نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

"انتصار تمُّوز صنع التاريخ"

مقابلة مع الدكتور جورج حجَّار

حوار: موسى حسين صفوان‏



يتحدث إليك بشوق وحرارة، وكذلك تصغي إليه، ففي جعبته المزيد من التفاصيل والوقائع والتواريخ. يمكنك أن تتحسس مقدار البهجة والاعتداد لديه بأولئك المجاهدين الذين قهروا في تموز 2006 جبروت أميركا المتغطرسة في معقل قوتها. ويمكنك أن تلمس مخاوفه على هذه المسيرة التي يشعر كأنه واحد من مقاتليها بالقلم والكلمة. مخاوف من كثرة ما يحاك ضدها من مؤامرات ويدس لها من عراقيل تعيق حركتها وتضع بينها وبين جماهيرها الحواجز الطائفية تارة والمذهبية والمناطقية والعرقية تارة أخرى، ومخاوف من عدم استيعابها لحجم ما حققته من انجاز تاريخي، يطلق عليه تارة عنوان زحف الشعوب، وأخرى عنوان الانتصار الاستراتيجي. إنه الدكتور جورج حجار، مناضل قديم شارك في المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، وله في هذا المجال سجل حافل. له بحوث عديدة في مجال النظريات السياسية والعلاقات الدولية، ويهتم حالياً بدراسة المقاومات المسلحة، وحركات التحرر والحركات الأصولية.

* د. حجّار، بصفتكم عايشتم القضايا العربية، وحركات المقاومة ضد الاستعمار منذ مطلع الخمسينات، وكنتم على تماس مع طيف من المثقفين العرب والأجانب، ما هو برأيكم الأثر الثقافي الذي تركته حرب تموز على الساحة الثقافية الاقليمية والدولية؟
يسرني أن أتحدث إلى مجلة المقاومة التي حققت انجازاً استراتيجياً تاريخياً، واسمح لي في البداية أن أنقل كلاماً لريتشارد هاس Richard Haas(1) (مدير التخطيط السابق في إدارة بوش الابن، ورئيس مجلس العلاقات الدولية حالياً) قال فيه: "حزب اللَّه انتصر لأنه لم يُهزم هزيمة نهائية، وإسرائيل خسرت لأنها لم تحرز انتصاراً كاملاً". لقد اعتاد المثقف الغربي، ومنذ أن زرع الاستعمار إسرائيل في قلب العالم العربي والإسلامي، وقهر العنفوان العربي والشخصية العربية في فلسطين، أن يتلقى من وسائل إعلامه أخبار التفوق العسكري الإسرائيلي في الحروب التي خاضها العرب مع إسرائيل، بحيث لم تكن تستغرق تلك الحروب أكثر من أيام. ولكن هذه المعادلة تم كسرها بصمود المقاومة في مواجهة إسرائيل المتغطرسة لمدة أربعة وثلاثين يوماً، واعتقد أنها كان باستطاعتها الصمود أكثر. لقد كانت حرب 12 تموز 2006، نقلة نوعية في التاريخ العربي المعاصر، نقلة من تاريخ الهزائم إلى بداية تاريخ الانتصارات التي بأبعادها الاستراتيجية ستفتح آفاقاً جديدة لمستقبل واعد، ومكانة عالية للبنان والوطن العربي. لقد أدخلت المقاومة بصمودها وانتصارها العالم بداية عصر الشعوب لا الأنظمة، وأستطيع القول، ودون تردد، إن انتصار المقاومة في تموز، كان أول انتصار عربي حقيقي على إسرائيل، ادخل حركات التحرر العالمية ما يمكن أن أسميه مرحلة الأممية الخامسة.

* ولكن ماذا عن حرب تأميم قناة السويس عام 1956 وحرب رمضان عام 1973، ألم يحقق العرب فيهما انتصاراً؟
لكي أوضح كلامي، دعني أولاً أتحدث عن المشروع التحرري العربي منذ مطلع القرن الماضي، حيث دفع العروبيون ثمناً باهظاً واتهموا بالخيانة وبالتعامل مع الأجنبي في حين كانوا يطالبون باستقلالهم عن الدولة العثمانية. واستطاع الغرب المتمثل يومها ببريطانيا وفرنسا استغلال الواقع العربي، وصناعة أنظمة ديكتاتورية. ولما قام الضباط الأحرار في مصر والعراق وسوريا بحركاتهم الإنقلابية لم يتمكنوا من تحويل ثوراتهم إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية. وسرعان ما تحولت هذه الثورات إلى أنظمة بوليسية قمعية. في تلك الأجواء كانت معنويات الإنسان العربي في تراجع مرير حين خسر العرب فلسطين في عام 1948، ثم ما لبثوا أن خسروا عسكرياً في عام 1956، فلم يستطع الجندي العربي يومها مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية فضلاً عن الفرنسية والبريطانية. ولكن المعادلات الدولية سمحت لعبد الناصر بالاحتفاظ بقناة السويس مما رفع معنويات الشارع العربي المثقف وضاعف عنده الأمل في امكانية النصر على إسرائيل، إلا أن حرب العام 1967 كانت مخيبة للآمال. والحقيقة أن العرب لم يكونوا قادرين على الانتصار ما دامت هناك أنظمة تنفذ استراتيجيات الدولة العظمى أمريكا. أما الاتحاد السوفييتي فلم يكن يستطيع تجاوز الخطوط الحمر التي تسمح بها معادلات الحرب الباردة، والتي تعني وجود دول عربية ضعيفة محيطة بإسرائيل واحتفاظ إسرائيل بالتفوق العسكري الاستراتيجي.

وفي 16 تشرين 1973، ونتيجة ظروف دولية، استطاع الجندي العربي أن يحقق انتصاراً عسكرياً محدوداً، ولكن الأنظمة السياسية لم تحسن استثمار الانتصار العسكري، فأدخلت المنطقة في مرحلة ما يسمى بالسلم، وهي مرحلة تميزت بالتخلي عن الثوابت القومية والقبول بالأمر الواقع، وبالتالي تفكيك الرابطة القومية العربية وتحويل المنطقة العربية إلى إثنيات مختلفة لا تلتقي على قضاياها المصيرية. ومن هنا أدخل إلى حرب 12 تموز، فقد لاحظنا أن العالم العربي كله أعاد رفع الشعارات القومية التي كان قد نسيها وفجأة استيقظت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج لتحمل صور السيد حسن وجمال عبد الناصر. وشعرت الشعوب العربية ولأول مرّة بوجود توازن استراتيجي عربي في مواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، ففي بحث للدكتور خير الدين حسيب حول الحرب الإسرائيلية على لبنان وتداعياتها يخلص إلى النتيجة التالية: "لا يمكن تدمير حزب اللَّه..." فإن حزب اللَّه لن تقوى عليه إسرائيل ولا أميركا ولا أحلافهما من الدول "المعتدلة".

* هل تلاحظ أن هناك أي تغيرات ثقافية بخصوص المشاريع الاستراتيجية للمنطقة بعد حرب تموز؟
قد حصلت تغيرات كثيرة، ومن يقرأ الصحف الأجنبية يشعر بمقدار التحولات في الكتابات الصحفية. ومن ذلك مقالة ريتشارد هاس الذي يعتقد أن العصر الأمريكي، وهو العصر الرابع في تاريخ الشرق الحديث، قد انتهى، والسبب في ذلك أن أمريكا انتقلت من شن "حرب الضرورة" إلى "حرب الخيار"، والسبب الثاني هو أن أميركا لم تفهم الصلة بين المجتمعات وبين ثقافاتها وتراثها. ويعتقد هاس أن العصر الخامس هو عصر إسرائيل وإيران في المنطقة. ويخطئ هاس من جديد فيهمل دور الشعوب ودور المقاومات المنتشرة في العراق ولبنان وفلسطين...

أما فرنسيس فوكوياما، الذي كان يبشر بنهاية التاريخ، فقد أعاد النظر في موقفه فقال: إن الليبرالية الديمقراطية تتجه نحو فشل مذل في العراق. ويصحح كلامه السابق فيقول إن طرحه لنظرية (نهاية التاريخ) هو طرح في الحداثة والتحديث، الذي يُبنى على صيرورة تاريخية، لا على أوهام بوش بأن الديمقراطية هي "رغبة كونية" ويمكن فرضها بالسلاح. ثم يقول: إن الديمقراطية هي نتاج لعملية تحديثية لا يمكن انجازها بالإكراه، ويختم أن نموذجه هو النموذج الأوروبي، لا الأميركي. وهذا التحديث لا يمكن تحقيقه إلا باقتصاد السوق والنظام الديمقراطي(2).

* هل من كلمة أخيرة؟
لقد حققت المقاومة انتصاراً تاريخياً، ويمكن القول لقد صنعنا التاريخ فهل سنتجاوزه؟ لقد اقتنعت بنا الشعوب، وأصبح حزب اللَّه اليوم في طليعة قوى التحرر في العالم، فالمنظمات المناهضة للعنصرية، والعولمة، وأنصار البيئة، ومنظمات السلام وهم كثيرون ومنتشرون في أنحاء العالم يتطلعون إلى مقاومة حزب اللَّه وانتصاره على أهم وكيل للامبريالية الأميركية إسرائيل، ويرون أن ذلك هو بداية دخول العالم في الأممية الخامسة، وهذا يرتب على حزب اللَّه مهمة تطوير أساليبه ونماذجه ليتمكن من استيعاب الواقع التعددي الجديد الذي بات يشكل أحد أهم ركائزه وطلائعه.
وأختم بالقول: إن الشعب العربي الذي استوعب درس تموز سوف ينهض، ويتوحد، وينتصر، ويدحر الطغاة هنا وهناك وفي كل مكان.


(1) Richard Haas, The New لMiddle Eastم Foreign Affairs, Nov. Dec. 6002, Page 7.
(2) فرنسيس فوكوياما، الدايلي ستار، 3 4 2007م.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع