الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

تحقيق: عندما يغيب الآباء: كيف تربّي الأمهات أولادهن؟

هبة يوسف عباس‏

 



إن التربية بحرٌ لا ينضب من التعاليم والمفاهيم التي يجب بثها في الأطفال منذ بداية نشأتهم ليكونوا جيلاً قادراً على تحمل مسؤولية الحياة ومصاعبها. وإذا كانت العلاقة بين الأم والأبناء تستوجب بشكل خاص شيئاً من اللين والحنو اللذين يغلبان على طابع المرأة بشكل عام، في مقابل الحزم والشدة المطلوبين من الوالد لمواجهة صعوبات تربية الأولاد وإذا كانت مسؤولية التربية تقع على الأم بشكل أكبر بسبب تواجدها واحتكاكها المباشر مع الأولاد أكثر من الوالد مع ما لدور الوالد المكمل لدور الأم والمتمم له من أهمية، فماذا تفعل الأم لو فرضت الظروف غياب الأب الذي يرخي بثقل المسؤولية على الأم وحدها وكيف تتعامل مع أولادها في هذه الحالة، وما هي وسائل التربية التي تتبعها لتقوم بدور الأم والأب معاً؟ هذه إطلالة على تجارب بعض الأمهات المجاهدات اللواتي تسلمن زمام مسؤولية التربية في ظل غياب الأب كلياً أو جزئياً.

* الشهيد: الوالد الغائب الحاضر
زوجة الشهيد علي ديب حيدر (فلاح) ولديها ثلاثة أولاد صبيان وفتاة تحدثت عن تجربتها في تربية الأولاد: "غياب زوجي الدائم بسبب عمله الجهادي سمح لي بممارسة مسؤولية الأب حتى قبل استشهاده مما جعل الأمر سهلاً عليَّ بعد ذلك، إلا أن تدليل الأولاد من قبل بعض الأقارب يزعجني لأنني أريد لهم شخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل". وهي وإن كانت تعتبر أن تربية الأولاد مسألة صعبة لكنها تشعر على الدوام بالاستعداد لتحمّل هذه المسؤولية مع تذكير الأولاد دائماً أنهم أولاد شهيد وبأن أباهم يرى أفعالهم ويجب أن يكون راضياً عنهم، وهذا ما يجعل أباهم "المرجع حتى بعد استشهاده". وعن المشاكل التي تواجهها تقول: "أحياناً أشعر بازدواجية في شخصيتي إذ عليَّ أن أعطي الحنان والحزم في الوقت ذاته، وأشعر بأن شخصية الوالد قد طغت عليّ ذلك لأن أولادي في عمر يحتاجون فيه إلى الكثير من التربية والتعليم" لذلك فهي تركز في تربيتهم على "الأخلاق والدين حتى يكونوا على طريق أبيهم وأن يكون قدوة دائمة لهم". وعند سؤالها عن أثر غياب الوالد على الأولاد أجابت: "هذا الأثر واضحٌ جداً عليهم إلا أنهم لا يعبرون عن مشاعرهم ويحاولون كبتها ليبدوا أقوياء أمام الناس". وأضافت: "الأم تواجه صعوبات وتتعرض لضغط وتعب جسدي ونفسي كبيرين إلا أنني قد اخترت هذا الطريق منذ البداية، فأنا أعلم أن زوجي مقاوم والشهادة هي جُلُّ ما يتمنى لذا ما أقوم به الآن من تضحية هو نقطة في بحر العطاء الذي قدمه الشهيد (فلاح) لنا وللوطن، وأتمنى أن أكون على قدرها فقدوتنا دائماً هم أهل البيت إن شاء الله". وفي كلمة أخيرة رأت زوجة الشهيد فلاح أن تربية الأولاد صعبة وتحتاج إلى ثقافة ووعي كبيرين حيث تقوم بمتابعة الندوات وقراءة الكتب الخاصة بتربية أبناء الشهداء لتكون قادرة على استيعاب حاجاتهم وتربيتهم بشكل جيد.

* الحفاظ على هيبة الوالد الجريح‏
الحاجة سميرة زوجة الجريح خليل حطيط الذي أصيب أثناء القيام بواجبه الجهادي بشلل نصفي وعدم قدرة على النطق روت تجربتها في تربية أولادها الأربعة فقالت: "مسؤوليتي في تربيتهم كانت كبيرة إذ عليَّ أن أحافظ على مركزية الوالد وهيبته في البيت في وقتٍ أمارس فيه مسؤولياته. بدايةً هذه المسألة كانت صعبة خاصة عند نشأة الأولاد الذين كانوا يرجعون لي في كلِّ أمورهم وهو موضوع أزعجني فطلبت منهم أخذ الإذن في كل شي‏ء من والدهم لا مني ولو بالإشارة وذلك للمحافظة على مركز الوالد ودوره في المنزل وهذا أمرٌ قد تخطيناه منذ زمن والحمد لله". وعن المشاكل تقول: "وجدت بعض المشاكل في البداية لكن استطعت التوفيق بينهم بإذن الله ولم أجعل اهتمامي بأحد على حساب الآخر، فأنا مستعدة للتضحية بكل حياتي"، وأضافت: "أنا أتقرب دائماً من أولادي حيث يعتبرونني كأخت وصديقة لهم وأركز على أصدقائهم ومن يعاشرون، أكون حازمة معهم في بعض المواقف لكن اللين والكلام وجدته أكثر نفعاً معهم". وذكرت الحاجة سميرة كما زوجة الشهيد فلاح أنها أحياناً بسبب ممارستها لمسؤولية الأم والأب معاً تشعر بازدواجية في شخصيتها، إلا أنها تحاول إعطاء أولادها من اللين والحزم ما يتناسب مع الموقف، محاولةً الاحتفاظ بسمتها الغالبة "الأم الحنون". وأخيراً أكدت الحاجة سميرة أن للمرأة دوراً مهماً في تربية أطفالها سواء كان زوجها جريحاً أو أسيراً أو شهيداً لأنها تتواجد مع الأولاد بشكل أكبر وتمنت أن تكون على قدر مسؤولية هذا الطريق الذي اختارته لنفسها حيث تزوجت بالحاج خليل وهو جريح فهي تعشق خط المقاومة، وقالت: "أحياناً أحسُّ بالتقصير لأن الذين قدموا دماءهم وأجسادهم ليس بالكثير لو قدمنا لهم كل حياتنا. أنا أفتخر بأني زوجة جريح وأولادي يعتبرون والدهم وساماً على صدورهم وأتمنى أن يكون ربي راضياً عني وعن تربية أولادي فعملي هو خالصٌ لوجه الله".

* الأسير: دور الأب مستعار
أم يحيى زوجة الأسير المحرر حسن العنقوني علقت على الموضوع قائلة: "إن تربية الأولاد ليست سهلة فكيف عند غياب الوالد؟ فعلى الأم أن تتحمل مسؤولياتها وإلا فقدت السيطرة على تربية أبنائها، أنا مثلاً حنونة جداً لكني كنت حازمة مع أولادي في بعض المواقف التي تتطلب ذلك واستطعت القيام بدور الوالد وقد احترم أولادي هذا الأمر. لم أسمح لأحد من عائلتي أو عائلة زوجي التدخل في تربيتهم خاصة أن الحاج حسن قد منحني صلاحية مطلقة في التربية كما كنت أعلمه دائماً بأخبارهم فأشعر أحياناً بأنه قد ساهم معي في تربيتهم إذ كان يعرف عنهم كل تفاصيل حياتهم وذلك من خلال الرسائل والاتصالات التي كانت بيننا وبينه. أما المسألة التي كانت تحز بقلبي فهي مطالبة الأولاد الدائمة بأبيهم فكنت أشرح لهم عن بطولته وبأنه مقاومٌ أسره العدو الصهيوني". تقول أم يحيى "في تربيتي للأولاد ركزت على الأخلاق فأنا تربيت في بيت خرَّج شهيدين لذا هذه المسألة مهمة جداً عندي والحمد لله أولادي هم في طريق المقاومة وأهل البيت، أما بالنسبة للتحصيل العلمي فهم مثابرون على التعلم". وفي سؤال لها عن إعادة دور الوالد للحاج أبي يحيى بعد عودته تقول ضاحكة: "أنا لم أحب يوماً هذا الدور والآن قد عاد الحاج حسن ليعود الدور لصاحبه"، فيعلق يحيى بالقول: "طبعاً الوالد كان موجوداً معنا حتى في غيابه والآن الوالد والوالدة يتقاسمان الأدوار وكلٌّ منهما قد استرجع مسؤولياته الحقيقة". وقد حكت لنا أم يحيى عن قدسية هذه المسؤولية فقالت: "عندما تزوجت بالحاج حسن كنت أعلم طريقه وخطه المقاوم، صحيح أننا عشنا حوالي 4 سنوات قبل أسره إلا أننا لم نكن نراه كثيراً بسبب عمله المقاوم، فتعودت على حمل المسؤولية قبل أسره، وعندما حكم عليه بالسجن لمدة 18 سنة في السجون الصهيونية بعث لي برسالة يعطيني فيها حرية الاختيار بين البقاء مع أولادي وانتظاره أو عيش حياة أخرى، عندها كان خياري الذي لم أندم عليه يوماً فبعثت له برسالة أقول فيها "إن لم أرك في الدنيا فسأراك في الآخرة بإذن الله" وبعدها كنت أشعر بقدرة إلهية كانت تحمينا دائماً وتقف إلى جانبنا لتساندنا في وقت الشدة ولتحل أي مشكلة تواجهنا".

وفي نصيحة أخيرة للأمهات قالت: "على الأم أن تكون صديقة لأولادها حتى تفهم وتعرف طريقة تفكيرهم ورأت أن النزول عند رغبة الولد في كل الأمور وموافقته على كل ما يطلب قد تجعله ولداً متطلباً ومدللاً بطريقة قد تؤثر سلباً على شخصيته فيما بعد". بعد استعراض هذه النماذج الثلاثة وللإضاءة أكثر على الموضوع كان لنا حديث مع أخصائي علم النفس العيادي الأستاذ توفيق سلوم الذي أوضح أن الأب كرجل تظهر فيه السلطة بغض النظر عن الصراخ وفرض العقوبات، فالسلطة الأبوية موجودة تلقائياً بعنصر الذكور، وهذا الأمر يعني أن الأم حين تأخذ هذا الدور ستفقد جزءاً من عناصر الأنوثة فيها، مما يؤدي تدريجياً إلى تشويش في صورة الأم لدى الأولاد بين الأم الحنون، والأم التي تمثل دور الأب. وقد أعطى عدداً من التوجيهات التي قد تساهم في حل بعض المشكلات:

أولاً: قيام الأم بدورها من توجيه ورعاية دون الافتراض أن نتيجة ما تفعله سيظهر في اليوم الثاني، بل إنها تؤسس للمستقبل.

ثانياً: فيما يخصّ المراهقين على الأم أن تعرف أن تمثيلها لدور السلطة الأبوية وتطبيقها بشكل قاسٍ على الأرض قد يؤدي إلى مشاكل مع الولد لأن الشاب في هذا العمر يحاول الخروج من سلطة الأهل، لذا عليها أن تأخذ الجانب العاطفي وأن تراهن على علاقة ايجابية مع الولد أكثر منها على علاقة سلطوية. وقد تحدث الأستاذ سلوم بشكل مفصّل عن تربية الأولاد في الحالات الثلاث التي أوردناها فقال: "على الأم كزوجة أسير أن تتدرب تدريجياً مع زوجها بعد عودته على ممارسة المسؤولية ومساعدته لكن بشكل فني حتى يصبح قادراً على ممارسة هذه المسؤولية بشكل كامل.

بالنسة لزوجة الجريح عليها أن تحافظ على مركز الوالد وهيبته أمام الأولاد وأن لا تسمح لأحد بالتدخل بإدارة شؤون المنزل إلا للشخص الذي تجد فيه عنصرين:
1- أن يكون لديه خبرة.
2- أن يكتم أسرار البيت.

أما زوجة الشهيد فعليها أن تذكر دائماً الوجه الجيد من صورة الأب وأن لا تبدو ضعيفة أمامهم وغير قادرة على تحمل المسؤولية وقد تستطيع الأم هنا الاستعانة بشخص لديه خبرة لكن دون الاعتماد الكلي عليه في التربية. وفي نصيحة أخيرة لكل الأمهات أكد الأخصائي سلوم على وجوب مرافقة الأهل لولدهم واعتباره كصديق إذ عندها يتقبل الولد من الأهل ممارسة المسؤولية تجاهه بشكل أفضل من فرضها عليه بالقوة

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع