الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

التأديب: أساليبٌ وأحكام

الشيخ صلاح العس*

من المسائل المهمّة والشائكة في بحوث التربية مسألة "التأديب" ومدى فوائده وأضراره ومراتبه وأصوله وحدوده الشرعيّة، حيث توجد آراءٌ موافقةٌ ومخالفةٌ في استعمال بعض مراتبه، فبعض المختصين مثلاً لا يحبّذ الضرب والتهديد مطلقاً، ويرى أنّ الإصلاح يتمّ عن طريق النصيحة والتنبيه فقط، وبعض آخر يراه أمراً واجباً وضروريّاً لأجل التربية وإيجاد الرشد في شخصيّة الإنسان. ولذا لا بدّ أن ندقّق في جميع جوانب المسألة من الناحية الإسلاميّة وعلى أساس تعاليم المعصومين عليهم السلام.

*أوّلاً: معنى التأديب
التأديب هو نوعٌ من التحريك العاطفيّ من غير محبّةٍ ويكون مع الخشونة أحياناً. وهو ناتجٌ عن ممانعة الفرد من أداء عمله أو القيام بأعمالٍ مسيئةٍ لنفسه أو غيره. ومن الطبيعيّ أنّ التأديب أو الضّرب أمرٌ مؤلمٌ للطفل يتحسّس منه كثيرًا، لذا سيترك غالبًا كلّ عملٍ يكون سببًا في تأديبه أو ضربه، قال الإمام عليٌّ عليه السلام: "مَنْ لَمْ تُصْلِحْهُ الكَرامَةُ أَصْلَحَتْهُ الإهانَةُ"1.
ليس الأصل في النظام التربويّ الإسلاميّ هو التأديب بمعناه المتعارف الحالي، فإذا استطعنا إيقاظ فطرة الطفل وإحياء وجدانه دون استعمال الضرب والتأديب، فهذا هو المطلوب. قال الإمام عليٌّ عليه السلام: "إِنَّ العَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالأَدَبِ، وَالبَهَائِمَ لا تَتَّعِظُ إِلا بِالضَّرْبِ"2.
لذا علينا أن نوجّه الطفل ونحرّك نوازع الخير فيه بوسيلة التشجيع والمكافأة؛ لأنّ ولاية الأبوين على الطفل هي لأجل هدايته وإرشاده ورعايته، قال الإمام عليٌّ عليه السلام: "مَنْ أَحْسَنَ العَمَلَ حَسُنَتْ لَهُ المُكَافَأَةُ"3.

*ثانياً: فوائد التأديب
هناك حالاتٌ لا نستطيع فيها إيقاف الطفل عن الانحراف إلا عن طريق التأديب الذي له فوائد كثيرةٌ، نذكر أهمّها:
1. تحقيق النظم والانضباط: فالطفل عندما لا يلتزم بالنظام فإنّه يقع في ورطةٍ كبيرةٍ، ويسبّب المشاكل لنفسه وغيره، وتصبح حياته عرضةً للانحرافات والزلات الأخلاقيّة والاجتماعيّة والنفسيّة.
2. تقويم السلوك: فالطفل الذي يؤدّب بسبب خطأ ارتكبه يجد رابطةً بين العمل والجزاء، ويدرك أنّ عليه تحمل الألم والمشقّة عند القيام بعملٍ خاطئٍ، وهذا ما يؤدّي إلى تقويم سلوكه بصورةٍ غير مباشرةٍ.
3. الآثار الفوريّة: فعندما يسبّب الطفل الفوضى والأذيّة للأخرين، ولا يكون منتبهاً إلى ما يقوم به من أعمالٍ سيّئةٍ، يمكن في هذه الحالة أن ترجع الأمور إلى الهدوء وإلى نصابها من خلال تأديبه.
4. إيجاد اليقظة: فالتأديب في بعض الأحيان يكون سبباً ليقظة الإنسان والعودة إلى فطرته السليمة، فمن الممكن أن يحسّ الطفل في لحظة التأديب والضرب أنّ عمل المربّي غير عادلٍ، ولكنّه بعد ذلك يعلم أنّ ما قام به هو كان سيّئاً لذلك استحقّ العقاب.

*ثالثًا: أضرار التأديب
التأديب أمرٌ حسّاسٌ وخطيرٌ من الناحية التربويّة ويجب السعي إلى عدم استعماله في حدود الإمكان، فالتأديب له أضرارٌ كثيرةٌ، نذكر أهمّها:
1. تحطيم شخصيّة: الطفل إذا لم يكن التأديب مدروساً، ورافقه العقاب الجسديّ والنفسيّ من اللوم والإهانة، فإنه يدفع الولد نحو الانزواء وفساد شخصيّته.
2. انعدام ثقة الطفل بالآخرين خصوصاً الأبوين والمربّين: ويحسب هؤلاء أفراداً ظالمين، ويتوهّم أنّ محبّتهم له كاذبةٌ.
3. قتل وجدان الطفل: فالطفل الذي يقوم بأمرٍ سيئٍّ ثمّ يؤدّب، يحسّ نفسه بريء الذمّة لأنّه تحمّل عقوبة عمله السيئّ.
4. الجنوح نحو التمرّد والميل إلى التفلّت من القوانين: فيلجأ إلى الكذب والانتقام من محيطه، وتنمو في نفسه روح الإجرام في بعض الأحيان.

*رابعاً: مراتب التأديب
للتأديب مراتب ينبغي للمربّي أن يراعي التدرّج فيها، فلا ينتقل إلى المرتبة اللاحقة إلا بعد استنفاد كلّ وسائل المرتبة السابقة، والمراتب هي على النحو التالي:
1. التنبيه ولفت النظر: فقد تصدر عن الطفل كلمةٌ نابيةٌ فاحشةٌ، وهنا على الوالدين أن يشعرا الطفل بأضرار هذه المخالفة، وإلفات نظره إلى قبحها وإقناعه بالإقلاع عنها.
2. العقوبة العاطفيّة: فإذا لم ينفع الإقناع واللين يأتي دور التأنيب أو العقاب المعنويّ، فمن المناسب إظهار الاستنكار بمثل العبوس وإدارة الوجه، أو الكلام المتدرّج في شدّته، أو تهديده بعدم أخذه في نزهةٍ، قال بعضهم شكوت إلى الإمام الكاظم عليه السلام ابناً لي، فقال: "لا تَضْرِبْهُ وَاهْجُرْهُ وَلا تُطِلْ"4.
3. العقوبة الجسديّة: فإذا لم ينفع العقاب المعنويّ، فيجوز تأديب الطفل بالضرب إذا استدعى ذلك، بشروطٍ منها أن يكون برفقٍ ولا يستلزم الاحمرار ونحوه وإلا وجبت الدية كما سيأتي.

*خامساً: أصول التأديب
يجب على المربّين مراعاة ضوابط التأديب وأصوله، لكي يكون فاعلاً ومؤثّراً، وأهمّها:
1. لا بدّ أن نطرح السؤال التالي: هل يستحقّ الطفل التأديب؟ فالذي يكسر بعض الأواني الزجاجيّة خطأً لا يستحقّ العقاب. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ لَطَمَ خَدَّ مُسْلِمٍ لَطْمَةً بَدَّدَ اللَّهُ عِظَامَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَحُشِرَ مَغْلُولاً حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ"5.
2. التناسب في العقاب: لا بدّ أن نختار نوع التأديب الذي يتناسب مع العمل الذي قام به.
3. التنوع في التأديب: لأنّ التأديب يفقد فعاليّته عندما يكون على نمطٍ واحدٍ، وقد يكون مناسبًا لطفلٍ ومضراً بآخر.
4. عدم التأديب عند الغضب: على الوالدين والمربّين أن لا يعكسوا أوضاعهم النفسيّة في التربية، وفي هذا الصدد "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنِ الأَدَبِ عِنْدَ الْغَضَبِ"6.

*سادساً: ما يجب مراعاته قبل التأديب
يجب على المربّين مراعاة الأمور التالية عند التأديب:
1. الاطلاع على البواعث والعوامل التي دفعت بالطفل لاختيار السلوك الخاطئ.
2. معرفة ما إذا كان الطفل يعرف قبح العمل الذي قام به.
3. الانسجام التامّ بين الوالدين في تأديب الطفل، وتوزيع الأدوار فيما بينهما.
4. إخبار الطفل بعمليّة التأديب، فلا يفاجأ بها، مع إيضاح سبب التأديب.
6. الإعلام بالمحبّة واختيار الوقت المناسب للتأديب.

*سابعاً: ما يجب اجتنابه عند التأديب
يجب على المربّين اجتناب الأمور التالية عند التأديب:
1. الانتقام والتشفّي من الطفل أو تفريغ عُقد الوليّ أو المربّي.
3. الشتم والتحقير والسخرية والتحقير والإهانة.
4. الضرب المبرح الموجب للجرح أو الكسر أو الاحمرار.
5. الطرد أو الإخراج من البيت أو الصفّ.
6. التأديب الجماعيّ لكلّ أفراد الأسرة أو جميع التلامذة في الصفّ.
7. الحبس في الأماكن المخيفة والمرعبة التي قد تكون سبباً في بروز خللٍ نفسيٍّ.

* ثامناً: حكم التأديب
إنّ الإقدام على التأديب مع رعاية الضوابط الشرعيّة أمرٌ صعبٌ جداً، لذا ينبغي الالتفات عند التأديب إلى الأمور التالية:
1. لا يجوز ضرب الطفل دون مبرّرٍ شرعيٍّ، وقبل استنفاد كلّ الوسائل الأخرى.
2. يجوز تأديب الطفل باستخدام وسائل أخرى غير الضرب، كاستعمال الكلام الخشن أو غيره إذا لم توجب ضرراً على الطفل.
3. لا يجوز ضرب تلامذة المدارس إلا لدى إيذائهم الآخرين أو إخلالهم بنظام المدرسة أو ارتكابهم محرّماً.
4. يجوز للوليّ أو المأذون من قبله ضرب الطفل مع استحقاقه لذلك، بشرط أن لا يكون الضرب مبرحاً أو موجبًا للدية، كما إذا سبّب الضرب الاحمرار أو الاخضرار أو الاسوداد أو الكسر أو الجرح، فإذا كان الوليّ أو غيره قد فعل شيئاً غير مشروعٍ من الضرب في الماضي فعليه الاستغفار، مضافاً إلى وجوب الديّة عليه.
5. يجب دفع الدية إلى الولد نفسه، لكن لا تُدفع له مباشرةً، بل تُدفع لوليّه الذي يجب عليه حفظها للطفل.
6. وليّ الطفل الصغير هو الأب والجدّ من طرف الأب وإن علا، وكلٌّ منهما مستقلٌّ في الولاية فلا يُعتبر الإذن من الآخر، وليس لغيرهما من الأقارب ولايةٌ عليه.
7. سئل الإمام الصادق عليه السلام عن رجلٍ لطم رجلاً على وجهه، فقال: "إِذَا اسْوَدَّتِ اللَّطْمَةُ فَفِيهَا سِتَّةُ دَنَانِيرَ، وَإِذَا اخْضَرَّتْ فَفِيهَا ثَلاثَةُ دَنَانِيرَ، وَإِذَا احْمَرَّتْ فَفِيهَا دِينَارٌ وَنِصْفٌ، وَفِي الْبَدَنِ نِصْفُ ذَلِكَ"7. والدينار من حيث الوزن يساوي: 3,6 غراماتٍ من الذهب، فإذا كان غرام الذهب يساوي خمسين دولاراً تقريباً، فتتراوح قيمة الدية بين (135$) و (1080$) وفقاً للتالي:
آثار الضرب الاحمرار الاخضرار الاسوداد

دية الضرب على البدن ثلاثة أرباع الدينار دينارٌ ونصفٌ ثلاثة دنانير

 2,7 غرام

 5,4غرام

 10,8غرام

 135 $

 270 $

 540 $


دية الضرب على الوجه دينارٌونصفٌ ثلاثة دنانير ستّة دنانير

5,4غرام

10,8غرام

21,6 غرام

 135 $

540 $

1080 $

 


*مدير الإشراف الديني في جمعية التعليم الديني الإسلامي.
1 عيون الحكم والمواعظ، محمد الليثي الواسطي، ص426
2 م.ن، ص143
3 م.ن، ص447
4 بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 101، ص 99
5 وسائل الشيعة،الحر العاملي، ج17،  ص 283
6 وسائل الشيعة،م.س، ج،28 ص 48
7 من لا يحضره الفقيه، (الشيخ الصدوق)، ج4،  ص158

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

شكراَ

ملاك

2013-04-11 09:59:42

مقالة مختصرة و مفيدة جزاك الله خيراَ

آجركم الله

ملاك

2013-08-19 19:05:47

آجركم الله على هذا الطرح القيم. من المهم أن يعي الناس المسؤولية الشرعية في تأديب الطفل. وهذا الطرح المفصّل مهم جداً لأنه يبيّن عدم مشروعية التأديب أثناء الغضب، ولا ضرب الطفل مثلاً لأنه كسر آنية بالخطأ، ولا الكثير من الأمور التي يعتبرها المربي مبرراً ليعتدي على الطفل بالضرب والأذى. والأهم أن المقال بيّن مسألة وجوب الدية في حالة الضرب الذي يترك أثراً، ما يؤكد على أن هذا النوع من الضرب فيه إثم كبير، ناهيك عن أن يكون حقا للوالدين، كما يظن معظم الناس.