خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

أخلاقنا: بيوتٌ تموت فيها المحبّة(1)(*)

آية الله الشيخ حسين مظاهري دام ظله

 



إنّ المحبّة تشبه بعض الشيء قانون الجاذبيّة الذي يقوم العالم بأسره على أساسه، مثلما تقوم الأسرة والبيت على أساس المحبّة والرحمة. لو سُلب قانون الجاذبيّة من هذا العالم -بدءاً من الذرّة وانتهاءً بالمجرّة- لاختلّت النظم القائمة فيه، ولساد الفناء في مجمل عالم الطبيعة. وإذا ما انعدمت المحبّة في المنزل، وبين أفراد الأسرة الواحدة، فسوف تنفلت عُرى الألفة، ويؤول المنزل إلى قبر يملؤه العذاب الشديد؛ لأنّ الدار الخالية من المحبّة، لا يمكن أن تكون فيها حياة حقيقيّة، بل يسكنها الموت التدريجيّ المقرون بالعذاب.

وبناءً على ذلك، منح الباري، تعالت أسماؤه، في وقت تشكيلها عنايةً خاصّة ورحمةً منه ولطفاً، حتّى يسكن الواحد إلى الآخر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قول الرجل للمرأة إنّي أحبّك لا يذهب من قلبها أبداً"(1).

انطلاقاً من هذا الكلام، ما هي العوامل التي تدمّر المحبّة وقيمتها؟

•مدمّرات المحبّة
1- الحدّة: إنّ أوّل شيء يمكن أن يُذهب المحبّة من البيت إلى غير رجعة هو الحدّة، والخلاف، والغضب، وهذه كلّها لا تُبقي على الألفة والانسجام والودّ في البيت العائليّ. فإذا ما رَدّت المرأة على زوجها بحدّة، اشتعلت نار الغضب، وإذا ما تفاقم الأمر، بَدَت العداوة والبغضاء، لتصل في نهاية الأمر إلى كسر زجاجة المحبّة، وحينها، تبدّل النفور بالمحبّة، وهذا ما تفعله الحدّة في أغلب الأحيان، ناهيك عن مسألة القياس التي يستعملها بعض الرجال، فهي الأخرى تُميت المحبّة في كلا القَلبين، وتسبّب النفور، كأن يقول الرجل لامرأته: "إنّك لا تجيدين شيئاً بالمرّة، وإنّ جارتنا فلانة أفضل منك بكثير.. فهي امرأة جيّدة، وطاهية ماهرة".

إنّ مثل هذه العبارات تنزل على رأس المرأة كالصاعقة التي تهوي على زرع يابس، مضافاً إلى تهيئة القلب لأن يكون قاسياً من جرّاء الحقد الذي جلبته تلك العبارات. وقد أكّد علماء النفس على هذه القضيّة، فحذّروا من مقارنة الزوجة بغيرها من النساء، وتنكّروا للتحدّث إليها على هذه الشاكلة؛ لأنّ المرأة لا يمكن أن تنسى هذه العبارات ما دامت حيّة، وإذا أراد الشخص أن يشطب تلك العبارات، فسوف يحتاج إلى جهدٍ إضافيّ للوصول إلى قلبها ثانيةً.

2- الضرب والبذاءة: إذا جرى السبّ والشتم على لسان رجل أو امرأة -والعياذ بالله- فسيعرف الجميع أنّ هذا الرجل وتلك المرأة لا يتمتّعان بشخصيّة إسلاميّة ولا إنسانيّة أبداً، وأنّ الله تباركت أسماؤه، ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يمقتون فعل مثل هؤلاء الأفراد.

قال تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: 30). لذا، يجب على المسلم أينما كان، وكيفما كان، أن يكون مؤدّباً، ملتزماً، يُدرك ما يقول، وهذا ما يوصي به الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام أصحابه دائماً، فالمعلّم لا يجدر به أن يكون لعّاناً ولا بذيئاً مع تلاميذه، والزوجة يجب عليها أن تبتعد عن السبّ والشتيمة، وكذا الرجل عليه أن ينتبه لهذه المسألة الحسّاسة والمهمّة، وليعلم الجميع بأنّ المسلم ليس بلعّان ولا طعّان ولا فاحش ولا بذيء.

أمّا بالنسبة إلى الضرب فهو الآخر حاله كحال السبّ والشتم والبذاءة في الكلام، وقد نهى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عنه كثيراً، وهدّد الرجل الضارب لزوجته بسبعين ضربة سوط من يد مالك خازن جهنّم في يوم القيامة؛ لأنّ الضرب ليس من شأن المسلم الحقيقيّ، وليس من عمل الإنسان الواعي، ومن فعل ذلك، رجلاً كان أو امرأة، عُدَّ أحمق ووضيعاً، وعليه، إنّ البذاءة والضرب يميتان القلوب، بعد أن يُذهبا المحبّة منها.

سأل رجل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تُضرَب ولا تُقبَّح، ولا تُهجَر إلّا في البيت"(2).

3- التجريح باللسان: إنّ التجريح باللسان يُذهب بالمحبّة والودّ والألفة، ويقلب الحياة العائليّة رأساً على عقب، ويؤدّي بالمجتمع الصغير إلى ما لا تُحمد عقباه. فقد قال الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: "قال الله تعالى: من أهان لي وليّاً، فقد أرصد لمحاربتي"(3).

يجب على المسلم أن يصبر على زوجته إذا رأى منها بعض ما لا يعجبه من تصرّفها، ويعرف لها ضعفها بوصفها أنثى، ويعرف لها حسناتها بجانب أخطائها، ومزاياها إلى جوار عيوبها، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لا يفرك -أي لا يبغض- مؤمن مؤمنةٍ، إن كره منها خُلُقاً، رضي منها غيره"(4).

كما على الزوجة أن تعمل على استرضاء زوجها بما عندها من قدرة وجذب، حيث حذّرها الإسلام أن تبيت وزوجها غاضب. وإن المرأة التي تقول لزوجها: "إنّنا لم نرَ خيراً في هذه الدار"، تحبط بقولها ذاك أعمالها كلّها، وكذا بالنسبة إلى الرجل الذي يقول لزوجته: "إنّني لم أرَ منك خيراً مذ تزوّجتك".

لذا، يجب علينا جميعاً الانتهاء عن إهانة بعضنا بعضاً، وخصوصاً أمام الآخرين؛ لأنّهم سوف لن يقدّرونا ويحترمونا من بعدها.

وإنّ التجريح والإهانة على قسمين: قسم يزول من القلب سريعاً، وهو ما ينقلب على صاحبه في القبر إلى عقرب ينهش أصابع يده ورجله ثمّ يزول، وقسم آخر يكون التجريح كالسيف البتّار ضربته عميقة، وهذا ما ينقلب في القبر إلى عقرب ينهش جسم الشخص البذيء إلى يوم القيامة، ويقال في الخبر إنّ مثل هذه العقارب أشدّ لسعاً من نار جهنّم.

وسوف نستكمل، إن شاء الله، بعض تلك العوامل التي تميت المحبّة بين الزوجين، في العدد القادم.


(*) مقتطف من كتاب "الأخلاق البيتيّة"، الفصل الخامس.
1.الوافي، الفيض الكاشاني، ج22، ص772.
2.السنن الكبرى، البيهقي، ج7، ص305.
3.الكافي، الكليني، ج2، ص351.
4.كنز العمّال، المتقي الهندي، ج16، ص374.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع