيقاعه.

ومنها: أن تكون الزوجة طاهرة من الحيض والنفاس، وأن يكون طُهراً لم يقاربها زوجها فيه، فلو قاربها في طهر لزمه الانتظار حتّى تحيض وتطهر، ثمّ يطلّقها قبل أن يواقعها.

ومنها: الإشهاد، بمعنى إيقاع الطلاق بحضور رجلين عدلين يسمعان الإنشاء. فإنّ هذه الشروط وغيرها هدفها التمهّل في أخذ قرار الانفصال بين الزوجين والحفاظ على الزواج والأسرة.

•العدّة: فرصة لبناء ما تهدَّم
لو بقي الزوجان على خلافهما، وأصرّ الزوج أو كلاهما على الطلاق، فهل تنتهي القضيّة ويُحسَم الأمر، أم أنّ فرصة أخرى لم تزل أمامهما للرجوع والمثابة إلى بعضهما بعضاً؟

الجواب: إنّ الفرصة لم تزل قائمة، وتطول أشهراً ثلاثة، أو ثلاثة قروء، وهي ما يُسَمَّى بالعدّة التي يجب على المرأة أن تعتدّ فيها. وهذه مدّة كافية لسكون بركان منفجر، ناهيك عن غضبٍ غالباً ما يكون عابراً، الأمر الذي يعطي الزوجين فرصة للتفكير.

والفرصة هذه (أي العدّة) أوجبها الله على المرأة لحِكَم كثيرة، منها ما سبق ذكره، وأوجب على الزوجين أن يراعيا فيها مجموعة من الأمور ذكرتها الآية الكريمة التالية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).

وممّا يجب مراعاته أثناء العدّة عدم جواز إخراج المطلّقة رجعيّاً من بيت الزوج، إلّا إذا أرادت هي ذلك. والحكمة من هذا التشريع احترام الزوجة، وتقدير العلاقة التي كانت تربطها بزوجها، وفسح المجال للمشاعر والعواطف أن تعود من جديد، الأمر الذي يُنهي مفاعيل الغضب، ويؤدّي إلى إصلاح ذات بينهما. ولهذا عَقَّبت الآية الكريمة: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.

فلو شارفت العدّة على التمام، فإمّا أن يرجع الزوج عن الطلاق، فيمسك زوجته بالمعروف، ويؤسّس لحياة زوجيّة قائمة على المودّة والتفاهم والتعاون، وإمّا أن ينفصلا بمعروف، فيكون انفصالاً عن احترام لا عن صراع وعداوة وبغضاء، بحيث يحفظ الزوجان بعضهما بعضاً، ويحرص كلّ منهما على كرامة الآخر، ويصون عيوبه. قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: 2).

•حقوق المرأة
وتبعاً للحكم المتقدّم، وهو التخيير بين الإمساك بالمعروف أو المفارقة بالمعروف والإحسان، نصّت الشريعة الإسلاميّة الغرّاء على حرمة إيذاء الزوج زوجته بالإبقاء عليها معلّقةً لا يطلّقها ولا يعطيها حقوقها الزوجيّة من نفقة واستمتاع ومبيت وسوى ذلك من الحقوق، وحرمة الانتقام والتشفّي منها، وحرمة إيذائها بغية منعها من الزواج الثاني، أو إجبارها على التنازل عن حقوقها الماديّة المتوجّبة عليه؛ من مهر ونفقة وسوى ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 20-21).

إنّ الشروط التي يجب توافرها في المُطَلِّق والمُطلَّقة والطلاق، وبملاحظتها جميعاً تبيّن لنا أنّ الإسلام، وإن أباح الطلاق كآخر الحلول للأزمة الزوجيّة المستعصية على الإصلاح، تشدّد فيه كثيراً حتّى لا يُسْتَسهل ويُستهان به. لذلك وجب أن يكون الزوج بالغاً عاقلاً راشداً عارفاً بخطورة ما يُقدم عليه، مختاراً له بإرادته. ولو لم يشترط الإسلام هذه الشروط، لوقع الطلاق بين أغلب الأزواج حال النزاع وتمكّن الغضب منهما، والغضب شعبة من الجنون؛ لذلك وفّر للزوجين فرصةً ثمينةً قد تطول أيّاماً يهدأ معها الغضب، وترتاح فيها النفس من الاضطراب والتوتّر، فيرجعان إلى علاقة أرادها، ولنتذكّر دائماً أنّ أبغض الحلال إلى الله الطلاق.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع