خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

الاستهلاك بين الحاجة والترف

د. سحر مصطفى(*)

 



"ما تراه أنت كماليّاً، أراه أنا ضروريّاً"؛ مقولة نسبيّة المفاهيم، سادت وتعاظمت مؤخّراً لدرجة خطيرة تهدّد الثوابت والبديهيّات...

هل فعلاً لا يوجد مقاييس عامّة موحّدة تمكِّننا من الحكم على الأمور؟ وهل التغيير الذي طرأ على المجتمعات بفعل العديد من العوامل، أطاح بالقواعد كلّها؟

•الرفاهية وزيادة الاستهلاك
إنّ ما شغل ولا زال يشغل البشريّة بدرجة كبيرة، هو إشباع الحاجات الأساسيّة، ولكن تدريجيّاً، تطوّر مفهوم الإشباع ليغطّي طائفة أوسع من الحاجات، ودخلنا في مفهوم الرفاهية الاجتماعيّة... فبعد أن كان الهدف الأساسيّ للنشاط الإنتاجيّ للأشخاص هو تأمين الكفايات الضروريّة للحياة، توسّعت أهدافه، ودخلت ضمن دائرة ما يجب تأمينه الكثير من المستلزمات التي فرضتها تطوّرات العصر من جهة، والتوجيه الثقافيّ الاقتصاديّ العالميّ من جهة أخرى، والذي ربط الرفاهية بزيادة استهلاك السلع والخدمات.

•ترسيخ الكسل مكان الجهد
قد يبدو ممّا سبق أنّنا في صيرورة طبيعيّة ولا داعي إلى رفع الصوت وإثارة الضجيج حول أنماط الاستهلاك الجديدة، التي أخذت تجتاح المجتمعات، لكنّ التحليل العلميّ لعمليّة تنميط الرفاهية والإشباع، وربطهما بالمزيد من الاستهلاك للائحة مفتوحة من السلع، وتداعيات هذا الأمر على المؤسّسات الاجتماعيّة، وعلى شبكة العلاقات والقيم المجتمعيّة، تستدعي من المهتمّين الاستنفار للمواجهة.

ومع تزايد الخدمات والسلع المعروضة والتسهيلات لاقتنائها، وسيادة مفهوم الرفاهية الذي رُبط حصراً بالراحة، تراجعت قيمة بذل الجهد، وأُصيبت المجتمعات تدريجيّاً بمرض الكسل. فالماء مثلاً، كان لا يصل إلى المنازل في السابق، بل كان الناس يذهبون إلى مصادره ليتزوّدوا بما يحتاجون إليه منه. لم يكونوا وقتها بحاجة إلى حملات للتوعية حول ترشيد استهلاك المياه، فقد كانت قيمهم وعاداتهم كلّها تعطي لهذه الطاقة الحيويّة مكانة عالية، لدرجة أنّهم لم يكونوا ليضيّعوا أيّ قطرة منه. أمّا اليوم، فبعد أن أصبحت المياه تصل إلى المنازل، تراجعت قيمتها وأصبحت مقتصرة على الكلفة التي ندفعها مقابل هذه الخدمة، وليس كلّ ما نعرف ثمنه نعرف قيمته.

•الاستهلاك الترفيّ
تطور الحثّ على الاستهلاك لندخل في دائرة الاستهلاك الترفيّ، وهو الإنفاق على سلع كماليّة وفي مناسبات غير ضروريّة، وهو يترافق مع مظاهر إسراف وتبذير، بقصد التباهي وحبّ الظهور. فهناك أنواع من السلع لا نقدّرها لصفاتها الذاتية، أو لاحتياجنا الفعليّ إليها، ولكن وَفقاً لما تمثّله من مكانة اجتماعيّة(1). صحيح أنّ هذا النمط ليس بالجديد تماماً، فقد كان موجوداً في المجتمع الجاهليّ حين بُعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما أشار إليه قوله تعالى حكايةً عن بعض رموز الجاهليّة: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ (البلد: 6)؛ فهو يتفاخر بأنّه أهلك المال في أنواع المتع والمظاهر الاجتماعيّة، ولكنّه اليوم أصبح شائعاً لدرجة تدقّ ناقوس الخطر، وبدأت تداعياتها الخطيرة تهدّد السلوكيّات والقيم الاجتماعيّة، ومن أهمّ هذه التداعيات:
1- تبديد الثروة ورفع مستوى المديونيّة.

2- صرف اهتمام الناس عن القضايا الأساسيّة.

3- تعاظم داء حبّ الدنيا واللهاث وراء تأمين الكماليّات.

4- شيوع الحسد والتباغض بين أفراد المجتمع، ممّا يدفع إلى الفرقة.

5- شيوع الكسل والاتّكاليّة وضعف حسّ المسؤوليّة، نتيجة لتراجع قيمة الإنتاج وبذل الجهد.

6- تراجع العلاقات الاجتماعيّة، وتعسير وتعثّر موضوع الزواج.

7- شيوع أمراض نفسيّة، كالقلق والتوتر والاكتئاب، سواء جرّاء الوقوع تحت الديون، أو نتيجة للضغط النفسيّ الذي تخلّفه دوّامة السعي لتلبية الكماليّات التي لا يمكن أن تنتهي، والتي يصوّرها الإعلام على أنّها ضروريّات، فينتج عن عدم تلبيتها حالة إحباط عند الأفراد، تتحوّل مع الوقت إلى أمراض نفسيّة.

•إعلانات ورسائل
ممّا يزيد من خطورة هذه النزعة الاستهلاكيّة، أنّ الضخّ الإعلاميّ والتسهيلات الماليّة التي تقدّم للناس من خلال التشجيع على الاقتراض، والربط المستمرّ بين الرفاهية والسعادة وموضوع الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، تُنشئ علاقة إدمان على الاستهلاك والشراء، فتطالعك مثلاً إعلانات على نمط "الحياة قصيرة، عيشها لآخر نقطة" للترويج لعصائر بنكهات جديدة، و"ما تخلّي شي بعينك"، للتشجيع على الاقتراض لشراء كلّ ما تشتهيه.

وهل تحقيق الرفاهيّة الإنسانيّة يكون من خلال زيادة استهلاك السلع والخدمات؟ هذا -مع الأسف- ما تسعى الماكنات الإعلاميّة والإعلانيّة الضخمة لزرعه في الأذهان، وذلك خدمة لاقتصاد السوق ولتصريف الإنتاجات الضخمة للمصانع.

•الإشباع الحقيقيّ
ثمّة العديد من المجالات للإشباع لا نحصل عليها من السوق؛ فالعلاقات الإنسانيّة تزيد الإشباع، وكذلك الامتلاء الروحيّ، وتطوّر الأسرة وتقدّمها. إذا زاد إشباعنا من خلال هذه البنود الاجتماعيّة والروحيّة والإنسانيّة، يبقى الاقتصاد على حاله لا يسجّل نموّاً في حسابات الاقتصاديّين، لكن إذا زدنا الإشباع من خلال الشراء من المطاعم بدل الضيافة في القرية عند الجيران وعند الأهل مثلاً، يزيد النموّ! هذا هو التضليل بعينه.

•هل لهذا الداء من دواء؟
لمواجهة هذه الظاهرة، نقترح العمل على هذه المحاور:

أ- إعادة الروح لمنظومة القيم الأخلاقيّة التي تقوم على:
1- إذكاء روحيّة التواضع ونبذ التفاخر، وإحياء مفهوم الزهد.

2- أن يكون التفاضل بين المؤمنين على أساس التقوى.

3- تهذيب إشباع الحاجات والرغبات (وهذا الموضوع باب كامل في علم الأخلاق).

4- أنّ السعادة واللذّة الحقيقيّة هما في القرب من الله تعالى وخدمة عياله.

5- أنّ الملك لله ونحن مؤتمنون على الثروات كمستخلفين في الأرض، فلا يجوز لنا التصرّف كيفما اتّفق في مقدّرات الأمّة. (الأموال والأنفس تعود لدولة الحقّ تحت ولاية صاحب الزمان |).

هذا الموضوع يمكن أن تقوم به جهات مختلفة من المدارس ووسائل الإعلام وعلماء الدين وخطباء المنابر، سواء على شكل محاضرات مباشرة أو ورش عمل، أو أفلام قصيرة، أو معارض رسم، أو بانوراما، أو مسابقات...

ب- بناء نموذج المستهلك المسلم "الرشيد" من خلال:
1- التأكيد على نبذ الإسراف والتبذير والترف، وتبيان مواطنها وحدودها. (المبذّرون إخوان الشياطين...).

2- تقديم القدوة الصالحة في مجال الاستهلاك، من سِيَر الأئمّة والمعصومين عليهم السلام من جهة، كما ومن الواقع المعيش، من خلال من هم في مواقع مسؤوليّة من علماء دين ومسؤولين من جهة أخرى.

3- التأكيد على البُعد الإيثاريّ في الإنفاق (ما كان لله ينمو)، وتوجيه الاستهلاك (الإنفاق) نحو الأعمال التي تعزّز التكافل الاجتماعيّ.

ج- التثقيف الاقتصاديّ من خلال:
1- زيادة الوعي الاقتصاديّ: تبيان الآثار السلبيّة للاستهلاك الترفيّ، وبيان حسنات استثمار الثروات، بما يرجع بالخير على الفرد والمجتمع.

2- فتح أبواب مختلفة للإنفاق تساهم في التنمية الاجتماعيّة ورفع قدرات وكفاءة الأفراد.

3- التأكيد على الحريّة المسؤولة، وخصوصاً أنّ هذه الفكرة محوريّة في المنظور الإسلاميّ. (الفرد المسلم مسؤول أمام الجماعة، ولا يمكنه التصرّف كيفما يشاء في المجتمع).

4- تبيان أصول التربية الاقتصاديّة السليمة لأفراد المجتمع، والدعوة إلى الأخذ بها.

5- تعزيز دور الإعلام والإعلان، في التوعية حول مخاطر الاستهلاك الترفيّ؛ وتوجيه البرامج ومراقبتها (حيث أمكن).

6- توجيه جزء من الثروة إلى عملية الإنتاج، من خلال مشاريع مدروسة تشرف عليها جهات مختصّة.

7- تشجيع الأفراد على الادّخار، وفتح قنوات فعّالة لاستثمار المدّخرات (يمكن إطلاق مشاريع على نمط "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود").

8- التوعية والتحذير من الكسب السريع ضمن مشاريع توظيف الأموال مع المتموّلين، ومحاربة هذه الظاهرة.

•لتضافر الجهود
في نهاية المطاف، لا بدّ من استنفار الجهود كلّها؛ لأنّ الاستغراق في هذه الظاهرة، يؤدّي إلى انشغال الأفراد كما الجماعات بأمور الدنيا، ويبعدهم عن التديّن، فتطغى آليّة إشباع الرغبات على آليّات التكافل الاجتماعيّ والبعد الإيثاريّ والتعفّف وغير ذلك من قيم إنسانيّة، ويصبح الفرد في وضعيّة: يعيش ليستهلك بدل أن يستهلك ليعيش.


(*)مسؤولة الدراسات في مركز أمان للإرشاد السلوكيّ والاجتماعيّ، أستاذة في الجامعة اللبنانيّة.
1.وأكبر مصاديق هذا الاستهلاك يكمن في الإقبال على شراء أحدث طراز للأجهزة الإلكترونيّة والهواتف النقّالة، لا لحاجة إلى المميّزات الإضافيّة وإنّما لإشباع رغبة امتلاك الأحدث والتباهي به، وكذلك شراء أحدث موديـــــلات السيارات، والإقبال على الماركات المشهـــــورة، والصرف في حفـــلات الأعراس والمآتـــــم وحفلات التكليف، وبروتوكولات الضيافة في المناسبات، وكذلك الزينة وغيرها من مظاهر الإنفاق غير المنطقيّ، والذي يتجاوز الحدود المتعارف عليها في الوسط الاجتماعي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع