مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

الحداثةModernism ..جذورها وأبعادها

موسى حسين صفوان‏

 



أن تكون هناك رؤى حديثة ومتطورة، ونظريات تنقل الثقافة من أطوارها التقليدية إلى أطوار مستحدثة تلك هي الحداثة، وهي في الغالب تقوم على أساس نقد المناهج والأساليب القديمة، واستبدالها بأخرى حديثة، بغض النظر عن مباني وتوجهات المدارس النقدية، وبهذا فليس بالضرورة أن تتخذ حركة التحديث منحى إيجابياً دائماً، غير أنها في كل الحالات تعبِّر عن حركة الوعي في المجتمع، ومستوى التفاعل القائم بين النخب المثقفة والجماهير العريضة الحاضرة، عند كل منعطف من منعطفات التاريخ الإنساني...

لقد بدأت حركة الوعي الإسلامي والعربي منذ مطلع القرن الماضي، "وفي نهاية قرن من النهضة والتقدم والعقلانية والعلم والتربية والهوية والوحدة"(1) ما زلنا نعيد طرح الأسئلة عينها... "فإذا ما استمعنا إلى آراء وشهادات المثقفين والمسؤولين العرب لم يعد من مجال للشك في أن المجتمع العربي على الأقل لا يزال بعيداً جداً عن تحقيق أهدافه الكبرى، لا بل إن الأوضاع استمرت بالتدهور، وازدادت في سيرها القهقرى في ظل الجيل الثاني والثالث بعد جيل الاستقلال في أربعينات القرن العشرين"(2). واليوم، إضافة للتهالك العربي نحو الأنماط الاستهلاكية، والتفكك والتشرذم الذي يقطِّع أوصال الأمّة، تخرج من هنا وهناك دعوات مشبوهة تدعو إلى قطع عرى التواصل مع الجذور الحضارية للأمّة، والفصل بين حركة الوعي المعاصرة، وبين التراث الإسلامي والتاريخ الحافل بالمحطات الحضارية المشرقة، كل ذلك تحت ستار حرية الإرادة، وتحرير العقل والتنوير Enlightenment ومحورية الإنسان العاقل Anthropo-centrism، بدل التمركز حول اللَّه Theo-Centrism، ولا يمكن التعاطي مع تلك الدعوات على اعتبارها طروحات ثقافية بحتة، بريئة من التوجيه السياسي الذي يخدم مشاريع معينة، خاصة، وقد ظهرت بوادر صحوة حضارية إسلامية عنوانها العريض، التحرر من الهيمنة الاستكبارية، واستعادة السيادة العربية والإسلامية كاملة...

* جذور الحداثة
نظرياً، تعتبر المشاريع التحديثية العربية والإسلامية، من جهة، إعادة إنتاج لوقائع عصر النهضة الأوروبية حيث "بدأ تأسيس الوعي الأوروبي على أسس جديدة بنقد الموروث، حتى يمكن التحرر منه كمصدر للعلم وكقيمة للسلوك، والتحول إلى العقل والطبيعة، ووضع الإنسان مركزاً للكون،... ثم أتى عصر التنوير في القرن الثامن عشر... فاندلعت الثورات واهتزت الأنظمة وسقطت العروش وخرجت أفكار الحرية والعدالة والمساواة والتقدم والإنسان والطبيعة والتاريخ"(3).

* مشاريع قاصرة
حاول بعض المثقفين في عالمنا العربي والإسلامي، وبدوافع شتى، أن يحذو حذو الحضارة الأوروبية، متجاوزين إلى حد بعيد الفوارق الاجتماعية والتاريخية بين شعوب أوروبا نهاية العصور الوسطى وبين الشعوب العربية ذات الحضارة الإسلامية العريقة، التي لم تمارس بما هي ثقافة وأيديولوجية فعل اضطهاد اجتماعي أو سياسي، بل كانت دائماً تنأى بنفسها عن تجاوزات الدول الإسلامية المتعاقبة مما خلق نوعاً من الفصل بين الحركة السياسية وتداعياتها في وجدان الأمّة، وبين الحركة الدينية وحضورها القوي في سلوكيات ومرتكزات الأمّة الحضارية. ولهذا يمكن القول فشلت فشلاً ذريعاً كل محاولات الحداثة الداعية إلى الإلحاد العملي، وفصل حركة العقل عن النص الديني، وإطلاق حرية الإرادة مما يطلق عليه القهر والطغيان الديني، والدعوة إلى فلسفة التنوير التي هي باختصار دعوة إلى اللادينية، وقلب التمركز حول اللَّه إلى التمركز حول الإنسان العاقل... وبالتالي نزع منظومة القيم والمفاهيم التي يستند عليها العقل المسلم في حركته نحو الكمال... وليس أدل على فشل تلك المحاولات، من عجزها بدءاً بالحركات الاشتراكية ووصولاً إلى الحركات العلمانية الليبرالية عن إنتاج مشروع نهضوي، تتم ترجمته على صورة مشروع سياسي بديل لما يعاني منه الشارع العربي والإسلامي من حكم الأنظمة الديكتاتورية.

* محاولات إصلاحية
في المقابل، ظهرت هناك دعوات إصلاحية، تدعو إلى أن تنتظم الحركة النهضوية العربية والإسلامية في إنتاج جديد، وليس مجرد إعادة إنتاج للقديم(4). فالحداثة في نظر هؤلاء لا تعني رفض التراث، ولا القطيعة معه، بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما تسميه المعاصرة، أي مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي، وتعتقد أن تحقيق هذه العملية يكون عبر:

- الانتظام النقدي في التراث العربي.
- حداثة المنهج والرؤية والهدف.
- تحرير تصورنا من البطانة الأيديولوجية والوجدانية(5).

ويدعو بعضها إلى ممارسة "العقلانية في تراثنا، وفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث وبذلك يمكن التأسيس لحداثة خاصة بنا، ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة كفاعلين وليس مجرد منفعلين(6). ورغم ما تلمسه من لهجة صادقة في التعاطي مع المشكلة الثقافية عند رواد هذا التوجه الحداثي، فإنك تقف عند الأساليب والمناهج التي يتبعها هؤلاء، لتشكك في إمكانية وصولهم إلى ما يرمون إليه من مشروع حداثي خاص بنا، رغم اعتمادها "على التراث المكتوب والمؤطر في عصر التدوين، والمعالج موضوعياً بطرق بنيوية وتاريخية وأيديولوجية، والموصول بالحداثة عقلياً ووظيفيّاً". إلا أنها في تعاطيها مع التفاصيل الثقافية تستند إلى جهاز مفاهيمي يعود في عمومه إلى المدرسة الإبستمولوجية الفرنسية ويطرح جملة من الأسئلة التشكيكية، التي غالباً ما تساهم في الهدم فضلاً عن البناء، ومن تلك الأسئلة مثلاً: "ما الذي يحدث عندما تنقل المفاهيم من مجالها الأصلي التداولي إلى مجال آخر مغاير؟ إضافة لمسائل الأمانة العلمية، والمعرفة التاريخية، والتنقيح والإضافة والتعديل والتشويه والتوظيف الأيديولوجي، والتفاوت بين الدين والمعرفة الدينية"(7)... وفوق كل ذلك، الانطلاق أصلاً من بنية ثقافية غربية ومزاج ثقافي غربي... وهذا بالنتيجة ما يجعل تلك الأصوات غريبة عن المزاج العام وغير قادرة على تحقيق ما حققته الحداثة الغربية في عصر التنوير من حركة جماهيرية تغييرية هائلة، ولعل الواقع الإسلامي المعاصر، يثبت أن الحركات النخبوية التي فشلت في صياغة خطاب جماهيري يتلاءم مع الذوق العام، تساهم في زيادة تعقيد المسألة الحضارية، وإضافة مفردات جديدة لمعيقات التقدم في عالمنا العربي والإسلامي.

* المشروع الإسلامي‏
لا بد من التأكيد أن المشروع الإسلامي هذا لا يحتاج إلى مفردات دخيلة، ولا إلى مناهج مستوردة، فسواء استوردنا الفكر الغربي لتقديمه على صورة وصفة لمجتمعاتنا بهدف إصلاحها، أو استوردنا المناهج المعرفية لمعالجة مفرداتنا الثقافية، وموروثاتنا الفكرية والحضارية، فإننا بالحقيقة نمارس الخطأ ذاته... ومن هنا لا بد من الدعوة إلى الأصالة الإسلامية مع الثقافة الإسلامية، دون أن نكون غافلين عما يجري في العالم وملمين بما توصلت إليه الحضارة الإنسانية، وما من شك أن الحضارة الإسلامية تمتلك ما يكفي من المفردات الثقافية كما تمتلك ما يكفي من المناهج والمباني التي تستطيع معالجة تلك المفردات، وإنتاج خطاب إسلامي حداثي جديد ينهض بالأمّة ويحوّل حركتها الفكرية إلى مشروع ريادي جماهيري تغييري.

*****


(1) فادي إسماعيل، الخطاب العربي المعاصر، الدار العالمية للكتاب، ص‏28.
(2) المصدر السابق، ص‏32.
(3) المصدر السابق، ص‏38.
(4) د. الزواوي، ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت 2001، ص‏44.
(5) المصدر السابق، ص‏46 و47.
(6) المصدر السابق، ص‏47.
(7) المصدر السابق، ص‏47.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع