تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

حكايا الشهداء: صديقي الأبدي

تحقيق: نانسي عمر


"أينما يكن (حسن) تجد (ياسر)، وأينما تبحث عن (ياسر) تجد (حسن)".. هي عبارة تختصر قصّة صداقة قلّ نظيرها، جمعت الشهيدين "حسن زبيب" و"ياسر ضاهر"، اللذين استشهدا معاً في شهر آب الماضي في غارة صهيونيّة على الأراضي السوريّة، فكانت شهادتهما خطّاً مفصليّاً غيّر المعادلات بين المقاومة والعدوّ الإسرائيليّ كما بدا واضحاً في الآونة الأخيرة.

بدأت قصّة صداقة "ياسر" و"حسن" مع صداقة والدَيهما، وكبرت معهما سنة بعد سنة، حيث كان يأبى أحدهما أن يفارق الآخر مهما كانت الظروف. ترافقا في المدرسة، والجامعة، والسكن الجامعيّ، والسفر، كما في رحلتهما الأخيرة إلى سوريا، حيث كانت الشهادة في انتظارهما؛ فكما ترافقا في حياتهما، ترافقا في شهادتهما أيضاً.

•زملاء الدراسة
جمعتهما مقاعد الدراسة في مدارس المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في المرحلة المتوسّطة ثمّ الثانويّة، حيث كانا يتلازمان في المقاعد والصور أيضاً، فيتشاركان الدراسة والمزاح والجدّ، وكذلك الحزن.

يتحدّث أصدقاء الشهيدين عن علاقة أخوّة غريبة كانت بينهما، حيث كانا يرفضان حتّى أن يذكر اسم أحدهما قبل اسم الآخر، كما كانا يرفضان أيّ عرض يقدّم لأحدهما لم يكن يشمل الثاني، وكأنّهما قلب واحد في جسدين. عندما تخرّجا من الثانوية، قدّم الشهيدان طلب منحة للدراسة في الجمهوريّة الإسلاميّة، وكان الشرط الأساسيّ: "إمّا أن نُقبل معاً، أو نرفض معاً".

وهذا ما حصل، فقد سافرا معاً إلى الجمهوريّة الإسلاميّة، وكانا في الدُّفعة نفسها، وفي الصف نفسه أيضاً، حتّى إنّهما كانا يجلسان دائماً جنباً إلى جنب.

•روح واحدة
"كنّا نعدُّهما شخصاً واحداً وروحاً واحدة، فالروح الأخويّة التي جمعتهما لم تكن تدعنا نفرّق بينهما"، يقول "حسين"، أحد الأصدقاء المقرّبين من الشهيدين. ويتابع: "حتّى عندما كنّا نلعب كرة القدم أو أيّ لعبة أخرى، كانا يلعبان في الفريق نفسه، ولم يرضيا باللعب في مواجهة بعضهما بعضاً، لهذه الدرجة كانا متعلّقَين ببعضهما بعضاً".

•أذان الملائكة
ومن الذكريات التي يحتفظ بها "حسين"، الذي كان زميلاً للشهيدَين في السكن في مدينة قزوين الإيرانيّة، صوتاهما الجميلان. يقول "حسين": "كان لياسر وحسن صوت جميل ملائكيّ، وكنّا نستيقظ كلّ يوم لصلاة الفجر على صوت أحدهما". "كنتُ أحياناً أستيقظ قبل موعد الصلاة حتّى أسمع الأذان من (ياسر) و(حسن)، حيث كانا يقفان أسفل السلالم، ويُسمعاننا الأذان بصوتيهما الرائعَين كي نستيقظ ونصلّي معاً".

•لن تبقى معي طويلاً
يذكر أحد الأصدقاء أنّهم اجتمعوا مع "حسن" و"ياسر" في زفاف أحد أصدقائهم قبل عشرين يوماً تقريباً من شهادتهما. وخلال الحفل أبدى أحد الشباب إعجابه بسلسلة كانت في عنق "حسن" على شكل شجرة الأرز، فقام حسن بخلعها وتقديمها للشاب فوراً ودون تردّد، وكأنّه يقول له: خذها، فهي لن تبقى معي طويلاً.

•ابتسامة أخفتها الظروف
عُرِف الشهيدان -بحسب أصدقائهما- بالروح المرحة، وطهارة النفس، وطيبة القلب، وبشاشة الوجه. ولكنّ البشاشة اختفت في فترة واحدة عن وجهيهما، وذلك عندما فرّقت بينهما الجامعة في أشهرها الأخيرة، فاقتضى الظرف أن يكون "حسن" في جامعة في أصفهان و"ياسر" في جامعة أخرى في "مشهد".

لم يرضَ "ياسر" و"حسن" بالفرقة، وقد لاحظ الجميع كيف أثّر ابتعادهما عن بعضهما بعضاً على الاثنين؛ فقد اختفت البسمة عن وجهيهما، وكانا حزينَين على فراق أحدهما للآخر.

يقول "عليّ"، أحد أصدقاء الشهيدين: "كنت أرى (ياسر) -وقد كنّا في الجامعة نفسها- دائم التفكير في (حسن)، يتّصل به مكالمة فيديو عند الأكل، وعندما نغادر الجامعة، وفي المسكن، وكلّما أتيحت له الفرصة، يخبره بالتفاصيل الدقيقة، وكذلك كان (حسن) يفعل.

حتّى إنّ (ياسر) ذهب لزيارة (حسن) في أصفهان لمدّة ثلاثة أسابيع، وعاد برفقته إلى (مشهد)".

قضى "حسن" بضعة أيّام في مشهد قبل أن يعود إلى أصفهان مجدّداً. وبعدها، قرّر (حسن) و(ياسر) العودة إلى لبنان واختيار جامعة أخرى حتّى يبقيا معاً ولا يفرّق بينهما شيء أبداً.

•اللقاء الأخير
وعن لقائه الأخير بالشهيدين قبل فترة وجيزة من استشهادهما، يقول "عليّ": "كانت تعابيرهما مختلفة، تملأ قلبيهما عطف ومشاعر لم يبرزاها من قبل. أبْدَيَا اهتماماً كبيراً يختلف عن قبل، وكأنّهما كانا يزوّدانني بجرعة مهدّئة.. أو ربّما ذكريات قاتلة".

•صداقة أبديّة.. حتّى الشهادة
ويروي أحد أصدقاء الشهيدين كيف تلقّى نبأ استشهادهما، فيقول: "عندما سمعنا خبر شهادة (حسن)، أول ما تبادر إلى ذهننا هو (ياسر)، كيف سيكون ردّ فعله، وكيف سيقوى على العيش دون (حسن)؟ ولكن عندما سمعنا بنبأ استشهاد (ياسر)، عرفنا أنّه حتّى الشهادة لم تقوَ على التفريق بينهما، فقد أبيا إلّا أن يرتقيا معاً نحو علياء الشهادة ليكونا مع محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم".

•وصيّة الوفاء
عندما التقى والد (حسن) بوالد (ياسر) خلال تشييعهما، أوّل ما قاله أحدهما للآخر: "حتّى هنا لم يتركا بعضهما بعضاً". وكان مقرّراً أن يُدفن "ياسر" في روضة الشهداء في بيروت، أمّا "حسن" ففي بلدته الجنوبيّة "النميريّة"، ولكن خلال التشييع، تبيّن أنّ لـ(حسن) وصيّة كان قد أخبر بها بعض أصدقائه، وهي أن يُدفن بجانب (ياسر)، فكان له ما أراد.

•وصلا قبل الأربعين
اعتاد (حسن) و(ياسر) أن يذهبا معاً لزيارة الإمام الحسين عليه السلام في كلّ عام. يقول أحد أصدقاء الشهيدين: "التقيتُ بـ(حسن) في الضاحية الجنوبيّة قبل أيّام من شهادته، فسألته عمّا إذا كان ينوي الذهاب لزيارة الأربعين في هذا العامّ، لكنّه تبسّم ولم يجبني"، ويكمل: "الآن عرفت أنّه قد وصل إلى الإمام الحسين عليه السلام قبل الأربعين".

•عن آخر اللحظات
"في زيارته الأخيرة، جاء ياسر إلى البيت، بينما كنت أنا في قريتي أقضي عطلة الصيف. نظّف البيت، ورتّبه". تقول والدة الشهيد "ياسر" وأضافت: "عندما وصلني خبر استشهاده، عدت إلى بيروت وهاجسي كيف أستقبل المهنّئين في بيت مهمل من أول الصيف، فتحت الباب فوجدت كل شيء مرتّباً، ونظيفاً، جاهزاً لاستقبال المحبّين المهنّئين. ربّما أصرّ الشهيد حتّى آخر لحظات حياته، أن يكون الابن المرضيّ".

أمّا والدة الشهيد "حسن" فقالت: "عندما بدأت تصل أخبار القصف في سوريا، علمت والدة (ياسر) باستشهاد ابني (حسن)، كان بكاؤها شديداً، وهي تردّد: (كيف سيكمل ابني ياسر الحياة بعيداً عنك يا حسن)، إلى أن وصل خبر استشهاد ابنها (ياسر) مع (حسن) في القصف نفسه، هدأت، واستكانت لأمر الله، وعزّت نفسها بأن رفيقَي العمر لم يفترقا.. حتّى فارقا الروح معاً"(1).

•وكان وعداً مفعولاً
جاءت شهادة "حسن" و"ياسر" في الرابع والعشرين من شهر آب، يومها وعد الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) العدوّ الإسرائيليّ بردٍّ غير محدّد الزمان والمكان، ثأراً لدم الشهيدين، والمقاومة عُرفت بوفائها لدم شهدائها. ومذاك، ظلّ العدوّ مستنفراً يترقّب الردّ في أيّ لحظة.

لم يطل الوفاء بالعهد، ولم تنفع استخبارات العدوّ واستنفاره وجهوزيته كلّها. ففي الأوّل من شهر أيلول الماضي، الذي ترافق مع الأوّل من شهر محرّم الحرام، وبنداء: "يا بقيّة الله"، قامت مجموعة الشهيدين "حسن زبيب" و"ياسر ضاهر" باستهداف آليّة عسكريّة لجيش العدوّ الإسرائيليّ عند طريق ثكنة "أفيفيم"، ما أسفر عن قتل وجرح من فيها، وكان وعد الله مفعولاً.


1.نقلاً عن جريدة العهد، بتاريخ: 2-9-2019م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع