خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

يوم الشهيد: وداعاً يا صديقي

تحقيق: نور رضا

 



يروي أحد المجاهدين قصّة عاشق ومعشوق في جوف الليل في جبل صافي، حيث ترتوي الأرض من دماء الشهداء الطاهرة:

في مكان خلفيّ في جبل صافي، كان هناك نقطة تمركز فيها مربض 120 أخدم فيها باستمرار. في يوم من الأيّام أحضروا لي أحد الإخوة من قرية حاروف، وكان يُلقّب بـ"أبو صالح". جاء "أبو صالح" هذا ليخدم معي في هذه النقطة، فخُيِّلَ لي في البداية أنّه طويل القامة، كبير الجثّة، إلّا أنّني عندما نزلت إلى المركز لأحضر هذا الشاب، تفاجأت بأنّه فتيّ لا يزال يحمل معالم الطفولة في وجهه البريء.

تعجّبت لأمره وقلت له: "يا هذا، أنت فعلاً تريد أن تخدم هنا؟ هل تعرف أنّنا هنا نحمل الصواريخ والعتاد وننقلها مشياً على الأقدام؟"، فأجابني بسرعة بلهجته القرويّة: "قول الله يا حاج، أتيت في المرّة الأولى فرفضوا استقبالي، ولكنّني أحضرت رسالة من والدي فقبلوا أن أشارك في العمل الجهاديّ".

صعدنا معاً إلى النقطة التي يجب أن نتموضع فيها. بعد يومين تحديداً من وصوله، استيقظت ليلاً لأراه يصلّي صلاة العشق. كان في مقتبل العمر، وكان يقوم الليل...

أجهش المجاهد بالبكاء وهو يعيد إحياء التفاصيل من ذاكرته وخنقته العبرة.

فتحت عينَيّ لأجد أبا صالح يذرف الدموع في قنوته ويخاطب الله قائلاً: "اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك".

اقتربت منه وقلت له: "لا تزال صغيراً يا أخي، أمتأكّد من أنّك تريد أن تستشهد؟ اطلب من الله أن يمدّ في عمرك وتجاهد أكثر فأكثر".

أجاب أبو صالح: "لكثرة ما قرأت عن الشهداء وقصص عشقهم الإلهيّ تعلّق قلبي بهم، ولا طاقة لي على الفراق أكثر".

مازحته وقلت له: "إن كان لا بدّ من أن تدعو لنفسك بالشهادة فلتبتعد قليلاً عنّي كي لا أصاب بصاروخ فجأة فأستشهد معك". فأجابني سريعاً: "لا تقلق عندما يريد الله أن أستشهد، سأستشهد وحدي".

في اليوم التالي، اتصلوا بنا لننزل ونحضر حقيبة المؤنة، فهبّ أبو صالح وقال: "أنا سأذهب". حاولت ثنيه عن الموضوع وقلت له: "إنّها مهمّة صعبة"، إلّا أنّه أصرّ بشدّة، فقلت له أن يذهب ويتوخّى الحذر الشديد.

كنّا ننزل كلّ يوم مشياً على الأقدام لنملأ الحقيبة بالمؤنة والعتاد ونحملها على ظهورنا صعوداً لما يقارب الثلاث ساعات، وكانت الحمولة عادة ما تقارب الثلاثين كيلوغراماً من المؤنة، مضافاً إلى الجعبة والسلاح الشخصيّ.

نزل أبو صالح ليجلب الأغراض. بعد ساعتين أو أكثر بدأ طيران العدوّ بالتحليق في الأجواء ثمّ شنّ غارةً فجأةً في المنطقة ما بين النقطة التي أتواجد فيها ونقطة تسلُّم المؤنة في الأسفل.

بدأت بنداء الأخ عبر الجهاز "يا أبو صالح، أين أنت؟ يا أبو صالح أجبني"، لكن ما من جواب، فحدّثت نفسي بأنّ الغارة استهدفته، واتّصلتُ بالإخوة في أسفل الجبل وأخبرتهم أنّ الاتّصال مع "أبو صالح" انقطع. قالوا لي أن أتحرّك بسرعة باتّجاههم لنلتقي في نقطة وسطيّة، فنزلت مسرعاً باتجاههم وهم تحرّكوا صعوداً. نزلت وبدأت البحث عن "أبو صالح"، فأنا أعرف المنطقة جيّداً. اقتربت أكثر من جسم بين الأشجار لأرى قطعة لحم وإذا بها قدم الشهيد، ثمّ وجدت يده ثمّ الرأس مفصولاً عن الجسد. لم أتحمّل هول المشهد فتوجّهت سريعاً صوب الإخوة وأخبرتهم بأنّه استشهد وجسده مقطّع إرباً إرباً. ذهب الإخوة إلى حيث الجسد المتناثر، لملموا الأعضاء المقّطعات، ووضعوها في كيس، وأخذوها إلى مغسل مقبرة قرية جباع.

قصدت المغسل لأرى رأسه على المغسل ولم يتغيّر شكله. فبدأت بالتحدّث معه. قلت له: "لقد استشهدت حقّاً يا (أبو صالح). حقّاً أنت كنت تدعو بإخلاص. كنت معي بالأمس تنام بجانبي إلّا أنّك طلبت الشهادة بإخلاص من بارئك فنلتها". لعلّه في تلك الليالي كان يدعو الله ويقول له: "إلهي تركت الخلق طرّاً في هواك...".

"أبو صالح" وأمثاله هم شباب أتوا إلى المرابطة للمرّة الأولى، والكثير منهم نالوا الشهادة، ومنهم من ينتظر. كانت حالتهم المعنويّة لا توصف بالكلمات، فكانوا جبالاً من الصبر، وقلوباً طاهرة عاشقة، فالله فتح قلوبهم وأضاءها بنوره؛ لأنّهم كانوا قمّة في الإخلاص.

الشهيد أيمن البعلبكي كالشهيد "أبو صالح"، كان دائماً يقول لي: "إن كنّا فعلاً عشّاق الحسين عليه السلام فوا خجلتاه إن لم نرحل عن هذه الدنيا شهداء". كان حلمه أن يرحل عن هذا العالم شهيداً بلا رأس، فيقول: "أنا أخجل أن أرى السيّدة زينب عليها السلام في ذاك العالم فتراني لا أواسي المولى أبا عبد الله عليه السلام ورأسي لا يزال على جسدي".

في اليوم الذي سبق شهادته، التقيت به في القرية، كان يجلس في سيّارة فولفو يستمع إلى الأخبار ويبكي، فقد أعلنوا خبر استشهاد 24 شهيداً في إحدى العمليّات. نظر "أيمن" إلى وجهي وقال لي: "لماذا لم نكن مع هؤلاء الشهداء؟ والله إنّني سأنال الشهادة اليوم قبل الغد لألتحق بركبهم". ما هي إلّا دقائق معدودة، وتتّصل به القيادة لإتمام عمليّة مهمّة، فقال لنفسه: "أتى الفرج".

ذهب "أيمن" بعد أن همس في أذني: "وداعاً يا صديقي، هذا لقاؤنا الأخير". وهكذا عاد رأس "أيمن" إلى المغتسل بلا جسد بعد القيام بواحدة من أهمّ العمليّات في موقع "بئر كلّاب".

يا الله، ما هذا العشق والإخلاص؟ هكذا تربّى المجاهدون، وهكذا كانوا يحلّقون في عشق الملكوت الأعلى، فلا يستطيعون البقاء في عالم الكثرة، ولا تستطيع قلوبهم صبراً على الفراق، فيفرّون فراراً إلى معشوقهم الأبديّ، ويطوفون في مجرّة وحدة الوجود، ليصبحوا أحياءً عند ربّهم يرزقون.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع