تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

سمَّاها الله زينب

الشيخ د. أكرم بركات


في الخامس من جمادى الأولى، أولدت السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام مولودة، فحملها أبوها أمير المؤمنين عليه السلام ومَن حوله ينتظر أن يسمّيها، فقال عليه السلام: "ما كنت لأسبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، واستدعى ذلك انتظار عودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سفره. وحينما قدم سئل أن يسمّيها، فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم: "ما كنت لأسبق ربّي"، فهبط جبرائيل قائلاً: "سمِّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم"(1).

•الاهتمام باختيار الاسم
إنّ هذا هو خير شاهد على اهتمام الإسلام بتسمية الأولاد، وهو ما عدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حقوق الأبناء على الآباء، فقد ورد أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما حقُّ ابني هذا؟"، فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم: "تُحسن اسمه وأدَبه، وتضعه موضعاً حسناً"(2).

وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يدعون إلى استبدال الأسماء الحسنة بالأسماء القبيحة، فقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال لأحد الآباء وقد سمّى ابنته اسماً قبيحاً: "اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سمّيتها أمس؛ فإنّه اسم يُبغضه الله"(3).

وقد أرشد الإسلام إلى أهميّة ملاحظة الجهة المضمونيّة للاسم، فعن النبـــــــــيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "...أصدق الأسماء ما سُمِّي بالعبوديّة، وأفضلها أسماء الأنبياء"(4).

إنّ هذا الحديث يُرشد إلى أمرين يحسن ملاحظتهما في الاسم: الأوّل له ارتباط بالمعنى "ما سمّي بالعبوديّة" كـ"عبد الله"، والثاني له ارتباط بالقدوة الصالحة، "وأفضلها أسماء الأنبياء". ومن لطيف ما ورد في ذلك أنّ شخصاً سأل الإمام الصادق عليه السلام: "إنّا نسمّي بأسمائكم وأسماء آبائكم، فينفعنا ذلك؟"، فقال عليه السلام: "أي والله، وهل الدين إلّا الحبّ"(5).

•ألقابها وفضائلها
قد يكون اسم زينب عليها السلام الذي ربما يعني "زين الأب"، عاكساً لما تحمله من صفاته الكماليّة التي تجلّت في خصالها التي نعرض منها:

1- عقيلة بني هاشم: من معاني العقل: الكرامة، فمعنى عقيلة بني هاشم؛ أي كريمتهم. وقد كان هذا اللقب محلّ افتخار لذريّتها الذين كانوا يلقّبون بـ"بني العقيلة".

2- العزيزة: كان للسيّدة زينب عليها السلام عزٌّ في منزل أبيها منذ طفولتها، فكانت مصداقاً لما ورد عن كون المرأة (عزيزة في بيت أهلها)، فقد ورد في سيرتها أنّ:
- النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يبكي لحديثها.

- أخاها الإمام الحسين عليه السلام دخل المنزل ذات مرّة -وهو طفل- فرآها نائمة، والشمس مسلّطة عليها، فوقف يواريها بنفسه من الشمس، وكان إذا زارته يقوم لها إجلالاً، ويجلسها مكانه.

3- العالمة: ورد أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام قال لعمّته زينب عليها السلام: "أنت -بحمد الله- عالمة غير معلّمة، وفهمةٌ غير مفهّمة"(6).

لقد ظهر علم السيّدة زينب عليها السلام وتجلّى فيها منذ صغرها، ففي طفولتها قال لها أبوها: "قولي واحد، قالت: واحد، فقال لها: قولي اثنين، فسكتت. قال لها: تكلّمي يا قرّة عيني، قالت: أبتاه، ما أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد"(7).

وتكاملت السيّدة زينب عليها السلام في معرفتها بين علمها بالمبدأ الذي تجلّى في الحوار السابق، وعلمها بالمعاد الذي تجلّى في حديثها عن لوحة كربلاء المخضّبة بالدماء: "ما رأيت إلّا جميلاً"(8).

4- المُحدِّثة: وعلى قاعدة أنّ زكاة العلم إنفاقه، فقد كانت السيّدة زينب خير منفقة لعلوم الإسلام، فكان لها في الكوفة مجلس تعلّم فيه النساء، وتهتم فيه بتفسير القرآن الكريم. وقال الشيخ الصدّوق: "كان لزينب عليها السلام نيابة خاصّة عن الحسين عليه السلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام"(9).

وممّا يدلّ على علوّ شأنها العلميّ، ومرجعيّة النّاس إليها في أمور الدين أنّ ابن عبّاس حبر الأمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها، وكان يفتخر في نقله العلم عنها، فكان يقول: "حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت عليّ".

5- المُخدَّرة: عن يحيى المازني: "جاورتُ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام في المدينة المنوّرة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه السيّدة زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخرج ليلاً، الحسن عن يمينها والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين عليه السلام أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف، سبقها أمير المؤمنين عليه السلام، فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن عليه السلام مرّة عن ذلك، فقال عليه السلام: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب"(10).

6- العابدة: جاء في سيرة السيّدة زينب عليها السلام أنّها ما تركت تهجّدها في الليل طول دهرها حتّى ليلة الحادي عشر من المحرّم، إذ يحدّثنا الإمام زين العابدين عليه السلام: "رأيتها تلك الليلة تصلّي من جلوس"(11)، و"إنّ عمّتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام، ما تركت نوافلها الليليّة"(12).

7- المجاهدة: هيَّأ أمير المؤمنين عليه السلام ابنته السيّدة زينب عليها السلام لمسيــرة كربلاء منذ صغرها، وهذا ما يُؤكّده ما حدث أثناء عقد زواجها من عبد الله بن جعفر حينما اشترط عليه أمير المؤمنين عليه السلام أن لا يمنعها من الخروج إلى كربلاء مع أخيها الإمام الحسين عليه السلام.

8- الشُجاعة: فهي التي قالت أمام جثمان أخيها الشهيد الإمام الحسين عليه السلام وهو مقطوع الرأس، بكلّ شموخ وعزّ: "اللهم تقبّل منّا هذا القربان"(13). وهي التي وقفت في وجه الطاغية يزيد في الشام وقالت له: "فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا"(14).

هذا بعضٌ من فضائل زينب عليها السلام التي شحّ التاريخ بأخباره عنها.


1.العقيلة والفواطم، الشاكري، ص11؛ ويراجع النصّ كاملاً: "لمّا ولدت زينب عليها السلام استبشر بها أبوها الإمام عليّ عليه السلام وأخذها من أمّها السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام وقالت: سمِّ هذه المولودة، فقال: ما كنت لأسبق أباك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...".
2.وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج15، ص124.
3.(م.ن)، ج15، ص123.
4.(م.ن)، ج15، ص124.
5.بحار الأنوار، المجلسي، ج101، ص130.
6.شجرة طوبى، الحائري، ج2، ص393.
7.(م.ن)، ج2، ص392.
8.بحار الأنوار، (م.س)، ج45، ص116.
9.شجرة طوبى، (م.س)، ج2، ص392.
10.العقيلة والفواطم، (م.س)، ص18.
11.(م.ن)، ص50.
12.(م.ن).
13.(م.ن)، ص61.
14.بحار الأنوار، (م.س)، ج45، ص135.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع