نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

واتس أب".. صراعٌ بين المجّانية وضياع الخصوصية

تحقيق: فاطمة شعيتو حلاوي

 



رأسٌ مطأطَأ نحو الأسفل، وجهٌ صامتٌ تجتاحه بين الفينة والفينة تعابير وإيماءات مختلفة، ذهنٌ شارد، أُذُنان معزولتان عن البيئة المحيطة، عينان متسمّرتان على بقعةٍ ضيّقة، أنامل تنقر بسرعةٍ فائقة على الحروف والرموز والخيارات... إنها عوارض الانغماس العميق في عالم الـ "واتس أب" (whatsApp)، وربّما الضياع في متاهاتٍ صنعها هذا الشبح الرقمي الذي يغزو تصاعدياً الهواتف الخلوية وعقول حامليها، مدعوماً بشعار "المجّانية" وسهولة التحميل من جهة، وملغوماً بالثغرات وضياع الخصوصية من جهة ثانية. فما هو برنامج "واتس أب"؟ ولمَ التهافتُ على استخدامه أو الإحجام عنه؟ ما هي ثغراته ومخاطره؟ وكيف يمكن تجنّبها مع مراعاة الإفادة من إيجابياته؟

* تواصلٌ مجانيّ غيرُ آمن
يُشكّل الـ "واتس أب" اليوم واحداً من أكثر تطبيقات الدردشة انتشاراً في العالم، إذ يمكن تحميله بيسرٍ على الهواتف الذكية. وهو متوفّر على منصّات عدّة مثل الـ"آيفون"، الـ"أندرويد"، وأجهزة الـ"بلاك بيري"، وغيرها. كما أنه يمتاز بسهولة تبادل الملفات بين مستخدميه. وعلى الرغم من الإقبال الشديد على هذا البرنامج، نظراً لتوفيره إمكانية التواصل المجاني مع الآخرين على مدار اليوم، إلا أن إشكاليةَ الحفاظ على خصوصية المُستخدم حالت دون الوثوق المُطلق به. فقد تبيّن أن الـ "واتس أب" طُوّر على نحوٍ يسمح بنشر كلّ بيانات المُستخدم على شكل نص غير مُشفّر (plain text) وغير محميّ، ما يُتيح لبعض الجهات، كشركات الاتصال وقراصنة الإنترنت (hackers)، التسلّل الى أرقام الهواتف والرسائل والروابط والصور وأفلام الفيديو الخاصة بالمجموعة المُنشأة عبر البرنامج المذكور (group)، ومن ثمّ مراقبة هذه البيانات بسبب سهولة الدخول إلى حسابات المستخدمين واعتراض معلوماتهم عبر حِيلٍ متنوّعة، أبرزها إمكانية تحقيق عملية اﻻﻗﺗران واﻻﺗﺻﺎل دون إذن ﺻﺎﺣب الجهاز المحمول، عبر تطبيقات مُعدّة لهذه الغاية.

كلّ ذلك يجعل إشكالية التجسُّس تقفز إلى واجهة الحذر والحيطة، ولا سيّما بعد ظهور تطبيق على متجر شركة "غوغل" على الـ "أندرويد" باسم "WhatsApp Sniffer" يتيح كشف بيانات مُستخدمي الـ "واتس أب"، سرعان ما عمدت الشركة إلى إلغائه.

* بياناتٌ قابلة للاسترجاع
يحذّر الخبراء في أمن المعلومات الإلكترونية من إمكانية استرجاع بيانات الـ "واتس أب" الموجودة على جهاز الهاتف الخلوي بعد فقدانه أو بيعه لأصحاب محال صيانة الهواتف النقّالة، عبر استخدام برامج ومواقع إلكترونية ترفع السريّة عن ملف حفظ المراسلات.
في هذا الإطار، لا ينفي الشاب أحمد ن.(صاحب محل صيانة وبيع أجهزة خلوية) علمه بتقنيات تسمح باسترجاع بيانات مستخدمي "واتس أب" بعد مسحها عن الهواتف المحمولة، مشدداً على أن هذا الفعل منوطٌ إلى حدّ كبير بنزاهة المعنيين بالصيانة ومدى التزامهم أخلاقيات العمل.
ولا يُبدي أحمد استغرابه لتحقّق إمكانية التجسّس على مستخدمي البرنامج المذكور والتسلّل إلى معلوماتهم الشخصية، عازياً ذلك إلى تطوّر التكنولوجيا الرقمية التي "لم يعد أيُّ أمرٍ عصيّاً عليها".
وهنا سؤالٌ يُطرح: ما الذي يدفع الشرائح العمرية الشابّة، على نحو خاص، للانصياع إلى دنيا الـ "واتس أب" والانزلاق في شباكه العنكبوتية، على الرغم من أن المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت باتت مُثقلة بالشكاوى والتحذيرات من ثغرات هذا التطبيق والمخاطر الاجتماعية الناجمة عنه، وفي مقدّمها العزلة والتفكك الأسري وانحلال روابط الثقة بين الأفراد؟

* بين التسلية والحاجة إلى التواصل
يقول الشاب عبد الله (25 عاماً) إنه يستخدم الـ "واتس أب" كوسيلةٍ للتسلية و "تضييع الوقت"، وللتواصل المستمر مع الأهل والأصدقاء مجاناً، وللإفادة من بعض خدماته كـ "الخبر العاجل"، معتبراً أن الاستخدام السيئ والعشوائي للبرنامج المذكور ينحصر بفئة المراهقين خاصةً، نظراً لتوفّر الخدمة طوال ساعات اليوم، وهو ما أدّى إلى توسّع نطاق ظاهرة "العُزلة الاجتماعية" في أوساطهم وسط غيابِ رقابةٍ مُحكمةٍ من قبل الأهل، بحسب رأيه.
في المقابل، تؤكد رنا (15 عاماً) أن لـ "واتس أب" إيجابيات تتمثّل بالتواصل مع أصدقاء المدرسة للتشاور في إنجاز الواجبات المطلوبة ومناقشة المسائل العلمية، ولتبادل بعض الملفات، من صور وأفلام فيديو ونغمات، لافتة إلى أنها لا تُصدّق كل ما يُحكى عن إمكانية التسلّل إلى المعلومات الخاصة بمستخدمي البرنامج.
وإذ توضح مريم (34 عاماً) أنها لم تعمد إلى تحميل الـ "واتس أب" على هاتفها الخلوي إلا من باب الفضول واكتشاف طبيعة التطبيق وخياراته. في حين يُبدي مهدي (18 عاماً) تشبثه بالإحجام عن استخدام البرنامج لأنه "قابل للاختراق"، ويسبّب مشاكل جمّة بين الأزواج والأصدقاء، على الرغم من أنه "يلبّي الحاجة إلى التواصل أحياناً".

* فُسحةٌ للتوصيات
في حين تتفاوت الآراء بين "مناصري" الـ "واتس أب" ورافضيه، كلٌّ بحسب رؤيته الخاصّة وربّما تجربته مع البرنامج الشهير، يبقى للتوصيات التي رجحت عن خبرة الاختصاصيين في هذا المجال فُسحةٌ قد تحسم الجدال القائم بين الطرفين، نذكر منها:
•عدم تبادل أيّ بيانات ذات خصوصية عالية أو محتوىً ذي طابع سرّي عبر الـ "واتس أب". أمّا في حال الضرورة، فيجب إرسال هذه البيانات واستقبالها بطريقة آمنة ومشفّرة، أي بواسطة شبكة خاصة افتراضية (VPN)، وليس عبر البث اللاسلكي (WiFi).
•تحديث تطبيق الـ "واتس أب" بشكل مستمر لتفادي الوقوع في الثغرات التي قد تكتشفها الشركة المُطوّرة للبرنامج وتقوم بحلّها.
•مسح البيانات الخاصّة عن الهاتف المحمول عبر عملية إعادة التهيئة (Format)، والتي قد لا تكون كافية في بعض الأجهزة، ما يجعل عملية تلف الجهاز بالكامل الطريقة الأضمن لمسح البيانات والحيلولة دون استرجاعها من قبل أي طرف!
•صيانة الهاتف المحمول في محلات موثوقٍ بنزاهة أصحابها والعاملين لديهم.
•كما تجدر الإشارة إلى معلوماتٍ تمّ تداولها مؤخّراً عن إمكانية استبدال "واتس أب" ببرنامج آخر اسمه "لاين" (Line)، يتمتع بقاعدة تشفيرٍ قويةٍ تحافظ على مستوى عالٍ من سرية المراسلات، على حدّ نصيحة الخبراء.

* حصادُ الكلام
كثيرةٌ هي التقنيات الحديثة التي تغزو مسار حياتنا يوماً بعد آخر. قد تطرقُ بيوتنا وتدخلها دون استئذان، فهي فعلاً سريعةُ الحركة، خفيفة الظلّ، أنيقة المظهر، وربّما زهيدة الكلفة... ولكنها حتماً ذات وجهين! فلنحرص على معاينةِ تفاصيلها وتبعاتها قبل أن نفتح أبوابنا أمامها، ولنرسم بعقلنا ومبادئنا الرفيعة ملامح وجهها الحَسن، كي لا نكون فريسةً سهلةَ الوقوع في براثنها اللمّاعة، وكي تكون بدورها صهوةً نمتطيها نحو عالمِ الحداثة البنّاءة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع