تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

مجتمع‏: لأمهات الشهداء أغلى هدية

إعداد: هبة يوسف عباس‏



ماذا أهديك في العيد يا أمي يا نبع العطاء: روحي؟ فهي ملكك وجزءٌ من روحك، سني عمري؟ فسنيّك التي بذلتها عطاءً وحناناً ومحبة تشهد على تقصيري، دمي الذي يضج بحب الحسين عليه السلام؟ أم قلبي الذي يفيض بالشوق للقاء الله؟ فهما فيضٌ منك ولا مِنَّة لي، الفضل فضلك. إذاً، فهداياي هي جزءٌ من عطاءاتك، فليكن هديتي إليكِ بعد شهادتي بضعٌ مني ليذكركِ بي دائماً، فلذة كبدي وأغلى هدية إلى أغلى الأمهات... ولدي. في هذا العيد لم تنسَ بقية الله أمهات الشهداء، وأجرت مقابلات مع بعضهن ليتحدثن عن مشاعرهن تجاه أبنائهن الشهداء وأولادهم.

* وحيد العائلة
الشهيد فادي شرتوني، ولد في 17 أيار 1982، استشهد في 29 نيسان 2001 خلال تفكيكه ألغاماً في منطقة ميس الجبل، عازب. فادي ابن الثامنة عشرة والوحيد على خمس أخوات، زفّ إلى والدته شهيداً وهي التي لطالما بكته قبل استشهاده، لإحساسها بأنها ستفقده، وأنه ليس من أهل الدنيا. فطبعه وأخلاقه يدلاّن على اختلافه عن الآخرين. حزن أم فادي حزنان: الأول على فقدها ابنها الوحيد، والثاني لأنه لم يترك أثراً أو ذكرى له في هذه الدنيا ليُخَلَّد اسمه بعد استشهاده. وعن هذه الحرقة، تقول الوالدة: "كل أم تتمنى أن يتزوج ابنها فترى أولاده، لكن حياتي مع فادي كانت قصيرة جداً. صحيح أني أحتفظ الآن بكل أغراضه وهداياه لي في عيد الأم، لكنه لو كان متزوجاً ولديه أولاد، لاختلف الأمر، ولكنت الآن أربي طفلاً من ولدي الذي فقدته وكان يمكن أن يعوضني عنه، فيذكرني في عيد الأم فأحس بأن فادي هو من ذكرني".

وتتذكر الحاجة أم فادي عيد الأم الذي تلا استشهاده: "ذلك العيد قضيته بالقرب من قبره الموجود في باحة مطلة على منزلنا في قرية ميس الجبل وهكذا أحسُّ بأنه دائماً قريب مني". وأخيراً، أكدت والدة الشهيد أنها لا تعتب على فادي، لأنه مضى في طريقٍ اختاره لنفسه، فالشهادة كانت أمنيته الأولى والأخيرة. الشهيد علي حاتم رضا من شهداء الوعد الصادق، ولد عام 1975، استشهد في 14 آب 2006 صريفا. متزوج وعنده بنت (فاطمة 5 سنوات). تصفه والدته بالمُرْضيِّ، حيث لا يهدأ باله ولا يطيب عيشه إذا أحسَّ بوالدته منزعجة. ذكي، محب للعلم، متحمل للمسؤولية، لا يقصِّر أبداً في وصل أرحامه، فكيف به بوالديه!؟ الحاجة أم علي والصبر أبرز صفاتها تتحدث عن ولدها بفخرٍ وعزٍّ يمتزجان بحرقة الفراق، وتقول: "فاجعة فقده كانت صعبة عليَّ، لأنه وحيد، ولكن إلى جانب الحزن هناك فرحة تملكت قلبي، أن ولدي مضى شهيداً ولم يمت غدراً أو في حادث، علي نال ما كان يطمح إليه، فشوقه للذهاب إلى الجنوب أيام الحرب لم يكن ليوصف".

وعن سبب صبرها على فقدان علي، تؤكد الحاجة أن هناك سببين: الأول أن الشهيد لطالما أعطاها دروساً في الصبر، ولا تشك بأنه قد دعا لها وهو يجاهد بأن يصبّرها الله بعد استشهاده. أما الثاني، فتشرحه بقولها: "طفلته التي تركها هي عوضي الوحيد عنه الآن، وأنا أحمد الله على وجودها لتبقي ذكره موجوداً. هي تشبهه كثيراً بحركاتها، تحبني وتحدثني يومياً على الهاتف، حيث تعيش مع والدتها في الجنوب، عاطفية كوالدها، وكل عيد أم تحتفل بي ووالدتها كما كان علي يفعل تماماً، حيث إنه لم ينسَ هذا العيد يوماً".

* غابوا ولكن...
الشهيد حسين إبراهيم حيدر أحمد من شهداء الوعد الصادق، مواليد: 7 كانون الأول 1973 جبيل عمشيت. استشهد خلال المواجهات في بنت جبيل، متزوج، ولديه طفل (جواد سنتان)، ولد بعد استشهاده ب3 شهور. لطالما أخبرها قلبها بما يعانيه، فكانت أقرب إليه من نفسه. تشاركه أوجاعه رغم حرصه على عدم إخبارها في حال إصابته في العمليات العسكرية، لأنه يعرف إحساسها تجاهه. الشهيد حسين الذي نشأ في عائلة مؤلفة من 4 شباب وفتاتين، كانت له موقعية خاصة عند كل فرد من عائلته، فهو مركز الحرية في العائلة ويشارك الجميع همومهم ومشاكلهم.

والدة الشهيد تتحدث عنه والدمعة في عينيها قائلة: "حنون ومحب وعطوف معي، كان يتذكرني في كل مناسبة وخاصة في هذا العيد، ولأنني عرفت الطريق الذي اختاره ولدي، أصررت عليه ليتزوج وينجب. لذا، ما يحز في قلبي الآن أنه لم يرَ طفله بعد ولادته، حيث كان ينتظر مجيئه بفارغ الصبر. أول ثلاثة أشهر مضت بعد استشهاد حسين، كانت من أصعب الشهور عليَّ. لكن بعد ولادة جواد تغيّر كل شي‏ء. والحقيقة أن حزني قد خفَّ وصبري عظم، لأنني رأيت في جواري ابني الذي فقدته. هو الآن أعز ما أملك، فأخاف عليه من نسمة الهواء. أشتاق إلى ولدي كثيراً، لكنني أراه من خلال عيني جواد. وإن شاء الله، نربيه ليكون صالحاً وعلى خط أبيه ونهجه".

الشهيد علي ديب حيدر من مواليد بليدا 1966، استشهد في مركبا في 16 تموز 2000، متزوج ولديه 3 صبيان وفتاة. "أبو حسن صغير العائلة تقول والدة الشهيد لكنه كبيرهم بقلبه وعاطفته ومحبته لي. كان يزورني في الصباح قبل ذهابه إلى العمل وبعد عودته، حيث نعيش في نفس المبنى. في عيد الأم يقصدني أينما كنت، سواءٌ في بيروت أو الجنوب ليحتفي بي، فيمضي النهار كله معي، يطلب مني الدعاء له ويأخذ الرِّضا وبعدها يغادر". كانت تراه صباحاً ومساءً، إلا في ذلك اليوم حيث أتى لرؤيتها قبل ذهابه إلى مركبا ولم يجدها في المنزل، فلم تودعه قبل استشهاده، وتقول: "عندما علمت بأن ولدي استشهد ولم أره لأودعه، أحسست بالحزن يخترق قلبي، لكن وجود أبنائه الأربعة خفف عني كثيراً، فكنت أضمهم إلى صدري، فأحس بأنني أضم ولدي. أحفادي كأبيهم في حنانهم وحبهم لي ويزورونني كل يوم ويطلبون الرِّضا، لذلك، أحمد الله أنه كان متزوجاً وعنده أولاد".

ابن الشهيد البكر حسن، عبّر عن مسؤوليته تجاه جدته، قائلاً: "في عيد الأم نحتفل وجدّتنا بسهرة عائلية نخصصها لها، فجدتي مقدسة، لأنها كانت كذلك لوالدنا. في هذا العيد أقول لها بأننا سنكون على قدر المسؤولية تجاهها وتجاه والدنا، حيث سنحفظ اسمه وخطه الجهادي إن شاء الله".

* والدة شهيد... شهيديْن:
الشهيد محمد عبد الله صولي ولد في 10 شباط 1963، استشهد عام 1990 متزوج ولديه صبيان وفتاة. الشهيد علي عبد الله صولي من شهداء الوعد الصادق ولد في 1 آب 1972 واستشهد في 4 آب 2006، متزوج وعنده صبي. محمد الولد البكر، تحمّلَ مسؤولية إخوته التسعة ووالدته في عمرٍ مبكر، لغياب والده المستمر في العمل، فكان عضد والدته ورجل البيت مكان والده. وعنه تقول أم محمد: "عاطفي جداً وحنون، عندما بدأ العمل في حزب الله كان مركز عمله في بيروت وأنا كنت أسكن في الغازية. ورغم كل الظروف الصعبة، كان يأبى أن يمر وقت دون أن يراني، فلقاؤنا كان دائماً في صيدا المنطقة الوسط بيننا". تزوج الشهيد وعمره 21 عاماً، لكن رغم ذلك لم تحس والدته بغيابه، وبقي هو المسؤول عنها، وعن إخوته ويزورهم باستمرار ليهتم بكل شؤونهم.

"أراه في أولاده الثلاثة" تقول والدة الشهيد "لكن ما يحرق قلبي، أنه لم يعش طويلاً ليراهم اليوم شباباً من المتفوقين في دراستهم الجامعية والمدرسية، فهم أذكياء كوالدهم". قصة الحاجة أم محمد لم تنته مع قافلة الشهداء، فولدها علي أبى أن تمر حرب تموز 2006 دون أن يلحق بتلك القافلة. "علي يختلف عن باقي إخوته بطبعه وقربه وشخصيته المميزة" تقول الحاجة أم محمد "ما جعله يعوضني عن فقدان أخيه، وزواجه كان لإصراري الدائم عليه بالزواج وإنجاب الأطفال بعد معرفة أهمية الأحفاد في حال استشهاد الولد".

لا تخفي الحاجة دموعها وهي تستذكر كل الهدايا التي جلبها لها الشهيد، والتي لا زالت الحاجة تحتفظ بها، حيث كان يهديها بمناسبة وبدون مناسبة. وتؤكد أن فقدها لعلي كان أصعب بعد استشهاد محمد، وتتمنى لو أن الشهيد علياً أنجب أكثر من ولد واحد، ولكن هذا هو نصيبها معه. وتختم الحاجة أم محمد بالقول: "أوصي أمهات الشهداء بالصبر، فهذه طريق ذات الشوكة. ولولا دماء أبنائنا، لما كنا انتصرنا، ولا نصر دون ثمن". في حياتهم لم ينسوا أمهاتهم. ورغم رحيلهم، تركوا فلذات أكبادهم ليقدموا باسمهم في هذا العيد ورداً وهدية، وهم أغلى هدية.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع