نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

الرسوم المتحركة سموم متحركة

تحقيق: يمنى المقداد الخنسا

 



كثيراً ما نترك أطفالنا يقضون ساعات طويلة أمام الشاشة الصغيرة لمشاهدة البرامج الكرتونية، ونظنّ أنّ وجودهم داخل البيت يحميهم من الخطر خارجه، دون أن نلتفت إلى أنّ الخارج بكل مساوئه موجود أمامهم على الشاشة في عمر لا يميّزون فيه بين الصحّ والخطأ. وأيضاً قد لا نلحظ تأثير سلبيّة بعض البرامج عليهم إلا عندما يقلّدون شخصياتها، حينها نستعدّ لمواجهتهم، مع أنهم الضحية وليسوا الجلاد، فالجلاد هو ما تبثه تلك البرامج من مفاهيم مسمومة يصعب غالباً القضاء عليها. وقبل التحدث عن كيفية تصحيح علاقة أطفالنا مع مشاهدة البرامج الكرتونية وتنمية تفكيرهم النقدي والتقييمي تحدّثنا فيما يلي مع عدد من الأهالي عن مدى تأثير تلك البرامج على أطفالهم.

* أعيش في رعب دائم
يتوجه محمد (خمس سنوات) فور عودته من المدرسة مباشرة إلى مشاهدة البرامج الكرتونية وعيناه تبقيان مشدودتين إلى الشاشة وكأنه في عالم آخر، هذا ما قالته والدته هدى (26 سنة، ربة منزل، أم لثلاثة أبناء) وأضافت: "مرة قال لأخته إنه سيذبحها كما يفعلون في الرسوم إذا لم تعطه أغراضها ما دفعني إلى العيش في قلق دائم خوفاً من أن ينفذ ما قاله".
ولاحظت هدى أن محمداً قد تغيّر سلوكه فأصبح عصبي المزاج، منطوياً على نفسه، يضرب إخوته ورفاقه بعنف، ويرفض الخروج مع أهله إلى أي مكان ما جعل التعاطي معه صعباً جداً.

* كدت أخسر ابني
أما تجربة مريم (40 سنة، أم لأربعة أبناء) فليست أفضل حالاً، فابنها سامر البالغ من العمر 7 سنوات كاد أن يقع عن سطح المنزل لولا العناية الإلهية. وعن هذه التجربة أخبرتنا: "ربط ابني حبلاً بعمود على سطح المنزل وأراد القفز بواسطته على سطح الجيران. ولولا وصول والده في اللحظة المناسبة لكان وقع ومات وخسرته إلى الأبد".
مريم رأت أن المسؤولية تقع على القنوات الإعلامية، بالدرجة الأولى، لأنها تبث برامج كرتونية غير سليمة، كما أن الأهل غير قادرين على منع أطفالهم من مشاهدتها وتقليد شخصياتها.

* قدوة كرتونية
وتحدث حسين (35 عاماً، أب لثلاثة أولاد) عن تجربته في هذا الأمر قائلاً: "لا تنتهي طلبات ابني عباس (8 سنوات) فهو يريد دائماً شراء الألعاب التي يراها في الرسوم وهي أحياناً مؤذية وغير مفيدة كما يحب شراء ثياب عليها صور أبطال الرسوم الكرتونية".
ويرى حسين أن قدوة الطفل أصبحت شخصيات كرتونية لا تعلّمه إلا القتل والعنف وسلوكيات مخجلة وغير أخلاقية.

* عنصريتهم ضدنا بلغتنا
ولأنه غزو ثقافي إعلامي كان لنا لقاء مع الدكتور حسين رحال، أستاذ مادة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، حدَّثنا فيه عن خلفيّات وأهداف هذه الحرب الإعلامية معتبراً أن الرسوم الكرتونية تحولت من إنتاج ثقافي إلى نوع من التصنيع التجاري في الغرب تقوم به شركات كبرى لأهداف اقتصادية وتجارية، تبثّ من خلاله قيم الثقافة الاستهلاكية الغربية، بما تحمله من عنصريّة واحتقار للآخر، وذلك في بعض أنواع الرسوم الكرتونية التي تقدّم صورة الغربي على أنه (سوبرمان) أو الرجل الخارق الذكي، وصورة الآخر معاكسة تماماً وبأوصاف محتَقَرة وعنصريّة.
كما أشار إلى أنه-وبعد تصاعد الأصوات المعترضة- أصبحت هذه المفاهيم تمرّر بشكل أنعم لكن أخبث، فلم يعد يقدّم العربي بطريقة مباشرة أنه لا يفهم بل يصوّر على أنه الإنسان الغبي، كما يقدمون بعض الرموز والمثل العليا الثقافية العربية بلغتهم وثقافتهم ومصطلحاتهم، معتبراً أنّ هذا جزء من الحرب الناعمة التي تهدف إلى تعزيز الثقافة الغربية على حساب ثقافتنا العربية والإسلامية من خلال زرع قيم حب المال والسلطة وأن القوي هو الأهم وتصنيف الناس بين أغبياء وأذكياء...إلخ.

* المنحى الصهيوني
كما أكّد الدكتور رحّال على المنحى الصهيوني في بعض البرامج الكرتونية، ولا سيما أن معظم أصحاب الشركات المنتجة في أميركا هم من اليهود الصهاينة وهم يعملون على تمرير الثقافة الصهيونية من خلال تقديم بعض مفردات المشروع الصّهيوني العدواني في المنتج الكرتوني بشكل سلس وخفي عن علاقة اليهود بفلسطين المحتلة والقدس، وعن جماعة وأرض داوود وذلك بهدف تثبيت بعض المسائل والقيم الثقافية الصهيونية وترسيخها في أذهان أطفالنا لخدمة مشروعهم على المدى الطويل.

* أين الإنتاج العربي؟
ورأى الدكتور رحال أن الإنتاج العربي موجود لكنه لا يغطي حاجة السوق العربية المحلية معتبراً أن الشراكة الحاصلة بين المال العربي والأميركي هي العامل الأبرز الذي يساهم في اكتساح البرامج الغربية للسوق العربية، فهناك قنوات عربية تتعامل مع شركات أميركية ضخمة لتعريب إنتاجها دون أن تقوم بتصفية للمواد الإعلامية فيبقى المضمون بغالبيته مسيئاً إلى عالمنا العربي كما أنه يعيد تطبيع شخصيات أطفالنا مع ما تريده الثقافة الغربية، وقد أصبحت بعض القنوات المتخصصة في برامج الأطفال جسر عبور للقيم التي تحملها الشركات الأميركية فتغلبت المصالح التجارية على التصفية الثقافية والأخلاقية.

* ماذا يشاهد أطفالنا؟
وللوقوف على أبرز التأثيرات النفسية والسلوكية لبعض الرسوم الكرتونية التقينا الأخصائية في علم النفس العيادي تغريد حيدر التي رأت أن هناك رسوماً كرتونية توجيهية إيجابية جداً، تهدف إلى تثقيف الطفل وتنمية خياله الابتكاري وحسّه الجمالي، وغرس مفاهيم أخلاقية واجتماعية عنده، ولا سيما تلك التي تحكي قصصاً ترتبط مباشرة بواقع الطفل، وتعلمه سلوكيات محببة في مجتمعاتنا الشرقية.

* سموم لا رسوم
كما رأت حيدر أن بعض أنواع الرسوم الكرتونية تترك آثاراً سلبية على الطفل من خلال ما يتعلّمه من مفاهيم مغلوطة، ومنها:
1 - إن معظم شخصيّات تلك البرامج تلجأ للسحر والشعوذة والقوى الخارقة لمساعدتها في حربها ضد الشر وفي ذلك محاولة لإظهار أن هناك قوى عظمى غير الله تحرّك الكون من بعيد.
ولفتت حيدر إلى أنّ هذا ليس فقط يتعارض مع مبادئ كل الرسالات السماوية بما فيها الإسلام ولكنه أيضاً يروّج لفكرة، مفادها أن الاعتماد يكون على الحظ وليس على الله والذكاء والأخلاق.
2 - تعلّم الطفل أنّ مواجهة الآخر تكون عبر العنف فقط، فتحارب بذلك فطرته القائمة على حب الآخرين، من خلال التلذذ بمشاهد القتل والدماء. ورأت حيدر أن هذا منحى صهيوني، يهدف إلى تعويد الطفل على القتل للوصول إلى الغاية.
3 - تركز على أهمية المحاربة من أجل قضية عاطفية لا نضالية، وعلى تكوين صداقات مع الجنس الآخر وتحارب الأخلاق السامية، كما تكرّس الحياة الغربية والتمرد على الأهل والمجتمع.
4 - التقليل من أهمية الأسرة في بناء المجتمع، ويظهر هذا المنحى في عرض مشاهد عن الأم التي تربي أولادها بمفردها.
5 - يحتوي بعض الرسوم على إيحاءات جنسية، وهي رسائل غير مباشرة توجد في خلفية الصورة وتبثّ بشكل لا واعٍ على دماغ الطفل، فيفكر فيها ويتعود عليها ويظنّ أنها جزء من حياته، ويقيّم كل أموره على أساسها.
6 - تبثّ رسائل عنصرية تنقل صورة أنّ الشخص الأسود هو عبد وخادم، وأنّ الأبيض هو سيد ومحترم، كما تصور العربي أو المسلم على أنه إرهابي وشرير وخاسر وغبي ومتخلف...

* الآثار النفسية والسلوكية
في هذه الجزئية لفتت الأخصائية حيدر إلى أن تأثير الرسوم الكرتونية يختلف بين طفل وآخر، فهناك شخصيات تتأثر بكل شيء حولها أكثر من غيرها إضافة إلى عوامل تتعلق بدور الطفل ضمن أسرته وما إذا كان محور اهتمام ودعم نفسي منها أم لا، وإذا لم يكن كذلك سيشعر بالنقص وسيحاول إشباعه بأمور أخرى قد يراها في الرسوم مثلاً.
ومن أبرز الآثار:
1 - تصبح سلوكيات الطفل عدوانية، عنيفة، متمردة وسيشعر بملل دائم لأن أفق خياله أصبح ضيقاً.
2 - يصبح الطفل أنانياً ومتسلطاً، وقد يميل نحو العزلة والانطوائية، كما قد يصبح غير محب للآخرين، وغير قادر على التفاعل معهم؛ لأنه لم يجد دوراً إيجابياً له في الرسوم، وبالتالي في المجتمع.
3 - لن يستطيع الطفل تطبيق ما يدخل إلى وعيه من مفاهيم خرافية في واقعه مما سيخلق عنده صراعات نفسية إذا حاول ذلك فيما بعد.
4 - تخلق الرسوم العنيفة نوعاً من الذعر والخوف عند بعض الأطفال، ما يولد عندهم قلقاً واضطرابات نفسية وتصبح أحلامهم كوابيس، وأحياناً تولّد أمراضاً جسدية كالتبول اللاإرادي.

* دور الأهل: إجراءات وقائية واستنفار دائم
رأت حيدر أن الأفلام والرسوم الكرتونية باتت تشارك في تربية الطفل بشكل أو بآخر، ما يوجب على الأهل اتخاذ خطوات جريئة، ومنها :
1 - أن يحضر الأهل قدر الإمكان مع طفلهم أثناء المشاهدة، وأن يناقشوه بعد الانتهاء بهدوء شديد ولو لدقائق معدودة، لينمّوا لديه الحسّ النقدي، وليميّز أيضاً بين الصح والخطأ.
2 - أن ينوّع الأهل البرامج التي يشاهدها الطفل، وأن يختاروا الأنواع التوجيهية والتعليمية والتثقيفية.
3 - على الأهل تحديد فترة زمنية للطفل للمشاهدة على أن لا تتعدى الساعتين يومياً، ومحاولة إيجاد البديل (رسم-ألعاب تركيب واشتراك في نوادٍ ـ....إلخ).
4 - إقناع الطفل من خلال الحوار، بأن التلفزيون ليس مفيداً دائماً وليس السبيل الوحيد للتسلية.

* عندما يقلد الطفل ويعرض حياته وحياة الآخرين للخطر
لفتت حيدر إلى أن الخطأ ليس في إهمال الأهل لطفلهم، في اللحظة الّتي قلّد فيها الشخصيات أو المواقف الكرتونية، إنما الخطأ في سماحهم له بمشاهدة أمور غير سليمة مسبقاً.
أما عندما يلاحظ الأهل مؤشرات معينة، عند الطفل كالشرود الدائم أو الحركة الزائدة وهي ليست في طبيعته أصلاً، عندها لا بد من تدخل الأخصائي ليس لمعالجة الطفل مباشرة، إنما لتعليم الأهل كيفية التعاطي معه من خلال تدريبهم على المفاهيم الصحيحة.

ختاماً، يقول أحد علماء النفس: "إذا كان السجن هو جامعة الجريمة، فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث". وإذا اعتبر أحدٌ هذا الرأي صحيحاً ومقبولاً، يبقى أن استسلام الأهل أمام كل ما يبثّه التلفزيون من رسوم وبرامج كرتونية،غير مقبول أبداً. والخطوة الأولى تبدأ عند قيام الأهل بالإشراف على ما يشاهده أبناؤهم، وقيامهم بالتوجيه المناسب لتقوية مناعة أبنائهم ضد سمومه
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع