تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

عزيزة الحسين عليه السلام

الشيخ مهدي أبو زيد


هي الأمّ بعد الوالدة، وهي عزيزته وخليلته، وحافظة الوصيّة ومنفّذتها، يوم وقفت في العاشر من محرّم تقبّله في نحره، وتشمّه في صدره، ثمّ توجّهت ناحية المدينة تقول: "أمّاه يا فاطمة، قد استُرجعت الأمانة". إنّهما الحسين وزينب عليهما السلام، أخوّةٌ قلّما يشهد لها التاريخ مثيلاً، اكتمل نسيج خيوطها في كربلاء، واستمرّت ما بعد شهادته عليه السلام برسالةٍ وأدوار عظيمة أدّتها أمّ المصائب زينب عليها السلام لحفظ ثمرة هذه الدماء والعطاء. فما هو سرّ هذه العلاقة؟

•"ولا تمحو ذكرنا"
ولنا أن نقتنص من حِكمَةِ الحديث النبويّ الشريف: "حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً"(1)، وأبعاده وخلفيّته، عمق العلاقة بين روح زينب مع الحسين عليهما السلام، ودم الحسين عليه السلام الذي حملته زينب عليها السلام على الأكفّ طيلة حياتها، في حلّها وترحالها وكيفما دارت، حتّى نكاد نتلمّس من أهل المعرفة أنّ مقصود سيّد الشهداء عليه السلام: "شاء الله أن يراهنَّ سبايا"(2)، أنّ هذا المسير بعين الله تعالى، وهو السبيل الذي حُشِد له ذات عيد من أجل إحراق إبراهيم عليه السلام، وجُمِع له السحَرة من أجل الانقضاض على وظيفة موسى عليه السلام، فكان المسير طريقة سُخِّرت من أجلها السلطة المغرورة لتؤدّي الخفرة الناطقة باسم عليٍّ دورها، وتصدح في أذن الدنيا والتاريخ مقالتها للمنتشي الجهول: "... فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا..."(3)، حتّى تعرّفت الدنيا على الذبح العظيم، وما قُدِّم من عطاء كريم.

•نتاج البيت العلويّ الشريف
المتأمّل بعيداً عن التراث الشعبيّ، والإيحاء العاطفيّ، يدرك بوضوح أنّ كلّاً من سيّد الشهداء والصدّيقة الصغرى عليهما السلام نتاج البيت العلويّ الشريف، فهما من أبناء فاطمة الذين ربّتهم على الاهتمام بالآخرين قبل العناية والاهتمام بالنفس.

أ- العبوديّة والطاعة لله: تذوّق أبناء الزهراء عليها السلام باكراً نكهة العبوديّة والطاعة الخالصة لله تعالى، فشاركوا في أداء النذر قربةً لله وهم صبية صغار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (الإنسان: 7).

ب- النوافل الليليّة: تهيّأوا عليهم السلام منذ الطفولة لإحياء ليالي القدر لما لها من أثرٍ في حياة الإنسان، فانعكس ذلك في السيرة الزكيّة لأبناء هذا البيت عليهم السلام، بحيث ينتدب مولانا الحسين عليه السلام أخاه العبّاس عليه السلام ليلة العاشر ليفاوض من أجل إحياء ليلةٍ في العبادة قبل النزال: "إن استطعت أن تصرفهم عنّا في هذا اليوم فافعل، لعلّنا نصلّي لربّنا في هذه الليلة، فإنّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه"(4). ثمّ يعزم على أداء صلاة جماعة منعقدة تحت ظلال الرماح وبريق السيوف على رمضاء كربلاء مادحاً أبا ثمامة الصائديّ: "ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين.. سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي"(5).

وعلى النهج نفسه سلكت مولاتنا زينب عليها السلام، كما روي عن مولانا زين العابدين عليه السلام: "إنّ عمّتي زينب، مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام، ما تركت نوافلها الليليّة"(6).

•الاعتداء على البيت النبويّ
لقد ذاق الإمام الحسين عليه السلام مع أخته مرارة أحزان الصدّيقة الشهيدة عليها السلام، وهم يرَونها واجدة على فَقد خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم، وصولاً إلى ارتحالها إلى جوار المصطفى مختلسة كما في تعبير نعي أمير المؤمنين عليه السلام لها: "بلى، وفي كتاب الله أنعم القبول إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد استُرجعت الوديعة، وأُخذت الرهينة، وأُخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء، يا رسول الله!"(7).

•أهل الحقّ والعلم
وأدركا معاً ما عاناه عليّ عليه السلام صاحب الحقّ الذي يدور معه كيفما دار(8)، وهو يرى تراثه نهباً.

واستقيا من الزهراء عليها السلام كيف تبسط سفرة الغذاء الملكوتيّ لكلّ أحد، فدرجت زينب عليها السلام تعلِّم النساء معالم دينهنّ؛ لأنّها من البيت الذي حثّ الناس على طلب العلم من المهد إلى اللحد، تماماً كما فعل أخوها الحسين عليه السلام، عندما أحسّ بخطأ وضوء أحد الكبار، فأوصل له الفكرة مع مولانا المجتبى عليه السلام من غير أن يخدشا شعوره.

•حضن الأسرة
فللتربية الأسريّة بالغ الدور في تمتين العلاقة بين الأبناء، كما أنّ القصور عنها أو التقصير ينتج سلوكاً عكسيّاً. فقد روي عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام: "والله إنّي لأصانع بعض ولدي وأُجلسه على فخذي، وأكثر له المحبّة، وأكثر له الشكر، وإنّ الحقّ لغيره من ولدي، ولكن محافظةً عليه منه ومن غيره، لئلّا يصنعوا به ما فُعل بيوسف وإخوته"(9).

•المودّة في القربى
مضافاً إلى ذلك، فقد دعت الشريعة الغرّاء إلى مودّة أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: 23)، فكيف إذا كانت بين أبناء أهل البيت عليهم السلام أنفسهم، فلا شكّ في أنّها ستكون الأرقى والأعمق؛ لذا ندرك ما تناقلته الكتب عن العلاقة الخاصّة بينهما، فمرّةً يمشي إلى جنبها لكي لا تُرى، ومرّةً يظلّلها وهي نائمة لكي لا تزعجها حرارة الشمس فتوقظها من نومها، ومرّةً تفتقده وقد انتقلت إلى بيت زوجها واشتدّ وجدها على فَقده، فيذهب قاصداً زيارتها، مضافاً إلى اشتراطها مرافقته إن هو خرج.

ولم يكن ذلك الخروج خافياً على أحد، فقد كانت توأم ميلاد سيّد الشهداء عليه السلام، كما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ ابني هذا مقتول"(10)، تماماً كما الوظيفة الزينبيّة التي أبكت مقلتَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

•أصحاب الكساء
إنّ هذه العلاقة كانت تشتدّ وتقوى كلّما فُقد أحد أصحاب الكساء، حتّى أمسى الحسين بالنسبة إلى زينب أهلها كلّهم، فهو الجمال النبويّ، والصبر الفاطميّ، وهامُ عليّ المفلوق في محراب الصلاة، وهو كبد الحسن المهضوم المغدور. وصارت مكانته عليه السلام في قلبها الشريف حبّاً للخمسة أصحاب الكساء. لذا، عندما ردّد أبياتاً استشفّت منها الحقيقة المرّة قالت: ".. اليوم ماتت أمّي فاطمة، وأبي عليّ، وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين..."(11)؛ لأنّها تعلم أنّ أصحاب الكساء كلّهم يرتقون إلى ملكوت السماء، وهو آخرهم.

•مستودع الأسرار
وبادلها الإمام الحسين عليه السلام المشاعر نفسها، ومزيد الاحترام، فكانت مستودع الأسرار، وكانت تدرك ذلك الشعور وتلك الأحاسيس؛ لذا، ورد في المَقاتل أنّها لم تخرج من خبائها إلّا عندما رأته، استدراجاً لسيّد الشهداء عليه السلام، وصرفاً له عن عظيم الجناية التي طالت شبيه رسول الله، عليّ الأكبر الشهيد.

•حافظة الوصيّة
وهنا، يمكن لنا أن نستشرف فورة الأحاسيس الجيّاشة وهي ترى الجسد الشريف، وتمنع من توديعه، بل ترمقه بتلك النظرات العاتبة على الدهر الخؤون من على ظهر الناقة، محتسبةً صابرةً ممتثلةً لوصيّة حفظ العيال والاهتمام بهم، يرافقها الرأس الشريف، والنفس العفيف، ولا تغادرها أحكام الدين الحنيف، على الرغم من الألم والأسى كليهما. ومع ذلك كلّه، استثمرت عقيلة الطالبيّين في الشهادة، وبيّنت الحقائق على امتداد الأفق، مكملة لمسيرة سيّد الشهداء عليه السلام؛ لنرى بعض جناها في يومنا هذا مع المجاهدين الذين استمدّوا من صلابتها ودماء توأم عمرها، العزيمة والصبر، سالكين طريق ذات الشوكة، رامقين الأُفق البعيد لعلّهم يلتحقون بالطلعة الغرّاء لصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف.


1.بحار الأنوار، المجلسي، ج43، ص261.
2.العوالم، البحراني، ص214.
3.بحار الأنوار، (م.س)، ج45، ص135.
4.اللهوف، ابن طاووس، ص114.
5.لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص156.
6.رجال تركوا بصمات، صافي القزويني، ص169.
7.شرح أصول الكافي، المازندراني، ج7، ص214.
8.مناقب الإمام عليّ عليه السلام، محمد بن سلمان الكوفي، ج2، ص527.
9.ميزان الحكمة، الريشهري، ج4، ص3673.
10.معالم المدرستين، مرتضى العسكري، ج3، ص35.
11.مثير الأحزان، ابن نما الحلّي، ص35.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع