تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

تربية: المعلم الجديد: المواصفات المهنية

د. حسن سلهب(*)

 


بدايةً نشير إلى أننا في هذه المقالة سوف نتناول خلفية المواصفات المهنية من دون التطرُّق إلى المعايير الفرعية التي سوف نطرحها بالتفصيل في المقالات اللاحقة.

* الإشكالية
السؤال المحوري المطروح في هذا المجال، هل يمكن أن نتحدث عن مواصفات مهنية عند المعلمين بالطريقة نفسها، التي تجري مع الأطباء والمهندسين والقضاة وغيرهم، أم أن الأمر لا يعدو كونه تطلعات مستقبلية غير محسومة بعد؟ وبعبارة أخرى: إذا كنا لا نتوقع بناءً حديثاً من دون مهندس، أو علاجاً منهجياً من دون طبيب، أو حكماً قانونياً من دون قاضٍ، فهل المعادلة نفسها تتكرر مع المعلم، أي أننا لا نتوقع تعليماً عصرياً من دون معلم؟ وإذا تمادينا بالسؤال يمكن القول: هل يمكن مقارنة أصول التعليم وقواعده بأصول سائر المهن المذكورة وقواعدها، من حيث الوحدة والواقعية والغنى؟

* مقاربة عامة
صحيح أن التجربة التاريخية للمعلمين لا تدعم هذه المقارنة، فالنسبة الغالبة من المعلمين لم تتأهل أو تُعد فعلياً لمهنة التعليم، ولا يزال الأمر في كثيرٍ من البلدان يقتصر على الإعداد العلمي للمعلم دون المهني. وصحيح أيضاً أن أصول التعليم وقواعده لا تزال ضمن الإطار المحلي، ولم نصل بعد إلى أصول وقواعد إقليمية واحدة، فضلاً عن العالمية، في حين أن المهن كالهندسة والطبابة والقضاء وغيرها تجاوزت ذلك منذ عقود طويلة. لكن القضية ترتبط، على ما يبدو، بكثافة الحاجة للمعلمين، وندرة الخيارات المتوافرة، ثم تعقيدات العملية التعليمية، كونها تتصل بالإنسان المختلف. فالتجربة التاريخية التي تشير إلى النسب الغالبة للمعلمين غير المؤهلين، تفيد أيضاً أن نسب الرسوب والتسرب المدرسي في صفوف التلامذة كانت ولا تزال، تروي في جزءٍ منها رواية الإخفاق في تجارب هؤلاء المعلمين وإنجازاتهم. بل إن نوعية التحصيل عند التلامذة، فضلاً عن طبيعته وظروفه وملابساته، تشير هي بدورها إلى المعاناة والكلفة النفسية القاسية التي كان يتكبدها كلا الطرفين، المعلم والتلامذة، في الحياة المدرسية.

وما كرَّس الواقع السابق أن نتائج التلامذة، لا سيما السلبية منها، لم تلق عناية كافية في مجال علاقتها بأداء المعلم وجدارته. فالمعلم الذي تمكن من تحقيق النجاح بنسبة 30% من عدد تلامذته هو معلم، أما ال70% الباقية، فهي تشير إلى أن الأولاد لم يكونوا تلامذة بشكل فعلي. وهذا أمرٌ لم نجد له مثيلاً في مجال المهن الأخرى. فالمهندس الذي ينهار بناؤه يتحول مباشرة إلى المحاكمة، وبالتالي إعادة النظر فيما إذا كان مهندساً جديراً أم لا. والطبيب الذي تسبب بوفاة مريضه، أو حتى بزيادة مرضه، سيواجه موقفاً حاسماً يرتبط باستمراره في مهنته. وكذلك القاضي، إذا ما ظهر أن حكمه لا يستند إلى أية قاعدة قانونية. ولا ينتظر المعنيون بهذه المهن أن تتعدد إخفاقات أصحابها، أو أن تصل إلى نسبة 90% أو أكثر، كما هو حال المعلمين في السابق، وربما الآن. أما مسألة غياب المعايير الواحدة لمواصفات المعلمين المهنية، إقليمياً أو عالمياً، فهو أمرٌ يحكي رواية الصعوبات التي تواجه هذه المهنة، والشروط التي لا تزال في مرحلة التوفير. على المستوى النظري جرت أول محاولة جدية في هذا المجال، حيث صدرت «توصية بشأن أوضاع المدرسين» عن مؤتمر دولي حكومي عقد في باريس في 5 تشرين الأول 1966، ولا تزال هذه التوصية تشكل مرجعية فعلية لغاية الآن(1).

والأمور تتجه، أكثر من أي وقت مضى، في هذا المنحى. وفي الوقت الذي تبتعد به بعض الدول عن التأهيل والإعداد المسبق، هناك دول قطعت أشواطاً عديدة في مرحلة تمهين التعليم، ولم تعد ثمَّة فروق جوهرية تفصل التعليم كمهنة عن باقي المهن المعرَّفة عالمياً.

* الانتقال إلى مرحلة التمهين‏
في أي حال، إن الانتقال إلى مرحلة تمهين التعليم يفترض تأمين شروط عديدة أبرزها:

أ -توفير فرص الإعداد المسبق‏
إن تلبية حاجة المدارس من المعلمين تتم عبر الخيارات المتوافرة، وليس الخيارات المرجوة. وإن استمرار الندرة في حملة الشهادات التربوية، يعني الاستمرار في مرحلة التأهيل والإعداد على حساب التعليم، ومن رصيده المستقبلي. وهذا ما يستدعي فتح مراكز ومعاهد وفروع جامعية، تعنى بتأهيل المعلمين، قادرة على تلبية الحاجات المتنامية للمدارس، على أن لا تكون الكلفة عائقاً أمام الراغبين بالانخراط بهذه المهنة. ذلك أنه من غير الواقعية الحديث عن تمهين التعليم، في ظل ندرة القابليات في صفوف المعلمين.

ب-التدريب أثناء الخدمة
إن اعتماد مبدأ التدريب أثناء الخدمة الفعلية لا يقل أهمية عن التأهيل قبلها، بل يتجاوزه في كثيرٍ من الميادين. ولا نبالغ إذا قلنا إن فهم المعلم لمعارفه، واكتسابه لمهاراته، يتحقق أو يتجدَّد مع دخوله الفعلي في الخبرات الميدانية المتصلة بها. إن معاناة المعلم الميدانية هي الشرط الحاسم في تكوُّنه وصيرورته معلماً، وإذا ما فقد فرصة التدريب في هذه الفترة، فإن ما ترسخ لديه من تدريبه السابق، لن يكفيه في مواجهة الواقع الفعلي. وفي أي حال، إن التدريب المستمر أثناء الخدمة يُبقي عملية التمهين في حيوية دائمة.

ج- الترخيص لمهنة التعليم‏
إنَّ الحصول على شهادة تربوية لا يعني امتلاك مواصفات المعلم، بل لا بد من التقرير بهذه المسألة بصورة مستقلة. كذلك إن الحصول على رخصة في التعليم لا يعني امتلاك مواصفات المعلم للأبد، ذلك أن المواصفات تخضع بطبيعتها للظروف الشخصية والزمنية الخاصة بالمعلم. وإذا كان التدريب المستمر أثناء الخدمة يوفر استمرار التفاعل المهني، فإن تجديد الرخصة، كل خمس أو سبع سنوات، يضمن استمرار هذا التفاعل على النحو المطلوب، على أن تتشكل معايير التجديد للرخصة من المواصفات الشخصية والعلمية والمهنية الأساسية. ولا مانع من أن تتولى هذه المهمة نقابة المعلمين أو وزارة التربية، أو الجهتان معاً. أخيراً، آن الآوان لوضع حد للمرحلة التي يبدأ فيها المعلم اكتساب مهاراته الفنية وهو يمارس التعليم، والخطورة هنا لا تكمن في تضييع فرص عديدة على تلاميذه قبل اكتسابه لهذه المهارات فحسب، بل في المنهج الذي يسير عليه حتى يصير معلماً، وما يعني ذلك من احتمال اضطراب تجربته وضعفها على الدوام.


(*) مدير الاشراف والتأهيل في مدارس الامداد.
(1) نظمت اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلم والثقافة، ورشة عمل خاصة للتعريف بهذه التوصية الدولية، وإجراء مقارنات بين مضمونها وواقع المعلمين الفعلي في لبنان، وذلك بتاريخ 17 شباط 2007. وقد صدرت أعمال الورشة في كتاب خاص عن اليونسكو في العام نفسه.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع